مقالات وأراء

المؤتمر الشعبي العام.. حين يصبح الخصم نفسه ضرورة

حمود خالد الصوفي::

في ذكرى تأسيس المؤتمر الشعبي العام، لا تبدو المناسبة مجرد استعادة لتاريخ حزب، بقدر ما تفرض نفسها مناسبة للتأمل في ظاهرة سياسية يمنية نادرة: كيف استطاع المؤتمر، رغم كل ما تعرض له من صراعات وانقسامات واستهداف ومحاولات إقصاء، أن يبقى حاضراً في قلب المعادلة السياسية، حتى أصبح استدعاء دوره يتكرر كلما دخلت البلاد في مأزق أو انسداد؟

قد يختلف اليمنيون حول المؤتمر، وقد يحمّله خصومه مسؤوليةً عن أخطاء ومراحل من تاريخ البلاد، لكن التجربة أفرزت حقيقة يصعب إنكارها: المؤتمر رقم سياسي لا يمكن تجاوزه، وليس من السهل ملء الفراغ الذي يتركه.

وهنا تكمن المفارقة.

القوى التي قادت أحداث 2011 على المؤتمر سعت إلى تغيير قواعد اللعبة السياسية وبناء واقع جديد، لكن التجربة كشفت مبكراً أن إسقاط نظام سياسي شيء، وامتلاك القدرة على إدارة الدولة وبناء بديل مستقر شيء آخر.

ولذلك لم يكن غريباً أن تتشكل حكومة ما بعد 2011 بالشراكة بين المؤتمر وخصومه، فقد كان ذلك اعترافاً عملياً بأن الدولة لا يمكن أن تدار بمنطق الإلغاء، وأن المؤتمر، بحكم حضوره السياسي والتنظيمي والاجتماعي وخبرته الطويلة في مؤسسات الدولة، لا يمكن الاستغناء عنه بمجرد إخراجه من موقع الحكم.

ومنذ ذلك الحين تكررت القاعدة نفسها: كلما اشتد الاختناق السياسي، عاد السؤال عن المؤتمر، وكلما تعثرت التسويات، عاد الحديث عن ضرورة إشراكه، وكلما بحثت القوى اليمنية والإقليمية عن مخرج للأزمة، وجد المؤتمر نفسه في صلب الحسابات.

والسبب أن المؤتمر لم يعد مجرد تنظيم حزبي بالمعنى التقليدي، بل تحول عبر عقود إلى جزء من البنية السياسية والاجتماعية للدولة اليمنية. ..ولذلك يستطيع خصومه معارضته، لكنهم لا يستطيعون بسهولة محو حضوره.

واللافت أن القوى الإقليمية تبدو أكثر إدراكاً لهذه الحقيقة من بعض قيادات المؤتمر نفسها..فهي تعرف أن أي تسوية قابلة للحياة تحتاج إلى تمثيل حقيقي للقوى ذات الوزن، وأن تجاوز المؤتمر أو التعامل معه كمكوّن ثانوي لن يقود إلى استقرار سياسي مستدام.

وهنا تبرز المفارقة الأهم:

إذا كان المؤتمر ضرورة في نظر خصومه، فلماذا لا تتصرف قياداته على أساس أنه ضرورة؟

فالمشكلة اليوم ليست في إثبات وجود المؤتمر، وإنما في كيفية إدارة هذا الوجود. لقد أثبت أنه ما زال رقماً حاضراً، لكن التحدي هو توظيف هذا الحضور لخدمة اليمن، لا إبقاؤه أسيراً لخلافاته الداخلية.

وليس مطلوباً من المؤتمريين أن يحسموا كل خلافاتهم دفعة واحدة، ولا أن يفرض فريق منهم نفسه على الآخرين. المطلوب صيغة توافقية مؤقتة تجمع ولا تفرق، تدير المرحلة ولا تصادر المستقبل؛ صيغة تشترك فيها مختلف مكونات المؤتمر في الداخل والخارج، وتعمل على توحيد الخطاب والموقف، وإعادة بناء جسور الثقة، والتحضير لعودة الهيئات المعنية إلى ممارسة دورها الطبيعي في اختيار قيادة المؤتمر وفق الأطر التنظيمية.

فالمؤتمر يحتاج اليوم إلى أن يفكر بمنطق المؤسسة الوطنية، لا بمنطق الجناح أو المجموعة أو الشخص.

كما أن عودته إلى المشهد لا ينبغي أن تعني العودة إلى ما قبل 2011 أو استعادة احتكار سياسي انتهى زمنه، بل المطلوب مؤتمر جديد في وظيفته السياسية: مؤتمر يعزز الشراكة التي بدأها منذ تأسيسه، ويحترم التعددية، ويقبل النقد، ويرفض الإقصاء، ويضع مشروع الدولة فوق الحسابات الحزبية.

وهنا تتجلى خصوصية المؤتمر.

فبعد أحداث 2011 سقطت أو تفككت أحزاب عربية حاكمة كانت تبدو جزءاً ثابتاً من بنية الدولة، بينما ظل المؤتمر الشعبي العام، رغم كل ما مر به اليمن، حاضراً وقادراً على الصمود.

وهذه ليست مسألة احتفالية، بل ظاهرة سياسية تستحق التأمل.

لكن البقاء وحده لا يكفي.

فالسؤال الحقيقي لم يعد: هل يستطيع المؤتمر العودة؟ وإنما: هل يستطيع أن يعيد تعريف دوره؟

اليمن اليوم لا يحتاج إلى حزب يعود إلى السلطة بقدر ما يحتاج إلى قوة سياسية كبيرة تساعد على إعادة بناء الدولة، وإعادة الاعتبار للمؤسسات، وفتح الطريق أمام تسوية وطنية تشاركية. والمؤتمر، بحكم تاريخه وامتداده ووزنه، يستطيع أن يكون إحدى أهم هذه القوى.

لكن ذلك لن يحدث تلقائياً.

فالرقم الصعب لا يصبح قوة مؤثرة لمجرد أنه موجود، وإنما حين يعرف كيف يوظف وزنه في اللحظة المناسبة.

ولهذا فإن ذكرى تأسيس المؤتمر ينبغي ألا تكون مناسبة لاستعراض الماضي فقط، وإنما مناسبة لسؤال المستقبل:

ماذا سيفعل المؤتمر بحقيقة أن الآخرين، حتى خصومه، ما زالوا يحتاجون إليه؟

الإجابة تبدأ من داخله: بمصالحة سياسية وتنظيمية شجاعة، وجمع قياداته، وفتح الباب أمام المؤتمريين في الداخل والخارج، وبناء صيغة توافقية تدير المرحلة وتحفظ للمؤسسات المختصة حقها في اختيار القيادة حين تستقر الظروف.

وعلى المؤتمر أن يدرك أن أكبر خطر يهدده اليوم ليس خصومه، وإنما أن يكون المؤتمر ضرورياً لليمن، بينما تعجز قياداته عن الاتفاق على كيفية القيام بهذا الدور.

ولذلك فالمطلوب من المؤتمر ليس أن ينتصر على أحد، بل أن ينتصر على انقسامه، وأن يحول ضرورته السياسية إلى مشروع وطني.

لقد منحه التاريخ فرصة نادرة: أن يبقى بعد أن سقط كثيرون، وأن يظل رقماً صعباً بعد أن حاول كثيرون تجاوزه.

لكن البقاء ليس نهاية الطريق.

المرحلة القادمة هي مرحلة الدور.

#اليمن
#المؤتمر_الشعبي_العام
#صنعاء

محمد عبده

About Author

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *