الحوثيون وباب المندب: بين السيطرة الميدانية واختبار الموقف الدولي
أ.د.عبدالوهاب العوج::
أكاديمي ومحلل سياسي يمني.
تدخل الأزمة اليمنية في سبتمبر 2026 مرحلة مختلفة من حيث طبيعة التحولات العسكرية والجغرافية وتداعياتها الإقليمية والدولية، فالتطورات المتسارعة على الساحل الغربي لم تعد مجرد جولة جديدة من جولات الصراع الداخلي، وإنما أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بأمن واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وبقدرة الأطراف الإقليمية والدولية على حماية حرية الملاحة ومنع تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة ضغط على حركة التجارة والطاقة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة مع انتقال القتال إلى مناطق قريبة من باب المندب، وسيطرة الحوثيين على مدينة المخا ومواقع ساحلية استراتيجية، بالتزامن مع وصول سيطرتهم إلى عدد من الجزر المهمة في جنوب البحر الأحمر، بينها ميون (بريم) وزقر وحنيش، وفق تقارير ميدانية وإقليمية، وكان المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ قد أكد في إحاطته أمام مجلس الأمن في 10 سبتمبر أن الحوثيين سيطروا على مدينة وميناء ومطار المخا، والتي تبعد نحو 75 كيلومتراً عن مضيق باب المندب، وهي مسافة تجعل السيطرة على المدينة ذات تأثير مباشر في المعادلة الأمنية المحيطة بالمضيق، مشيراً إلى أن القتال كان مستمراً وأن الوضع الميداني لا يزال متغيراً.
المخا وباب المندب: من السيطرة الساحلية إلى النفوذ البحري
لا تكمن أهمية المخا وحيس والخوخة في كونها مديريات و مدن ساحلية وموانئ مهمة و تاريخية فحسب، وإنما في موقعها ضمن السلسلة الجغرافية الممتدة على الساحل الغربي باتجاه باب المندب، ولذلك فإن السيطرة عليها تمنح الطرف المسيطر عمقاً عملياتياً بالقرب من واحد من أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
وهنا ينبغي التمييز بين السيطرة الميدانية على مناطق وجزر ومواقع مطلة على المضيق، وبين إغلاق باب المندب أو فرض حصار قانوني وفعلي شامل على الملاحة الدولية، فالمعطيات المتاحة تشير إلى استمرار عبور السفن، وإن كان بمستويات ومخاطر مختلفة، ولذلك فإن التحول الأخطر لا يتمثل بالضرورة في إغلاق المضيق، وإنما في امتلاك قدرة متقدمة على تهديده أو التأثير في أمنه ورفع تكلفة استخدامه، حيث أظهرت بيانات تتبع السفن و الملاحة أن حركة السفن عبر باب المندب انخفضت رغم انها مستمرة بشكل اقل خلال سبتمبر، في حين ظلت المخاطر الأمنية مرتفعة نتيجة التصعيد في المنطقة.
وهذا يضع باب المندب أمام معادلة جديدة: لم يعد السؤال فقط عما إذا كانت الملاحة ستتوقف، وإنما عما إذا كان بإمكان جماعة مسلحة أن تمتلك قدرة مستدامة على التأثير في قرارات شركات الشحن والتأمين، وتغيير مسارات السفن، ورفع تكاليف النقل والطاقة، وفرض ترتيبات أمنية جديدة على أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
من الساحل إلى الجزر: ميون وزقر وحنيش
تتضاعف أهمية التطورات عندما تنتقل من البر إلى الجزر. فجزيرة ميون (بريم) تقع في قلب باب المندب، وتتمتع بموقع يمنحها أهمية استثنائية بالنسبة للمراقبة والتحكم في الممرات البحرية، بينما تشكل جزر زقر وحنيش جزءاً مهماً من العمق البحري والجغرافي لجنوب البحر الأحمر.
وتشير تقارير سبتمبر إلى وصول الحوثيين إلى ميون وتقدمهم في اتجاه جزر زقر وحنيش، في وقت انسحبت فيه القوات الحكومية من مواقع استراتيجية في الساحل الغربي وجزر جنوب البحر الأحمر، كما تحدثت تقارير أخرى عن اتساع السيطرة الحوثية على أجزاء واسعة من المنطقة الساحلية الممتدة باتجاه باب المندب، وقد وصفت تقارير دولية التطورات بأنها مكنت مليشيات الحوثي من أحد أهم الممرات البحرية العالمية، بينما أكد مجلس الأمن لاحقاً أن سيطرة الحوثيين في الساحل الغربي و مضيق باب المندب بات يشكل خطراً على الأمن البحري والتجارة الدولية.
والأهمية هنا ليست في الجزيرة منفردة، بل في تكامل الجغرافيا البرية والبحرية وبقية الجزر الاستراتيجية الاخرى في جنوب البحر الأحمر، فعندما تتصل السيطرة على الساحل بالسيطرة أو النفوذ على الجزر القريبة من خطوط الملاحة، تتشكل قدرة مختلفة عن مجرد السيطرة على مدينة أو مديرية؛ إذ يصبح بالإمكان بناء منظومة مراقبة وتهديد تمتد من اليابسة إلى المجال البحري.
ومن هذه الزاوية، فإن ميون ليست مجرد جزيرة يمنية ذات أهمية محلية، وإنما نقطة جغرافية في معادلة أمن البحر الأحمر كله، بينما تضيف زقر وحنيش عمقاً بحرياً إلى هذه المعادلة، وترفعان من أهمية السيطرة على الساحل الغربي ومحيطه البحري.
حيس والخوخة: أهمية الجغرافيا البرية في حماية الساحل
لا ينبغي النظر إلى المخا وباب المندب بمعزل عن المناطق الواقعة شمالهما، ومنها حيس والخوخة والمناطق المتصلة بالساحل الغربي، التي شهدت خلال الأسابيع الأخيرة تغيرات ميدانية متسارعة، فهذه المناطق تشكل عمقاً برياً مهماً لأي قوة تسعى إلى تثبيت وجودها على الساحل أو تأمين خطوط الإمداد والتحرك باتجاه الجنوب، كما أن حيس تحتل موقعاً محورياً في خطوط الإمداد بين الساحل ومدينة الحديدة وتعز، ما يجعل السيطرة عليها مؤثرة في قدرة أي طرف على نقل القوات والمعدات بين هذه الجبهات.
ولهذا فإن المعركة على الساحل الغربي ليست معركة مدن منفصلة، وإنما صراع على سلسلة جغرافية مترابطة، والسيطرة على مدينة ساحلية لا تصبح ذات قيمة استراتيجية كاملة إلا إذا أمكن تأمين الطرق والممرات البرية المؤدية إليها، وربطها بالمواقع العسكرية والبحرية والجزر القريبة.
وتزداد أهمية ذلك بالنسبة إلى باب المندب لأن أي قوة تسيطر على العمق البري القريب من المضيق تستطيع، نظرياً، تطوير قدرات مراقبة واستهداف وتهديد للمجال البحري، حتى من دون أن تمتلك قدرة قانونية أو عسكرية على إغلاق الممر الملاحي بالكامل.
البعد الإيراني: بين هرمز وباب المندب
هنا تظهر إحدى أهم الزوايا الجيوسياسية للتطورات الحالية، فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى السيطرة المباشرة على باب المندب حتى تستفيد استراتيجياً، فهي تمتلك مليشيات مسلحة تابعة لها لديها القدرة المؤثرة على الضفة اليمنية للمضيق واغلاقه في وجه من تريد.
فباب المندب يمثل المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بينما يمثل مضيق هرمز بوابة الخليج العربي إلى المحيط. وأي تزامن بين ارتفاع مستوى التهديد في الممرين يمكن أن يخلق ضغطاً مزدوجاً على منظومة التجارة والطاقة العالمية، خصوصاً بالنسبة إلى الدول التي تعتمد على خطوط الملاحة الممتدة من الخليج العربي عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
وقد أصبحت هذه المسألة أكثر وضوحاً في سبتمبر، مع تأكيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أهمية ضمان المرور الآمن وغير المعوق عبر مضيقي هرمز وباب المندب، باعتبارهما من الممرات الحيوية للتجارة العالمية ونقل النفط.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود قيادة عملياتية إيرانية مباشرة لكل تحرك حوثي، فهذه مسألة تحتاج إلى أدلة محددة في كل حالة، وإنما يعني أن امتلاك حليف إقليمي قدرة على تهديد أحد الممرات البحرية الرئيسية يمكن أن يضيف ورقة ضغط إلى البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها طهران.
وبذلك يصبح البحر الأحمر جزءاً من معادلة أوسع تتجاوز اليمن: أمن باب المندب يرتبط بأمن الخليج، وأمن هرمز يرتبط بأمن البحر الأحمر وقناة السويس، وأي اضطراب متزامن في هذه النقاط يمكن أن يرفع كلفة التجارة والطاقة والتأمين والنقل على المستوى الدولي.
ومن منظور جيوسياسي، يمثل التقدم الحوثي نحو باب المندب توسعاً في مجال النفوذ الإيراني غير المباشر، إذا استمر هذا التقدم وتحول إلى سيطرة ميدانية مستقرة، فطهران تستطيع، في مثل هذا السيناريو، أن تمتلك بيئة إقليمية أكثر تعقيداً حول خصومها، من دون أن تكون مضطرة إلى نشر قوة عسكرية إيرانية تقليدية في كل نقطة جغرافية.
لكن هذا لا يعني أن المكاسب الإيرانية مضمونة أو بلا تكلفة. فكلما اقترب الحوثيون من الممرات البحرية الدولية، ارتفعت احتمالات تشكيل ترتيبات إقليمية ودولية مضادة، كما ازدادت الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية على الحركة وعلى إيران نفسها.
وهنا تكمن المفارقة: السيطرة الميدانية تمنح الحوثيين أوراق قوة جديدة، لكنها في الوقت ذاته تجعلهم أكثر انكشافاً أمام استجابة إقليمية ودولية قد تتعامل مع القضية باعتبارها مسألة أمن ملاحي دولي، وليس مجرد نزاع يمني داخلي.
كيف استجاب المجتمع الدولي؟
القول إن المجتمع الدولي لم يستجب للتطورات سيكون غير دقيق، فقد أصدر مجلس الأمن في 18 سبتمبر بياناً أدان فيه بأشد العبارات استمرار هجمات الحوثيين على السعودية، بما في ذلك الهجمات التي طالت البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة، وجدد إدانته للهجمات والتهديدات التي تستهدف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب، وشدد على سلامة السفن وأطقمها وعلى احترام القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وحقوق الملاحة وحرياتها. كما اعتبر أن التقدم الحوثي في باب المندب يهدد الأمن البحري والتجارة الدولية.
كما حذر المبعوث الأممي في 7 سبتمبر من أن التصعيد الأخير ينذر باتساع نطاق النزاع، مؤكداً أن العودة إلى قتال واسع ومستمر ستفاقم معاناة المدنيين وتزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية، ودعا الأطراف إلى وقف الأعمال العدائية والاستفادة من القنوات القائمة لمنع مزيد من التصعيد.
وفي 22 سبتمبر الحالي، أكدت تركيا والسعودية ومصر وباكستان، خلال اجتماع على هامش اجتماع سبتمبر للجمعية العامة للأمم المتحدة، أهمية أمن الملاحة في المنطقة ودعم الحكومة اليمنية في مسار الاستقرار والسلام، كما أكدت الدول الأربع حق السعودية في الدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي.
إذن فالموقف الدولي موجود سياسياً ودبلوماسياً، لكن السؤال الأهم هو: هل تتناسب هذه الاستجابة مع سرعة وحجم التحول الميداني؟
في هذا السياق تظهر الفجوة بين الإدراك الدولي للخطر وبين القدرة على منعه. فالبيانات والإدانات تؤكد أن باب المندب والملاحة التجارية قضية دولية، لكن تحويل هذا الإدراك إلى أثر ميداني يتطلب ترتيبات أمنية وسياسية وعسكرية متماسكة، إضافة إلى دعم قدرة الدولة اليمنية على استعادة السيطرة على أراضيها وموانئها وممراتها البحرية.
السعودية ومصر ودول البحر الأحمر أمام معادلة جديدة
بالنسبة إلى السعودية، يمثل انتقال المعركة الحوثية جنوباً وغرباً نحو باب المندب تحدياً يتجاوز الاستهداف المباشر للمدن والمنشآت. فالمملكة تواجه في الوقت نفسه تهديدات مباشرة لأمنها، شملت هجمات على مناطق ومنشآت مدنية وقطاع الطاقة، بالتزامن مع تطور ميداني في غرب اليمن باتجاه واحد من أهم الممرات البحرية القريبة من مجالها الاستراتيجي. وقد أكد مجلس الأمن تعرض البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة السعودية لهجمات حوثية، كما أشار إلى أن استمرار التصعيد والتقدم للمليشيات الحوثية في باب المندب يهددان الأمن البحري والتجارة الدولية ويعمق سيطرة المليشيات على صنعاء واستمرار سلطة الغلبة بالسلاح وتجذير الانقلاب ونتائجه وتحويله الى وضع دائم وطرف لا يمكن التعامل معه الا بنفس المنطق والآلية.
أما مصر، فتتعامل مع باب المندب باعتباره جزءاً من منظومة الأمن الاستراتيجي لقناة السويس، فأي اضطراب طويل الأمد في الملاحة بين البحر الأحمر وخليج عدن يمكن أن ينعكس على حركة السفن العابرة للقناة، وعلى تكاليف النقل والتأمين والطاقة، وعلى قدرة الشركات العالمية على التخطيط لمساراتها التجارية.
ومن هنا فإن أمن باب المندب ليس شأناً سعودياً أو يمنياً فقط، بل قضية مباشرة لدول البحر الأحمر، وفي مقدمتها مصر والدول المطلة على البحر، وكذلك للدول الآسيوية والأوروبية التي تعتمد على حركة التجارة عبر قناة السويس والبحر الأحمر.
لماذا لا تزال هناك فجوة بين الموقف الدولي والتغيير الميداني؟
المشكلة الأساسية ليست غياب الإدراك الدولي، وإنما صعوبة ترجمة هذا الإدراك إلى سياسة متماسكة تستطيع التعامل مع واقع ميداني سريع التغير.
فالمجتمع الدولي يتحرك عادة ضمن حسابات متعددة: حماية الملاحة، تجنب توسيع الحرب الإقليمية، الحفاظ على فرص التفاوض، حماية المدنيين، ومنع انهيار العملية السياسية، وفي المقابل تتحرك القوى المحلية وفق حسابات عسكرية مباشرة تقوم على السيطرة على الأرض والموانئ والطرق والجزر.
هذه الفجوة الزمنية بين السياسة والميدان قد تكون ذات أثر كبير. فحين تتغير السيطرة على الأرض خلال أيام، بينما تحتاج الاستجابة الدولية إلى وقت أطول لبناء التوافق السياسي والأمني، يمكن أن يتحول الوضع العسكري المؤقت إلى واقع سياسي جديد.
ولهذا فإن التحدي أمام المجتمع الدولي لا يتمثل فقط في إصدار موقف من السيطرة الحوثية، وإنما في منع تحول السيطرة الميدانية المتقدمة حول باب المندب إلى قدرة مستدامة على فرض الأمر الواقع على الملاحة الدولية.
من البيانات إلى الردع
المرحلة المقبلة ستختبر قدرة الأطراف الدولية على الانتقال من إدارة الأزمة إلى منع تحولها إلى قاعدة جديدة للصراع الإقليمي.
فحماية الملاحة لا تتحقق بالتصريحات وحدها، كما أن استعادة الاستقرار في اليمن لا يمكن اختزالها في العمل العسكري. المطلوب هو الجمع بين حماية الممرات البحرية، والضغط السياسي لوقف التصعيد، ودعم مؤسسات الدولة اليمنية، ومنع تهريب الأسلحة، وتوفير ترتيبات أمنية قادرة على حماية الساحل والجزر والموانئ والممرات البحرية.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار التصعيد من دون مسار سياسي موازٍ قد يؤدي إلى إعادة إنتاج دورة جديدة من الحرب، بما يحمل ذلك من آثار إنسانية واقتصادية. وقد حذر المبعوث الأممي بالفعل من أن العودة إلى قتال واسع ومستمر ستزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية وتضاعف معاناة المدنيين.
لذلك فإن معادلة الردع المطلوبة ليست بالضرورة مرادفة لحرب مفتوحة، وإنما تعني أن تكون هناك قدرة واضحة على حماية الملاحة ومنع استهداف السفن والمنشآت المدنية، بالتوازي مع مسار سياسي يعالج جذور الصراع ويعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة اليمنية.
الجمعية العامة للأمم المتحدة: فرصة للحكومة اليمنية
تأتي أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى اليمن، وحضور عضو مجلس القيادة الرئاسي د.عبدالله العليمي ممثلا للحكومة اليمنية الشرعية يدل على ان التطورات الميدانية حول المخا وباب المندب يمنح الحكومة اليمنية فرصة لطرح القضية أمام المجتمع الدولي باعتبارها مسألة تتعلق ليس فقط بالحرب الداخلية، وإنما بأمن الملاحة الدولية وسيادة الدولة اليمنية وسلامة الممرات البحرية واستعادة الدولة اليمنية.
وهنا يمكن للدبلوماسية اليمنية أن تركز على الربط بين ثلاثة مستويات مترابطة: حماية الدولة اليمنية ومؤسساتها، حماية المدنيين، وحماية الملاحة الدولية.
فالسيطرة المسلحة على مناطق ساحلية استراتيجية لا ينبغي أن تتحول إلى وضع طبيعي مع مرور الوقت، خصوصاً عندما تكون تلك المناطق مرتبطة بممر بحري دولي حيوي. وفي المقابل، فإن معالجة القضية بصورة مستدامة تتطلب إعادة بناء قدرة الدولة اليمنية على بسط سلطتها على أراضيها وسواحلها وموانئها.
باب المندب واختبار النظام الدولي
تكمن خطورة التطورات الأخيرة في أنها تضع النظام الدولي أمام اختبار يتجاوز حدود اليمن، فباب المندب ليس مجرد نقطة على الخريطة اليمنية، وإنما عقدة استراتيجية تربط بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وتدخل بصورة مباشرة في شبكة التجارة والطاقة العالمية.
وإذا تحولت السيطرة الميدانية المتقدمة للحوثيين حول المضيق والجزر والساحل إلى قدرة طويلة الأمد على تهديد الملاحة أو ابتزازها، فإن ذلك سيخلق سابقة إقليمية ذات آثار تتجاوز الحرب اليمنية، أما إذا تمكنت الأطراف الدولية والإقليمية من احتواء التصعيد وحماية حرية الملاحة بالتوازي مع مسار سياسي، فقد يبقى التغيير الميداني ضمن إطار يمكن احتواؤه ومنع تحوله إلى نظام أمني جديد من خلال دعم الشرعية اليمنية ومواجهة الانقلاب الحوثي وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة واهمهاالقرار ٢٢١٦ وغيرها واستعادة الدولة اليمنية.
المعادلة إذن لم تعد تتعلق فقط بمن يسيطر على المخا أو حيس أو الخوخة أو ميون، وإنما بمن يملك القدرة على تحويل الجغرافيا إلى نفوذ، والنفوذ إلى ردع، والردع إلى واقع سياسي دائم.
وهنا تحديداً تكمن أهمية باب المندب في المرحلة المقبلة، فالمعركة على ساحله قد تكون يمنية في أدواتها، لكنها إقليمية في تداعياتها، ودولية في نتائجها، وما سيحدد مسارها لن يكون حجم السيطرة الميدانية وحده، وإنما قدرة الدولة اليمنية ودول البحر الأحمر والقوى الدولية على منع تحول هذه السيطرة إلى قدرة مستدامة على فرض الأمر الواقع على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
