اليمن بين هزيمة الحوثي و صراع النفوذ
أ.د.عبدالوهاب العوج::
*أكاديمي ومحلل سياسي يمني.
أعاد تقرير استقصائي نشره موقع «دارك بوكس» فتح ملف شديد الحساسية في المشهد اليمني والخليجي، بعدما تحدث عن تحركات إماراتية مفترضة في واشنطن تهدف إلى التأثير في مستوى الدعم العسكري الأمريكي المقدم للسعودية، والحيلولة دون انتقال هذا الدعم من المستوى الدفاعي إلى قدرات تمنح الرياض تفوقاً هجومياً مؤثراً في مواجهة الحوثيين.
ويستند هذا التقرير إلى مصادر وصفها بأنها رفيعة المستوى ومطلعة على الاتصالات الدبلوماسية الخليجية، ويذهب إلى أن الحسابات الإماراتية المفترضة لا ترتبط بدعم الحوثيين، وإنما بما يمكن أن يترتب على انتصار سعودي حاسم من إعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ داخل اليمن والمنطقة.
غير أن هذه الرواية تحتاج إلى حذر كبير؛ إذ لم تُنشر حتى الآن وثائق أو أسماء مصادر أو أدلة مستقلة تكفي لتأكيدها بصورة قاطعة، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها ادعاءً استقصائياً يحتاج إلى تحقق، لا باعتبارها حقيقة مكتملة رغم وجود تنافس مشهود بين السعودية و الإمارات انعكس على عدد من الملفات السياسيةوالاقتصادية ومنها انسحاب الامارات بشكل رسمي من اليمن فيما كان يعرف بالتحالف العربي لدعم الشرعية وغيرها من الملفات.
لكن أهمية التقرير لا تكمن فقط في إثبات ما أورده أو نفيه، وإنما في السؤال الذي يطرحه: ماذا يعني انتصار سعودي حاسم على الحوثيين بالنسبة إلى موازين النفوذ داخل اليمن؟
الشرعية ليست كتلة واحدة
من الخطأ النظر إلى الحرب اليمنية باعتبارها مواجهة ثنائية بين السعودية والحوثيين، فقد تحولت خلال السنوات الماضية إلى شبكة معقدة من المصالح الإقليمية والدولية والقوى المحلية، وأصبح الصراع على مستقبل اليمن لا يقل أهمية عن الصراع على مسار العمليات العسكرية.
والخطأ الأكبر هو افتراض أن «الشرعية» أو المعسكر المناهض للحوثيين يمثل كتلة سياسية وعسكرية واحدة، فهذا المعسكر يضم قوى متعددة تختلف في رؤاها السياسية ومصالحها ومصادر دعمها الخارجي ولكنها تلتقي في محاربة المليشيات الحوثية التابعة لإيران ودعم عودة الشرعية بمستويات مختلفة مما اثر على سير المعركةو التنسيق والالتزام المتبادل داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
فهناك الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بما تضمه من أحزاب ومكونات سياسية مختلفة، إلى جانب قوى جنوبية وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي الذي حل نفسه مؤخرًا بعد احداث المهرة و حضرموت يناير ٢٠٢٦م، و الذي ارتبط خلال السنوات الماضية بعلاقة وثيقة مع أبوظبي ورفع مشروع استعادة دولة الجنوب.
وهناك أيضاً تشكيلات عسكرية وأمنية متعددة، بينها قوات مرتبطة بالحكومة، وقوات جنوبية اخرى، وتشكيلات الساحل الغربي، وقوى قبلية ومحلية في مأرب وشبوة وحضرموت ومناطق أخرى من المناطق المحررة، لكل منها قيادات ومصالح ومرجعيات مختلفة.
وقد أظهرت التطورات التي شهدها اليمن خلال أواخر 2025 وبدايات 2026 أن التنافس داخل المعسكر المناهض للحوثيين يمكن أن يتحول إلى صراع مباشر على السيطرة والنفوذ، خصوصاً في حضرموت والمهرة والجنوب بشكل عام، قبل أن تتراجع مكانة المجلس الانتقالي الإقليمية إثر التطورات العسكرية وإعادة ترتيب النفوذ المدعوم سعودياً.
وهذا التعدد يطرح سؤالاً يتجاوز المعركة العسكرية نفسها: إذا هُزم الحوثيون عسكرياً، فمن سيمثل المعسكر المنتصر؟ ومن سيقود إعادة بناء الدولة والقوات المسلحة والأمن؟
لماذا ارتبط النفوذ الإماراتي بالمشروع الجنوبي؟
لا يمكن فهم التنافس السعودي–الإماراتي في اليمن من دون التوقف عند العلاقة التي بنتها أبوظبي مع القوى الجنوبية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي.
والإمارات تؤكد رسمياً دعمها لأمن اليمن واستقراره ووحدته، وتنفي أن يكون دورها موجهاً إلى تأجيج الصراع بين اليمنيين، وفي المقابل، وثقت دراسات وتحليلات متخصصة خلال السنوات الماضية ارتباط السياسة الإماراتية بشبكات سياسية وعسكرية جنوبية، وبمصالح تتصل بالأمن البحري والموانئ وطرق التجارة، ولا سيما في حضرموت والجنوب عموما والتركيز بشكل خاص على محافظة ارخبيل سقطرى اليمنية.
ومن منظور جيوسياسي، يمكن تفسير هذا الانخراط بعدة اعتبارات متداخلة.
أولها الموقع البحري، فالمحافظات الجنوبية والشرقية اليمنية تطل على شريط بحري واسع يمتد من خليج عدن الى بحر العرب ويحد سلطنة عُمان وجمهورية الصومال، ويضم موانئ ومواقع استراتيجية ذات أهمية للملاحة والتجارة الدولية، كما أن محافظة سقطرى بجزرها الرئيسية (سقطرى وسمحة و درسه و عبد الكوري ) وهذا الارخبيل الغني بكل انواع الثروات و الممتد على موقع بالغ الحساسية بالنسبة إلى خطوط الملاحة بين المحيط الهندي و خليج عدن ومضيق باب المندب و البحر الأحمر.
وثانيها بناء شراكات محلية موثوقة، فقد فضلت أبوظبي خلال سنوات الحرب بناء علاقات مباشرة مع قوى محلية جنوبية وأمنية وعسكرية وبخاصة في محافظتي الضالع و لحج، بدلاً من الاعتماد حصراً على المؤسسات الحكومية.
وثالثها موازنة النفوذ الإقليمي، فوجود قوى جنوبية تتمتع بهامش استقلال سياسي وعسكري يمكن أن يحافظ على مساحة نفوذ إماراتية في أي ترتيبات مستقبلية، في مقابل احتمال أن يؤدي انتصار سعودي حاسم إلى إعادة تجميع القوى المناهضة للحوثيين تحت مظلة أكثر مركزية تقودها الرياض.
ورابعها المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بالنفط والغاز والموانئ والثروة السمكية وطرق التجارة وغيرها من الثروات، وهي ملفات اكتسبت أهمية خاصة في شرق اليمن وبخاصة في المحافظات الشرقية كحضرموت و المهرة والجنوب بشكل عام وقد ربطت دراسات متخصصة بين التحركات الإماراتية في هذه المناطق وبين اعتبارات الأمن البحري والطاقة والتجارة.
ولا يعني ذلك أن الإمارات تدعم الحوثيين أو تريد انتصارهم، فالمعادلة أكثر تعقيداً من ذلك: قد يكون التنافس الحقيقي متعلقاً بمن يمتلك القدرة على صياغة اليمن بعد الحرب، وليس بمن ينتصر في الحرب فقط.
دارك بوكس وسياق الصراع السعودي–الإماراتي
ولا تأتي رواية «دارك بوكس» في فراغ سياسي.
فالتنافس السعودي–الإماراتي في اليمن خرج خلال أواخر 2025 من نطاق الاختلاف غير المعلن إلى مستوى أكثر وضوحاً، مع تصاعد الخلاف حول حضرموت والجنوب، وما تبع ذلك من تحركات عسكرية وإعادة ترتيب لموازين القوة، ثم انسحاب القوات الإماراتية من اليمن. وقد وصفت تحليلات متخصصة هذه التطورات بأنها انتقال للعلاقة من التعاون داخل التحالف إلى منافسة مباشرة على النفوذ وترتيبات مستقبل اليمن.
وفي هذا السياق، يصبح تقرير «دارك بوكس» مثيراً للاهتمام، ليس لأنه يثبت وحده وجود تحرك إماراتي في واشنطن، وإنما لأنه يطرح احتمالاً يتسق مع سؤال أوسع: ماذا يمكن أن يحدث إذا تمكنت السعودية من تحويل تفوقها الإقليمي إلى انتصار عسكري وسياسي حاسم في اليمن؟
الانتصار السعودي: أي تحول في ميزان النفوذ؟
الانتصار العسكري لا يعني نهاية الحرب، لكنه قد يغير بصورة جذرية موقع الأطراف على طاولة التسوية.
السعودية التي تدخل مرحلة ما بعد الحرب باعتبارها الطرف الإقليمي الأكثر تأثيراً في هزيمة الحوثيين ستكون في وضع مختلف عن السعودية التي تدخل التسوية بعد حرب طويلة ومستنزفة، فيما تبقى القوى اليمنية موزعة بين مراكز نفوذ متعددة.
في السيناريو الأول، يمكن أن تتجه الرياض إلى دعم إعادة بناء هيكل عسكري وسياسي أكثر مركزية، وإعادة ترتيب القوى المناهضة للحوثيين وفق رؤية أكثر انسجاماً مع مصالح الدولة اليمنية والأمن السعودي.
أما في السيناريو الثاني، فإن استمرار تعدد مراكز القوة سيبقي أمام الأطراف الإقليمية المختلفة مساحات أوسع للتأثير.
وهنا يمكن فهم جوهر الرواية التي يطرحها «دارك بوكس»: ليس بالضرورة أن يكون القلق من هزيمة الحوثيين، وإنما من أن تؤدي هزيمتهم إلى بروز مركز قوة سعودي أكثر قدرة على إعادة تشكيل اليمن.
لكن هذه تبقى قراءة تحليلية، وليست دليلاً على أن أبوظبي تحركت فعلاً في واشنطن لمنع هذا السيناريو.
واشنطن: الحلقة الأكثر حساسية
تكتسب الرواية أهميتها من إدخال الولايات المتحدة في المعادلة.
فالدعم الأمريكي للسعودية لا يقتصر على السلاح التقليدي، بل يشمل الدفاع الجوي والصاروخي والاستخبارات والاستطلاع والتكنولوجيا العسكرية والدعم اللوجستي.
والفارق كبير بين دعم دولة للدفاع عن أراضيها ومنشآتها، وبين توفير قدرات يمكن أن تسمح لها بتنفيذ عمليات واسعة تغير ميزان القوة على الأرض.
لكن امتلاك القدرة على ممارسة النفوذ شيء، وإثبات استخدامها في ملف محدد شيء آخر.
فالقرار الأمريكي تحكمه اعتبارات متعددة، من بينها أمن الخليج، وحماية القوات والمنشآت الأمريكية، والعلاقة مع إيران، وأمن الملاحة في البحر الأحمر، ومصالح الصناعات الدفاعية، وتجنب الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة.
ولهذا فإن تفسير محدودية الدعم الأمريكي للسعودية باعتباره نتيجة ضغط إماراتي فقط سيكون اختزالاً للمشهد.
الحوثيون: المستفيد من الانقسام
المفارقة أن استمرار الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين يصب موضوعياً في مصلحة الحوثيين، بغض النظر عن نوايا الأطراف المختلفة.
فكلما تعددت مراكز القرار العسكري والسياسي، أصبحت عملية بناء استراتيجية موحدة أكثر صعوبة، وكلما تمكن الحوثيون من استثمار هذه الانقسامات، أصبح بإمكانهم التعامل مع خصوم متعددين بدلاً من مواجهة مركز قوة واحد.
وهنا لا تكمن المشكلة في عدد القوات أو حجم الأسلحة فقط، وإنما في القدرة على تحويل القوة العسكرية إلى استراتيجية سياسية وعسكرية موحدة.
فالأسلحة وحدها لا تصنع انتصاراً إذا ظلت القوى المحلية متنافسة، كما أن التفوق الجوي لا يحسم بالضرورة حرباً معقدة جغرافياً وسياسياً مثل الحرب اليمنية.
باب المندب: ما هو أبعد من الحرب
تزداد خطورة المسألة عند النظر إلى البحر الأحمر وباب المندب.
فاليمن لم يعد يمثل ساحة صراع داخلي فقط، بل بسسب موقعه الذي يطل على وأحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وتتقاطع فيه مصالح السعودية ومصر ودول الخليج والولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي.
ولهذا فإن السيطرة على الساحل الغربي والمناطق القريبة من باب المندب ليست قضية يمنية محضة.
وأي إعادة تشكيل لموازين القوة هناك ستنعكس على أمن الملاحة الدولية وأمن البحر الأحمر وخليج عدن، وعلى الحسابات الإقليمية المتعلقة بإيران.
ومن هنا فإن الصراع على الساحل الغربي لا ينفصل عن الصراع على مستقبل اليمن، كما أن مستقبل اليمن لا ينفصل عن مستقبل منظومة الأمن البحري في البحر الأحمر.
بين الرواية والحقيقة
يبقى السؤال: هل تحركت الإمارات فعلاً في واشنطن لمنع حصول السعودية على دعم عسكري يتيح لها تحقيق انتصار حاسم على الحوثيين؟
حتى الآن، لا توجد أدلة منشورة ومستقلة تكفي لتحويل هذا السؤال إلى حقيقة مؤكدة.
لكن وجود تنافس سعودي–إماراتي على النفوذ، ووجود مصالح متباينة بشأن شكل الدولة اليمنية وترتيبات الجنوب والقوى المحلية، كلها وقائع تجعل فرضية الصراع على شكل اليمن بعد الحرب جديرة بالبحث.
ولهذا يجب ألا تتحول التقارير غير المؤكدة إلى حقائق متداولة، كما لا ينبغي تجاهلها لمجرد أنها تستند إلى مصادر مجهلة.
والمنهج الأكثر مهنية هو وضعها في إطارها الصحيح: رواية تحتاج إلى إثبات، لكنها تفتح نافذة على صراع حقيقي حول من سيمتلك النفوذ الأكبر في اليمن عندما تتوقف الحرب.
المعركة الحقيقية: من يحدد شكل السلام؟
قد لا تكون المشكلة الأساسية في اليمن هي فقط من يستطيع تحقيق الانتصار العسكري على الحوثيين، وإنما من يمتلك القدرة على إدارة اليوم التالي للانتصار.
فإذا نجحت السعودية في توحيد القوى المناهضة للحوثيين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وربط القوة العسكرية بالقرار السياسي المركزي، فإن ميزان النفوذ الإقليمي داخل اليمن سيتغير بصورة واضحة.
أما إذا استمرت الانقسامات، وتعددت القوى المسلحة ومراكز القرار، بما في ذلك المشاريع السياسية المتنافسة في الجنوب، فقد ينتهي القتال من دون أن ينتهي الصراع على النفوذ.
ومن هنا فإن الحديث عن «الخوف من الانتصار السعودي» ينبغي ألا يُقرأ باعتباره اتهاماً جاهزاً للإمارات، وإنما باعتباره سؤالاً أكبر عن مستقبل التوازنات الخليجية داخل اليمن، وعن شكل الدولة التي ستخرج من الحرب، وعن الجهة التي ستملك القرار في صنعاء وعدن والساحل الغربي وباب المندب.
وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الصراع ضد الحوثيين إلى صراع جديد بين القوى التي يفترض أن تكون في المعسكر نفسه، فالحسم العسكري، إذا لم يترافق مع مشروع سياسي وعسكري وطني جامع، قد ينهي جولة من الحرب، لكنه لن ينهي الصراع على اليمن.

