مقالات وأراء

المؤتمر الشعبي العام في ذكراه الرابعة والأربعين: من عظمة التأسيس إلى مسؤولية الإنقاذ في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، لا ينبغي أن تكون المناسبة مجرد احتفالٍ بذكرى مضت، ولا مناسبة لترديد الشعارات التي فقدت قدرتها على ملامسة واقع يزداد قسوة وتعقيدا. إنها، قبل كل شيء، مناسبة لاستعادة الذاكرة الوطنية، وقراءة تجربة المؤتمر بإنصاف، ومساءلة الحاضر، والتفكير بجدية في المستقبل.. لقد مثل تأسيس المؤتمر الشعبي العام واحدة من أبرز التجارب السياسية اليمنية في بناء إطار جامع يستوعب أطيافا واسعة من المجتمع والقوى السياسية والاجتماعية، وفتح الباب أمام انتقال العمل الوطني من منطق الصراع المفتوح إلى منطق التوافق والمشاركة. وكان من أهم ما ميز تجربته أن المؤتمر نشأ من البيئة اليمنية نفسها، ولم يكن حزبا مستوردا، بل كان تعبيرا عن حاجة سياسية ووطنية يمنية، وهو ما ينبغي أن يدركه أبناء المؤتمر اليوم وهم يستعيدون معنى التأسيس.. لقد كان المؤسسون الأوائل يدركون أن اليمن لا يمكن أن تبنى بمنطق الإلغاء، وأن السلطة لا تستقيم إلا بالتوافق، وأن الدولة لا يمكن أن تكون ملكا لفرد أو جماعة أو منطقة. وفي ذلك الزمن، اجتهد المؤتمر في إنتاج صيغة سياسية أتاحت قدرا من الاستقرار، وأسهمت في تهيئة الظروف لمرحلة شهدت تحولات كبيرة في حياة اليمنيين.. ولا يعني استحضار هذه التجربة إنكار أخطائها أو تجاوز سلبياتها، فالتجارب السياسية تقاس بما أنجزته وبما أخفقت فيه معا. لكن الإنصاف يقتضي ألا تُمحى من الذاكرة الوطنية حقيقة أن المؤتمر كان في مراحل عديدة عنوانا للتوافق السياسي، وأنه كان جزءا أساسيا من صناعة مرحلة مهمة في تاريخ اليمن الحديث.. كما أن من أعظم محطات التجربة المؤتمرية ارتباطها بمشروع الوحدة اليمنية. فقد كان المؤتمر الشعبي العام شريكا أساسيا مع الحزب الاشتراكي اليمني في تحقيق الوحدة، في لحظة تاريخية جسدت إمكانية أن يتغلب اليمنيون على إرث الانقسام وأن يضعوا المصلحة الوطنية فوق الحسابات السياسية الضيقة.. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أين ذهب ذلك المؤتمر؟ أين ذهب التنظيم الذي كان يضم في صفوفه رجال دولة وسياسيين ومثقفين وشخصيات اجتماعية وقواعد واسعة في مختلف المحافظات.؟ أين ذهبت روح التوافق التي حملت فكرة التأسيس؟وأين ذهبت الأولوية التي كانت تضع اليمن فوق الأشخاص والمصالح الخاصة.؟ إن المؤلم أن جزءا من أزمة المؤتمر اليوم لم يعد مرتبطا فقط بما تعرض له اليمن من حروب وانقسامات، وإنما بما أصاب بنيته الداخلية من جمود، وما أصاب بعض قياداته من ارتهان للحسابات الشخصية والولاءات الضيقة، وتحويل العمل التنظيمي في بعض الحالات من رسالة وطنية إلى وسيلة للمكاسب والمواقع والمصالح.. لقد دفعت قواعد المؤتمر وكوادره ثمنا باهظا لصراعات القيادات، بينما ظل كثير من أبنائه أوفياء لفكرة التنظيم ومشروعه الوطني. والمؤتمر لا يضعف لأن قواعده فقدت إيمانها به، بل يضعف حين تعجز قياداته عن التجدد، وحين تتحول المناصب إلى غاية، وحين تصبح الولاءات الشخصية والمناطقية والمصلحية أقوى من الولاء للتنظيم والوطن.. لقد أثبتت السنوات الماضية أن التبعية لا تصنع مستقبلا، وأن الارتهان للخارج لا ينقذ حزبا ولا يبني دولة. قد تتقاطع المصالح مع الخارج، وقد تكون هناك حاجة إلى علاقات وشراكات إقليمية ودولية، لكن القرار الوطني لا يجوز أن يتحول إلى سلعة. فمهما كان الخارج قويا، فلن يكون أحرص على اليمن من أبنائه، ولن يدفع ثمن انهيار الدولة والمجتمع كما يدفعه اليمنيون.. لقد حان الوقت لكي تتقدم الأجيال الجديدة إلى الصفوف الأولى، لا باعتبارها بديلا انتقاميا عن أحد، وإنما باعتبارها امتدادا طبيعيا لفكرة المؤتمر وروح التأسيس. المطلوب من الشباب المؤتمري ألا ينتظروا إلى ما لا نهاية أن يأتي الحل من القيادات القديمة، وألا يكتفوا بمراقبة الانقسام، بل أن يمتلكوا شجاعة المبادرة، وأن يبادروا إلى إعادة بناء العمل التنظيمي على أسس مؤسسية، وأن يضعوا الكفاءة والنزاهة والوطنية فوق علاقات القرب والمصلحة.. إن اليمن بحاجة اليوم إلى كل صوت وطني عاقل، وإلى كل تنظيم قادر على جمع أبنائه بدل تمزيقهم. والمؤتمر، بما يملكه من إرث وتجربة وانتشار، يستطيع أن يكون جزءا من الحل، لا جزءا من المشكلة، إذا تحرر من الحسابات الضيقة، واستعاد استقلال قراره، وفتح أبوابه للأجيال الجديدة، وجعل من استعادة الدولة والسلام والوحدة الوطنية أولويته الكبرى..

د/ عادل الشجاع::

في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، لا ينبغي أن تكون المناسبة مجرد احتفالٍ بذكرى مضت، ولا مناسبة لترديد الشعارات التي فقدت قدرتها على ملامسة واقع يزداد قسوة وتعقيدا. إنها، قبل كل شيء، مناسبة لاستعادة الذاكرة الوطنية، وقراءة تجربة المؤتمر بإنصاف، ومساءلة الحاضر، والتفكير بجدية في المستقبل..

لقد مثل تأسيس المؤتمر الشعبي العام واحدة من أبرز التجارب السياسية اليمنية في بناء إطار جامع يستوعب أطيافا واسعة من المجتمع والقوى السياسية والاجتماعية، وفتح الباب أمام انتقال العمل الوطني من منطق الصراع المفتوح إلى منطق التوافق والمشاركة. وكان من أهم ما ميز تجربته أن المؤتمر نشأ من البيئة اليمنية نفسها، ولم يكن حزبا مستوردا، بل كان تعبيرا عن حاجة سياسية ووطنية يمنية، وهو ما ينبغي أن يدركه أبناء المؤتمر اليوم وهم يستعيدون معنى التأسيس..

لقد كان المؤسسون الأوائل يدركون أن اليمن لا يمكن أن تبنى بمنطق الإلغاء، وأن السلطة لا تستقيم إلا بالتوافق، وأن الدولة لا يمكن أن تكون ملكا لفرد أو جماعة أو منطقة. وفي ذلك الزمن، اجتهد المؤتمر في إنتاج صيغة سياسية أتاحت قدرا من الاستقرار، وأسهمت في تهيئة الظروف لمرحلة شهدت تحولات كبيرة في حياة اليمنيين..

ولا يعني استحضار هذه التجربة إنكار أخطائها أو تجاوز سلبياتها، فالتجارب السياسية تقاس بما أنجزته وبما أخفقت فيه معا. لكن الإنصاف يقتضي ألا تُمحى من الذاكرة الوطنية حقيقة أن المؤتمر كان في مراحل عديدة عنوانا للتوافق السياسي، وأنه كان جزءا أساسيا من صناعة مرحلة مهمة في تاريخ اليمن الحديث..

كما أن من أعظم محطات التجربة المؤتمرية ارتباطها بمشروع الوحدة اليمنية. فقد كان المؤتمر الشعبي العام شريكا أساسيا مع الحزب الاشتراكي اليمني في تحقيق الوحدة، في لحظة تاريخية جسدت إمكانية أن يتغلب اليمنيون على إرث الانقسام وأن يضعوا المصلحة الوطنية فوق الحسابات السياسية الضيقة..

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أين ذهب ذلك المؤتمر؟

أين ذهب التنظيم الذي كان يضم في صفوفه رجال دولة وسياسيين ومثقفين وشخصيات اجتماعية وقواعد واسعة في مختلف المحافظات.؟

أين ذهبت روح التوافق التي حملت فكرة التأسيس؟وأين ذهبت الأولوية التي كانت تضع اليمن فوق الأشخاص والمصالح الخاصة.؟

إن المؤلم أن جزءا من أزمة المؤتمر اليوم لم يعد مرتبطا فقط بما تعرض له اليمن من حروب وانقسامات، وإنما بما أصاب بنيته الداخلية من جمود، وما أصاب بعض قياداته من ارتهان للحسابات الشخصية والولاءات الضيقة، وتحويل العمل التنظيمي في بعض الحالات من رسالة وطنية إلى وسيلة للمكاسب والمواقع والمصالح..

لقد دفعت قواعد المؤتمر وكوادره ثمنا باهظا لصراعات القيادات، بينما ظل كثير من أبنائه أوفياء لفكرة التنظيم ومشروعه الوطني. والمؤتمر لا يضعف لأن قواعده فقدت إيمانها به، بل يضعف حين تعجز قياداته عن التجدد، وحين تتحول المناصب إلى غاية، وحين تصبح الولاءات الشخصية والمناطقية والمصلحية أقوى من الولاء للتنظيم والوطن..

لقد أثبتت السنوات الماضية أن التبعية لا تصنع مستقبلا، وأن الارتهان للخارج لا ينقذ حزبا ولا يبني دولة. قد تتقاطع المصالح مع الخارج، وقد تكون هناك حاجة إلى علاقات وشراكات إقليمية ودولية، لكن القرار الوطني لا يجوز أن يتحول إلى سلعة. فمهما كان الخارج قويا، فلن يكون أحرص على اليمن من أبنائه، ولن يدفع ثمن انهيار الدولة والمجتمع كما يدفعه اليمنيون..

لقد حان الوقت لكي تتقدم الأجيال الجديدة إلى الصفوف الأولى، لا باعتبارها بديلا انتقاميا عن أحد، وإنما باعتبارها امتدادا طبيعيا لفكرة المؤتمر وروح التأسيس. المطلوب من الشباب المؤتمري ألا ينتظروا إلى ما لا نهاية أن يأتي الحل من القيادات القديمة، وألا يكتفوا بمراقبة الانقسام، بل أن يمتلكوا شجاعة المبادرة، وأن يبادروا إلى إعادة بناء العمل التنظيمي على أسس مؤسسية، وأن يضعوا الكفاءة والنزاهة والوطنية فوق علاقات القرب والمصلحة..

إن اليمن بحاجة اليوم إلى كل صوت وطني عاقل، وإلى كل تنظيم قادر على جمع أبنائه بدل تمزيقهم. والمؤتمر، بما يملكه من إرث وتجربة وانتشار، يستطيع أن يكون جزءا من الحل، لا جزءا من المشكلة، إذا تحرر من الحسابات الضيقة، واستعاد استقلال قراره، وفتح أبوابه للأجيال الجديدة، وجعل من استعادة الدولة والسلام والوحدة الوطنية أولويته الكبرى..

محمد عبده

About Author

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *