الهدية التي نريدها من المؤتمر الشعبي العام في ذكرى تأسيسه الرابعة والأربعين
د. إبراهيم الأهدل::
في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس حزب المؤتمر الشعبي العام، لا أريد أن أضيف تهنئةً إلى رصيد التهاني، ولا أن أستعيد تاريخًا يعرفه الجميع؛ وإنما أريد أن أستحضر معنى التأسيس، وأسأل: هل يمكن أن تتحول هذه الذكرى من مناسبة لاستعادة الماضي إلى فرصة لصناعة خطوة في الحاضر؟
فالمؤتمر الشعبي العام لم ينشأ ليكون إطارًا لفئة أو منطقة أو اتجاه سياسي واحد، بل جاء منذ تأسيسه مظلةً جمعت شخصيات وقوى سياسية واجتماعية متعددة. وهذه، في تقديري، واحدة من أهم نقاط القوة في تجربته؛ إذ استطاع أن يقدم نفسه إطارًا يتسع للاختلاف، ويجمع أطرافًا متعددة تحت مظلة وطنية واحدة.
ومن هنا يحضر اسم مؤسس المؤتمر الزعيم علي عبدالله صالح، رحمه الله، الذي امتلك، في مرحلة التأسيس، حنكةً سياسية جعلته يدرك أن بناء أي مشروع وطني لا يكون بإقصاء المختلفين، وإنما باستيعابهم وجمعهم حول القواسم المشتركة. ولذلك حرص على إشراك أطياف متعددة من القوى والشخصيات السياسية والاجتماعية في اللبنات الأولى للمؤتمر، وظل توحيد الصف حاضرًا في رؤيته السياسية.
وإذا كان المؤتمر قد تأسس على فكرة الجمع لا الإقصاء، واستيعاب الاختلاف لا تحويله إلى خصومة، فإن استعادة هذه الروح اليوم ليست استدعاءً للماضي، وإنما حاجة يفرضها واقع اليمن.
فاليمن اليوم أحوج ما يكون إلى جمع القوى الجمهورية حول القواسم المشتركة، والمؤتمر، بما له من حضور وتاريخ وقاعدة جماهيرية، يستطيع أن يكون جزءًا مهمًا من هذا الجهد، بل يمكن أن تكون استعادة تماسكه خطوةً في اتجاه أوسع من حدود الحزب نفسه.
ولهذا لم تكن الدعوات المتكررة من القيادات المؤتمرية إلى توحيد الصف ولمّ الشمل مجرد عبارات في مناسبات حزبية؛ فقد عبّر الشيخ سلطان البركاني، كما عبّرت قيادات وشخصيات مؤتمرية أخرى، عن الحاجة إلى تجاوز الانقسام واستعادة وحدة الصف والدور الوطني للمؤتمر. وهي أيضًا رغبة واضحة لدى كثير من قواعده وأنصاره.
واللافت أن الخلاف، مهما طال، لم يُلغِ حقيقة وجود مساحة واسعة من الأهداف المشتركة: الحفاظ على النظام الجمهوري، ومواجهة الانقلاب الحوثي، واستعادة الدولة. وإذا كانت هذه الغايات تجمع الجميع، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الذي يمنع تحويل اتفاقنا على الغاية إلى تفاهم على الطريق؟ هنا تحديدًا ينبغي أن ننتقل من الحديث عن الوحدة بوصفها أمنية إلى التعامل معها بوصفها مسؤولية سياسية.
ومن الإنصاف في هذا السياق أن نضع مؤتمر الداخل في ظروفه الواقعية؛ فهو موجود في مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين، ويعمل تحت ضغوط قاهرة تحد من قدرته على الحركة واتخاذ القرار. ولذلك ليس من الحكمة أن نحمّله ما لا يستطيع، وإنما أن يبدأ التحرك من المساحة التي تسمح بعمل سياسي أكثر حرية: المؤتمر وقياداته في الخارج والمناطق المحررة، مع بقاء الباب مفتوحًا أمام الجميع.
وهنا يأتي دور هذه المقالة: ليست لإضافة دعوة جديدة إلى ما قيل، وإنما لمحاولة ترجمة ما قيل إلى خطوة عملية. فما أكثر ما قيل عن توحيد الصف، وما أكثر ما تكرر من الدعوات إلى لمّ الشمل؛ وقد آن الأوان أن نتبع القول فعلًا، وأن نبدأ بخطوة صغيرة في شكلها، كبيرة في أثرها.
الخطوة التي أقترحها هي: لقاء يجمع السفير أحمد علي عبدالله صالح والدكتور رشاد محمد العليمي. وليس المطلوب لقاءً بروتوكوليًا، ولا صورةً عابرة، وإنما لقاءً سياسيًا يفتح بابًا طال إغلاقه، ويؤسس لمسار جاد يمكن أن يبدأ بتقريب وجهات النظر، ثم المصالحة، ثم توحيد كلمة المؤتمر في الخارج والمناطق المحررة، وصولًا إلى شراكة وطنية أوسع.
والأهم أن هذا اللقاء لن يكون مكسبًا لطرف على حساب طرف؛ بل يمكن أن يكون مكسبًا سياسيًا للجميع. فهو سيبعث رسالة بأن القوى الوطنية قادرة على تجاوز خلافاتها عندما تصبح مصلحة اليمن أكبر من خلافاتها، كما سيعيد ترتيب كثير من الحسابات السياسية، ويمنح الصف الجمهوري دفعةً معنوية وسياسية في لحظة يحتاج فيها إلى استجماع قوته.
والشرعية، في المقابل، بحاجة إلى شراكة سياسية أوسع تستوعب المكونات والشخصيات الوطنية القادرة على الإسهام في مواجهة الانقلاب واستعادة الدولة، ومن بينها استيعاب شخصية بثقل ومكانة السفير أحمد علي عبدالله صالح، وفق توافق وطني وأطر دستورية وقانونية واضحة.
وتزداد أهمية هذه الخطوة في ظل اللحظة الراهنة، وقد أذنت شرارة المعركة الفاصلة بالبدء؛ فكلما اقتربت اليمن من مرحلة حاسمة، أصبحت الحاجة إلى توحيد الصفوف أكبر، ولم يعد من المقبول أن تتبدد الطاقات في خلافات يمكن تجاوزها. إن المؤتمر حين يتجاوز خلافاته لا يستعيد وحدته الحزبية فقط؛ بل يمكن أن يفتح نافذةً أوسع أمام استعادة الثقة بين القوى الجمهورية، وتعزيز الشراكة، وتوجيه الإمكانات نحو الهدف الذي يجمعها.
لسنا بحاجة إلى إقصاء أحد، ولا إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ولا إلى إعادة فتح دفاتر الماضي. نحن بحاجة فقط إلى شجاعة سياسية تفتح الطريق إلى الأمام.
فلتكن البداية لقاءً، واللقاء مصالحة، والمصالحة شراكة، والشراكة مشروعًا وطنيًا. هذه هي، في تقديري، أجمل هدية يمكن أن يقدمها المؤتمر في ذكرى تأسيسه: أن يحوّل دعوات الوحدة من قولٍ متكرر إلى فعلٍ يبدأ الآن. وعلى ثقة بحنكة قيادات المؤتمر، وقدرتها على إبهار اليمنيين بخطوة تليق بتاريخ الحزب، وتحوّل هذه الذكرى إلى بداية جديدة. وكل عام والمؤتمر وقياداته وقواعده وأنصاره بخير.


