أسامة فؤاد محمد::
عندما تتحول مؤسسات التعليم العالي التي يُفترض أن تكون منارة للعدالة وتكافؤ الفرص إلى مرتع للمحسوبية والفساد الإداري فإن الوطن بأكمله يدفع الثمن إن مصادرة حق الشباب في التعليم والتطوير ليس مجرد تجاوز إداري عابر بل هو اغتيال متعمد لمستقبل الوطن وطعنة غادرة في ظهر الكفاءات الشابة.
في مشهد يثير الاشمئزاز ويفتقر إلى أدنى درجات المسؤولية الوطنية تُسلب المنح الدراسية من مستحقيها الشرعيين من أبناء الشعب الكادحين والطلبة المتفوقين هؤلاء الذين سهروا الليالي وبذلوا الغالي والنفيس متسلحين بالأمل والجهد لتغيير واقعهم وخدمة بلادهم يجدون أنفسهم فجأة أمام أبواب موصدة تُصادر أحلامهم بجرة قلم فاسدة ليُترك الأوائل والمتميزون في مواجهة جدار قاسٍ من اليأس والإحباط والتهميش.
وبكل فجور ومحسوبية مقيتة تُوزع هذه المنح الدراسية وكأنها ميراث شخصي أو غنائم تُقسم بين الأقارب والمعارف وأبناء المتنفذين تتوارى معايير الكفاءة والاستحقاق الأكاديمي والشفافية لتفسح المجال أمام معيار واحد فقط “المحسوبية” إنها خيانة صريحة للأمانة وتكريس لطبقية بشعة تجعل من مقاعد الدراسة في الخارج حكراً على فئة محددة بينما يُحرم منها أبناء الشعب الذين لا يملكون واسطة سوى تفوقهم وعرق جبينهم.
إن أخطر ما في هذا الفساد الممنهج ليس فقط إهدار المال العام بل تدمير منظومة القيم لدى الأجيال القادمة عندما يرى الطالب أن جهده وتفوقه لا قيمة لهما أمام “الوساطة” والمحسوبية فإنه يفقد ثقته بوطنه ومؤسساته هذا الفساد يفرّغ التعليم العالي من مضمونه ويخلق جيلاً من المسؤولين غير المؤهلين الذين وصلوا إلى مراكزهم عبر شهادات سُلبت فرصتها من آخرين أكثر استحقاقاً.
إن هذا العبث المستفز بمقدرات الأجيال لا يمكن ولا ينبغي له أن يستمر لا يمكن بناء أوطان ناهضة على أساس من الظلم وسرقة الفرص ولا ينهض مجتمع يُعاقب فيه المجتهد ويُكافأ فيه الفاسد إن استرداد قطاع التعليم العالي من قبضة الفساد والمحسوبية ليس مجرد مطلب شعبي بل هو ضرورة حتمية لإنقاذ مستقبل يبدأ من احترام العقول وإنصاف المتفوقين.