منبر حر لكل اليمنيين

اليمن بين الوطن والانتماءات الضيقة

أحمد محمد لقمان

لا يمكن فهم الأزمة اليمنية بوصفها صراعًا سياسيًا أو عسكريًا فحسب، فهي في جوهرها أزمة انتماء ووعي وقيادة. لقد شهد اليمن، خلال العقود الأخيرة، اختلالًا خطيرًا في ميزان الولاء بين الوطن بوصفه كيانًا جامعًا، والانتماءات الفرعية من منطقة ومذهب وقبيلة وسلالة وحزب. ومع كل جولة صراع، تراجعت فكرة اليمن الواحد، وتقدّمت هويات ضيقة جرى تضخيمها وتسييسها حتى باتت تنازع الوطن ذاته على الشرعية والتمثيل.

في المجتمع اليمني، كانت القبيلة والمنطقة تاريخيًا إطارًا اجتماعيًا منظمًا للحياة، لا مشروعًا سياسيًا بديلًا عن الدولة. غير أن غياب الدولة العادلة، وتآكل مؤسساتها، فتح الباب واسعًا لتحويل هذه الانتماءات إلى أدوات صراع وسلطات موازية. وهكذا لم يعد الخلاف سياسيًا حول برامج أو رؤى، بل تحول إلى صراع هويات يُستدعى فيه التاريخ، وتُعاد فيه إنتاج المظلومية، ويُجرَّم فيه المختلف بوصفه خصمًا وجوديًا.

ويزداد المشهد خطورة مع بروز زعامات سياسية واجتماعية بنت مشروعها على الاستثمار في هذه الانقسامات. زعامات لم تسعَ إلى بناء دولة، بل إلى بناء نفوذ؛ ولم تجد في اليمن الجامع فرصة، بل رأت فيه عائقًا أمام طموحاتها. لذلك جرى تفكيك فكرة الوطن في الخطاب، واستبدالها بولاءات أصغر، تُقدَّم باعتبارها الأحق بالتمثيل والأجدر بالحكم. في هذا السياق، أصبحت الوحدة الوطنية تهديدًا مباشرًا لمصالح تلك الزعامات، لأن قيام دولة مواطنة حقيقية يعني نهاية دورها القائم على الاحتكار والوصاية.

إن تغوّل الانتماءات الفرعية في اليمن لم يؤدِّ فقط إلى إطالة أمد الصراع، بل أسهم في تدمير ما تبقى من مفهوم المواطنة. فالمواطن اليوم يُعرَّف بحسب منطقته أو مذهبه أو ولائه السياسي، لا بحسب حقوقه وواجباته. والمؤسسات أُفرغت من مضمونها، لتحل محلها شبكات نفوذ، فيما تحوّل الوطن إلى جغرافيا مفتوحة للتجاذب الداخلي والتدخل الخارجي، يدفع ثمنها اليمني البسيط من أمنه وكرامته ومستقبله.

إن أخطر ما في المشهد اليمني ليس تعدد الانتماءات، فالتنوع كان دومًا جزءًا من هوية اليمن، بل الخطر الحقيقي يكمن في غياب مشروع وطني جامع تتفق عليه النخب قبل العامة. مشروع يعيد تعريف اليمن بوصفه دولة مواطنة، لا غنيمة؛ ودولة قانون، لا ساحة ثأر؛ ودولة شراكة، لا هيمنة.

وهنا تتوجه المسؤولية مباشرة إلى النخب اليمنية، السياسية والفكرية والقبلية والاجتماعية، بمختلف انتماءاتها. فإما أن ترتقي إلى مستوى اللحظة التاريخية، وتُقدِّم الوطن على ما سواه، أو تستمر في إدارة الصراع من داخل الانقسامات، بما يعنيه ذلك من إدامة الانهيار ، فالرهان على الانتصار عبر الهوية الضيقة رهان خاسر، لأن ما يُدمَّر باسم الجماعة اليوم، لن يجد غدًا دولة تحميه أو وطنًا يحتويه.

لا خلاص لليمن دون إعادة ترتيب دوائر الانتماء: اليمن أولًا، ثم السياسة، ثم كل ما عدا ذلك. ولا مستقبل له دون دولة عادلة تحتكر العنف، وتساوي بين مواطنيها، وتحتضن تنوعهم دون أن تسمح بتحويله إلى أداة تفكيك. فالوطن الذي لا تتفق عليه نُخبه، لن يصمد مهما صبر شعبه.

إنها لحظة مكاشفة تاريخية: إما يمن يتسع لجميع أبنائه تحت سقف دولة واحدة، أو انتماءات متصارعة فوق أنقاض وطنٍ مفقود .

تعليقات