منبر حر لكل اليمنيين

المواطن من يدفع ثمن الاختلالات

أحمد لقمان

في اليمن، يتّضح يوماً بعد يوم أن مسار الأمور يسير من سيّئ إلى أسوأ بالنسبة للمواطن العادي. فبينما تتفاقم معاناة الناس المعيشية، تتراجع قضايا أساسية مثل التعليم، والصحة، والغذاء، والكهرباء، والاستقرار الاقتصادي إلى هامش الاهتمام الرسمي. لم تعد الدولة، بمؤسساتها وسلطاتها المختلفة، منشغلة بإدارة شؤون الناس بقدر انشغالها بإدارة الصراع، وكأن بقاء الأزمة بات هدفاً بحد ذاته لا نتيجة ظرفية لها.

وما يزيد الأمر خطورة أن المرجعيات المرتبطة بالدستور والقوانين النافذة، التي يفترض أن تكون الأساس المنظّم للحياة العامة، أصبحت تُعامل كأمور ثانوية، بل إن الحديث عنها في بعض السياقات لم يعد محل ترحيب. جرى تهميش الدستور والقانون لصالح مشاريع ورؤى أخرى، وكأن هذه الدولة لم تُقم يوماً على أي مرتكز قانوني أو دستوري. وهذا تجاهل متعمد لحقيقة أن تلك القوانين والدساتير وُضعت وفق تقاليد معروفة، وبمشاركة نخب وخبرات، ولم تكن نتاج فراغ أو عبث. وحتى إن شابها القصور أو النقص، فإن تصحيحها يجب أن يتم عبر الأدوات نفسها: الحوار، والتعديل، والتوافق، لا عبر نسف كل شيء وإعادة البلاد إلى نقطة الصفر.

المواطن اليمني اليوم يدفع ثمن هذا الاختلال في الأولويات. التعليم يتدهور، ما يهدد جيلاً كاملاً بالضياع. الوضع المعيشي يزداد قسوة مع ارتفاع الأسعار، وانعدام فرص العمل، وتراجع الخدمات الأساسية. أما الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، فأصبحت امتيازات نادرة لا حقوقاً مكفولة. في ظل هذا الواقع، يشعر الناس بأنهم تُركوا لمواجهة مصيرهم وحدهم، بلا حماية قانونية حقيقية أو أفق واضح.

الخطير في الأمر أن إدارة الصراع حلّت محل إدارة الدولة، ومعها تراجعت فكرة الدولة نفسها ككيان تحكمه قواعد ومؤسسات. فالقرارات تُتخذ بعقلية القوة لا بعقلية القانون، وبمنطق الغلبة لا بمنطق الشراكة. يتم توجيه الموارد والجهود لخدمة استمرار النفوذ والتجاذبات، بدلاً من توجيهها لبناء مؤسسات تحترم الدستور وتخضع له وتخدم المواطن.

النصيحة هنا، إن كان لا بد من كلمة صادقة، هي أن أي سلطة تتجاوز القانون وتهمّش الدستور وتضع الإنسان في آخر سلم أولوياتها، تحفر بيدها أساس الفشل والانهيار. لا يمكن تحقيق استقرار حقيقي من دون مرجعية قانونية متفق عليها، ولا يمكن بناء دولة عبر إلغاء تراكمها الدستوري والمؤسسي. الإصلاح لا يكون بهدم كل ما سبق، بل بتقويمه وتطويره.

إن إنقاذ اليمن لا يبدأ من جبهات القتال ولا من المشاريع المؤقتة، بل من إعادة الاعتبار للدستور والقانون، والفصل الواضح بين إدارة الصراع ـ إن فُرض ـ وإدارة الدولة، ومن الإيمان بأن المواطن وحقوقه هما جوهر أي دولة حقيقية. بدون ذلك، ستبقى البلاد تدور في حلقة مفرغة، ويظل الثمن يُدفع من كرامة الناس ومستقبل الأجيال القادمة.

  • من صفحته في فيس بوك.
تعليقات