لم يعد مقبولا، ولا ممكنا، استمرار المملكة العربية السعودية في إدارة المشهد اليمني من الخلف، أو الاختباء وراء الغموض السياسي، بينما تتآكل الشرعية، وتنهار الدولة، وتتحول المحافظات الجنوبية إلى ساحة فوضى مفتوحة..
بوصفها قائدة التحالف وصاحبة القرار الفعلي، تتحمل السعودية مسؤولية مباشرة عما آلت إليه الأوضاع، وأي محاولة للتنصل أو تحميل الأطراف المحلية وحدها نتائج هذا الانهيار ستكون النتائج وخيمة على الجميع..
كفى غموضا… كفى إدارة من وراء الستار
السعودية مطالبة اليوم، لا غدا، بالإفصاح الصريح عن دورها الحقيقي في اتخاذ القرار وتحديد موقف واضح من القوى التي تعمل خارج إطار الدولة وإنهاء سياسة التوازنات الرمادية التي دمرت الشرعية وأفرغتها من مضمونها..
إن المواربة السياسية والإدارة من الخلف ليست حيادا، بل شراكة في الفشل، وستمنح خصوم السعودية وتحديدا الإمارات فرصة استراتيجية لإغراقها أكثر في رمال اليمن المتحركة، واستنزافها طويلا دون مواجهة مباشرة..
الفوضى في عدن نتيجة القرار السعودي المؤجل
ما يحدث في عدن ليس انفلاتا عفويا، بل نتيجة مباشرة لغياب قرار حاسم من قائدة التحالف، وأي استمرار في التردد يعني عمليا: تكريس سلطات الأمر الواقع،
وإسقاط هيبة الدولة نهائيا، وتحويل الجنوب إلى ساحة تدار ضد الشرعية وضد السعودية معا..
يجب تفعيل فوري لقانون الطوارئ ومنع أي تجمعات أو مظاهرات خارجة عن القانون وحصر السلاح بيد مؤسسات الدولة فقط دون استثناء أو غطاء، هذا ليس قمعا، بل الحد الأدنى من متطلبات بقاء الدولة..
لا يمكن الحديث عن استقرار في ظل تعدد مراكز القرار،
وحماية الفاسدين بحسابات سياسية، وإضعاف مؤسسات الدولة لصالح نفوذ غير خاضع للمساءلة..
هذا النهج لم يحفظ المصالح السعودية، بل قوضها، وخلق بيئة مثالية للإمارات لاختراق المشهد وإدارته عبر الفوضى..
حكومة كفاءات… أو إعلان وفاة الشرعية
نقولها بوضوح لا يقبل أي تأويل: أي تشكيل لحكومة ضعيفة، فاسدة، أو قائمة على المحاصصة سيتم اعتباره إعلانا غير مباشر عن نهاية الشرعية، ومسؤولية ذلك ستقع أولا على السعودية بوصفها قائدة التحالف..
المرحلة تتطلب:
حكومة كفاءات وطنية حقيقية لا تدين بالولاء إلا للدولة، بصلاحيات كاملة للمحاسبة، وبرنامج إصلاح بزمن محدد، وإنهاء فوري لثقافة الإفلات من العقاب، مهما كانت الأسماء..
الخلاصة: السعودية أمام لحظة الحقيقة، إما:
قيادة واضحة، وقرارات صريحة، وإنهاء حالة العبث السياسي، أو: استمرار سياسة الغموض التي ستغرق السعودية أكثر في مستنقع اليمن، وتحول تدخلها من عامل استقرار إلى عبء استراتيجي طويل الأمد..
التاريخ لن يسجل النوايا، بل القرارات، والهروب من المسؤولية اليوم هزيمة سياسية مؤجلة؟.