من هرمز إلى باب المندب: هل يخدم اضطراب البحر الأحمر المصالح الروسية؟
أ.د.عبدالوهاب العوج::
* أكاديمي ومحلل سياسي يمني.
لم يعد التصعيد الحوثي على الساحل الغربي اليمني مجرد تطور عسكري داخل الحرب اليمنية، بعدما انتقل الصراع إلى مساحة تتقاطع فيها الجغرافيا اليمنية مع أمن البحر الأحمر وباب المندب وأمن الطاقة العالمي. فسيطرة الحوثيين على المخا وتقدمهم باتجاه ميون وجزر حنيش ومناطق برية حاكمة لمضيق باب المندب والتي أعادت رسم جانب مهم من الخريطة العسكرية والبحرية في اليمن، وفتحت سؤالاً يتجاوز العلاقة الإيرانية الحوثية إلى طبيعة المصالح الروسية في هذا الصراع. وقد أكدت تقارير صحفية حديثة أن الحوثيين سيطروا على المخا ووصلوا إلى جزر زقر وحنيش و ميون، فيما تأكد وجودهم العسكري جنوباً باتجاه باب المندب.
السؤال هنا ليس ما إذا كانت روسيا تدير العمليات الحوثية، فلا توجد أدلة علنية كافية تثبت ذلك، وإنما ما إذا كان اضطراب البحر الأحمر والخليج، وتهديد هرمز وباب المندب وخطوط تصدير النفط السعودية، يمكن أن يخدم المصالح الاستراتيجية الروسية في مواجهة الضغوط الغربية وفي سياق الحرب الروسية الأوكرانية.
المؤشرات المتاحة تسمح بالحديث عن مصلحة روسية محتملة في بعض نتائج هذا الاضطراب، مع ضرورة التمييز بين الاستفادة من النتائج وبين التوجيه العملياتي المباشر.
روسيا وإيران: شراكة تتجاوز الموقف السياسي
خلال السنوات الأخيرة تطورت العلاقة الروسية الإيرانية إلى شراكة استراتيجية أكثر تعقيداً، شملت التعاون العسكري والتقني والاستخباري، إلى جانب التعاون في مواجهة الضغوط والعقوبات الغربية.
وتزداد أهمية هذه الشراكة عند النظر إلى اليمن. فقد أشار نواف عبيد، في مقال رأي نشرته الجزيرة الإنجليزية في 26 سبتمبر 2026، إلى أن انهيار الجبهة الغربية لم يكن، وفق تقييمه، نتيجة التفوق العددي الحوثي وحده، وإنما ارتبط بما وصفه بمنظومة روسية إيرانية مدمجة، جرى فيها توظيف عناصر من الاستخبارات الجغرافية المكانية الروسية (Geospatial Intelligence, GEOINT)، أي الاستخبارات المعنية بجمع وتحليل المعلومات المرتبطة بالمواقع والبيئة الجغرافية، والاستخبارات الإشارية (Signals Intelligence, SIGINT)، أي جمع وتحليل الإشارات والاتصالات، داخل منظومة إيرانية للقيادة والسيطرة (Command and Control, C2) دعمت العمليات الحوثية. كما تحدث عن دمج هذه المعلومات مع التقارير التكتيكية الحوثية ومعلومات بشرية من داخل القوات المناهضة للحوثيين. ويظل هذا الطرح تقييماً للكاتب، وليس دليلاً مستقلاً يثبت أن موسكو كانت تدير العمليات الحوثية مباشرة.
لكن أهمية هذه القراءة أنها تنقل تفسير ما حدث في الساحل الغربي من مستوى السلاح والعدد إلى مستوى الحرب على المعلومات.
الحرب الفضائية والاستخبارية وراء الاختراق الساحلي
تكمن أهمية المعلومات التي أوردها عبيد في أن الأقمار الصناعية، وفق تقييمه، لم تكن مجرد وسيلة لرؤية الميدان، وإنما جزءاً من منظومة أوسع لبناء صورة عملياتية متغيرة عن انتشار القوات وتحركاتها ومراكز قيادتها واتصالاتها وممراتها اللوجستية.
ويشرح عبيد أن الميزة لم تأت من قمر صناعي واحد، وإنما من تسلسل أنواع مختلفة من الاستطلاع الفضائي بمرور الوقت، بما يسمح بمقارنة التغيرات في حركة القوات والاتصالات والانتشار بدلاً من الحصول على صورة ثابتة ومعزولة. ثم جرى، بحسب تقييمه، دمج هذه المعلومات مع معلومات ميدانية وبشرية داخل المنظومة الإيرانية.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات الحرب الحديثة: القمر الصناعي لا يحتل المخا، والاستخبارات لا تسيطر وحدها على ميون، لكن المعلومات الدقيقة يمكن أن تمنح القوة الميدانية أفضلية في معرفة مواقع الخصم وتحركاته ونقاط ضعفه، وتساعد على تحويل هذه المعرفة إلى قرار عسكري.
وتتوافق بعض عناصر هذه الرواية مع ما نقلته وكالة أسوشيتد برس عن مصادر تحدثت عن مساعدة مباشرة من مستشاري الحرس الثوري الإيراني للحوثيين في الهجوم على الساحل الغربي، بما في ذلك التدريب والتسليح والدعم الاستخباري وتحليل المعلومات الفضائية والاتصالات، كما أشارت الوكالة إلى أن الانقسامات داخل القوات المناهضة للحوثيين وضعف القيادة الموحدة أسهما في سرعة التقدم الحوثي.
وبذلك لا ينبغي اختزال التطورات العسكرية على الساحل في عامل واحد، فهناك الدعم الإيراني، والقدرات الاستخبارية، والمعلومات البشرية، والانقسامات داخل القوات المناهضة للحوثيين، ومشكلات القيادة والسيطرة، إلى جانب العوامل الميدانية واللوجستية.
من المخا إلى ميون والجزر الاستراتيجية
أهمية المخا لا تكمن في المدينة وحدها، وإنما في موقعها ضمن منظومة الساحل الغربي من حيس والخوخة وذو باب ومضيق باب المندب.
فبعد السيطرة على المخا، تقدم الحوثيون جنوباً ووصلوا إلى جزر حنيش، كما تحركوا باتجاه مناطق قريبة من باب المندب، الأمر الذي منحهم موقعاً أكثر تأثيراً على المجال البحري في جنوب البحر الأحمر، كما وثقت رويترز تواجداً لمليشيات الحوثي المتزايد على الساحل الغربي والجزر القريبة من باب المندب كجزيرة ميون وزقر وحنيش، وجزيرة ميون، المعروفة أيضاً باسم بريم هي الجزيرة الاستراتيجية في مدخل مضيق باب المندب.
ولا تكمن الخطورة في السيطرة على مدينة أو جزيرة منفردة، وإنما في إمكانية ربط الساحل والجزر والمواقع القريبة من باب المندب ضمن شبكة واحدة للاستطلاع والمراقبة والاستهداف، إذا تمكن الحوثيون من تثبيت هذه المكاسب عسكرياً ولوجستياً.
وهنا تتحول الجغرافيا من مجرد مساحة للقتال إلى عنصر من عناصر القدرة على مراقبة الممر البحري وتهديد حركة الملاحة فيه.
ماذا يمثل باب المندب لروسيا؟
لأن باب المندب ليس ممراً يمنياً فقط، بل أحد المفاصل البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي وقناة السويس والبحر المتوسط، ولذلك فإن أي اضطراب مستمر فيه يمكن أن ينعكس على التجارة العالمية وأسواق الطاقة وتكاليف النقل والتأمين.
وعندما تتزامن الضغوط على مضيق هرمز مع تهديد باب المندب، تنشأ معادلة ضغط على مسارات الطاقة والتجارة، حتى من دون الوصول إلى إغلاق كامل للممرين.
إيران تملك القدرة على التأثير في أمن مضيق هرمز، بينما يستطيع الحوثيون، بحكم وجودهم على الساحل الغربي والمواقع القريبة من باب المندب، تهديد حركة الملاحة في جنوب البحر الأحمر، وقد أدى التصعيد الإقليمي بالفعل إلى ارتفاع كبير في المخاطر المرتبطة بحركة الطاقة والشحن، فيما بقيت أسواق النفط شديدة الحساسية لأي تطورات حول هرمز و البحر الأحمر.
وهذا ما يجعل التطورات في الساحل الغربي تتجاوز كونها مكسباً عسكرياً يمنياً، لتصبح جزءاً من معادلة أمن الطاقة والملاحة الدولية وهو ما يتفق مع ما صرح به قيادات عسكرية ايرانية من امكانية غلق مضيق باب المندب.
ينبع وخط الشرق والغرب: الحلقة السعودية الحساسة
إذا كان باب المندب يمثل الممر الجنوبي للبحر الأحمر، فإن خط أنابيب الشرق والغرب يمثل أحد أهم البدائل السعودية لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز.
يمتد الخط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ولذلك فإن تعطيله لا يعني فقط الإضرار بمنشأة نفطية، وإنما المساس بأحد المسارات الاستراتيجية التي تمنح السعودية قدرة على نقل جزء من صادراتها بعيداً عن هرمز.
وفي سبتمبر 2026، تعرض خط شرق-غرب لهجوم بطائرات مسيرة نُسب إلى مليشيات عراقية وتعاون حوثي وتنسيق إيراني، مما أدى إلى توقف تدفقات النفط عبر الخط مؤقتاً، حيث انه في 29 سبتمبر أعلنت السعودية استئناف تحميل النفط في ينبع بعد إعادة تشغيل الخط، مع استمرار العمل على استعادة كامل طاقته التشغيلية.
وتكشف هذه التطورات عن حساسية البنية التحتية للطاقة في المنطقة. فإذا كان هرمز معرضاً للتهديد من إيران، وباب المندب معرضاً للتهديد من الحوثيين، وخط الشرق والغرب يمثل البديل السعودي عن جزء من مخاطر هرمز، فإن الضغط على هذه المسارات في وقت متزامن يمكن أن يرفع مستوى المخاطر في منظومة الطاقة الإقليمية.
لكن ذلك لا يثبت وجود غرفة عمليات روسية تدير هذه الضربات، و الأدق أن يقال إن اضطراب هذه المسارات يمكن أن يخدم موضوعياً بعض المصالح الروسية المحتملة عبر رفع علاوة المخاطر في سوق النفط وتقليص أمن بعض إمدادات الطاقة المنافسة وكسر الحظر الغربي على النفط والغاز الروسي نتيجة للعقوبات المفروضة على روسيا بسبب حربها على أوكرانيا.
لماذا يمكن أن تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار النفط؟
يمثل النفط والغاز مصدراً مهماً للإيرادات الروسية، في وقت تواجه فيه موسكو عقوبات وضغوطاً غربية مرتبطة بالحرب في أوكرانيا.
وفي سبتمبر 2026، ظلت أسعار النفط مرتفعة ومتأثرة بمخاوف اضطراب الإمدادات في الشرق الأوسط، وفي 29 سبتمبر ارتفع خام برنت للجلسة الثانية على التوالي وسط استمرار المخاوف بشأن الإمدادات واحتمالات اتساع الاضطراب حول مضيق هرمز.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن لارتفاع الأسعار العالمية أن يخفف جزئياً من أثر انخفاض حجم الصادرات بالنسبة إلى منتج كبير مثل روسيا، لكن هذه العلاقة ليست آلية، فالإيرادات الروسية تتأثر أيضاً بالخصومات على النفط، وتكاليف النقل والتأمين، والعقوبات، وحجم الإنتاج، وقدرة المشترين على استبدال الإمدادات الروسية.
لذلك يجب التمييز بين استفادة روسيا المحتملة من ارتفاع الأسعار وبين القول إنها خططت لإحداث الاضطراب الذي أدى إلى ارتفاعها.
الأول يمكن تفسيره اقتصادياً، أما الثاني فيحتاج إلى أدلة مباشرة.
النفط الروسي في مواجهة النفط الخليجي
تزداد أهمية هذه المعادلة عند النظر إلى الأسواق الآسيوية، حيث تعد الصين والهند من كبار مستوردي النفط، إلى جانب اعتمادهما على إمدادات روسية وشرق أوسطية.
وعندما تضطرب طرق النفط الخليجية، تتغير حسابات المشترين وتكاليف النقل والتأمين، وقد تتغير أيضاً جاذبية بعض الإمدادات مقارنة بغيرها.
لكن التأثير ليس في اتجاه واحد. فقد تؤدي اضطرابات البحر الأحمر إلى زيادة تكلفة نقل بعض الإمدادات الروسية أيضاً، كما أن الطلب الآسيوي القوي على النفط الروسي قد يزيد المنافسة بين المشترين على الشحنات المتاحة.
ومن ثم فإن اضطراب البحر الأحمر لا يمثل منفعة روسية صافية بصورة تلقائية، لكنه قد يضيف علاوة مخاطر إلى أسعار النفط العالمية، وهي نتيجة يمكن أن تحمل فوائد اقتصادية غير مباشرة لموسكو.
روسيا وأوكرانيا: معركة الطاقة جزء من الحرب
الحرب الروسية الأوكرانية ليست منفصلة عن صراع الطاقة العالمي.
فالعقوبات الغربية تستهدف تقليص قدرة موسكو على تحويل صادرات الطاقة إلى إيرادات، بينما تعمل روسيا على الحفاظ على أسواقها ومسارات تصديرها وشبكات النقل البديلة.
ومن هذه الزاوية، فإن أي اضطراب طويل الأمد في مصادر الطاقة المنافسة، إذا أدى إلى ارتفاع الأسعار العالمية، يمكن أن يقلل جزئياً من أثر بعض القيود المفروضة على صادرات الطاقة الروسية.
لكن هذه النتيجة تظل مشروطة بعدة عوامل، منها مدة الاضطراب وحجمه، ومدى قدرة المنتجين الآخرين على زيادة الإمدادات، وقدرة المستوردين على تغيير مصادرهم، وتكاليف نقل النفط الروسي.
ولهذا فإن الأدق القول إن اضطراب هرمز وباب المندب يمكن أن يضيف علاوة جيوسياسية إلى أسعار الطاقة، وهذه العلاوة قد تتحول إلى منفعة روسية غير مباشرة، من دون أن يعني ذلك أن موسكو هي التي صنعت هذا الاضطراب.
الاضطراب المحسوب بدلاً من الإغلاق الكامل
من منظور المصالح الروسية المحتملة، هناك فرق بين ارتفاع مستوى المخاطر في أسواق الطاقة وبين إغلاق الممرات البحرية بصورة كاملة.
فالإغلاق الكامل لهرمز أو باب المندب قد يسبب أزمة اقتصادية واسعة، ويضر بدول تعتمد روسيا نفسها على استمرار تجارتها معها، وفي مقدمتها الصين والهند، كما قد يؤدي إلى تدخل عسكري دولي أوسع.
أما بقاء المخاطر مرتفعة بما يكفي لزيادة أسعار الطاقة والتأمين والنقل وإجبار بعض السفن على تغيير مساراتها، من دون الوصول إلى انهيار شامل للتجارة، فهو سيناريو مختلف من حيث النتائج الاقتصادية.
ولهذا يمكن الحديث تحليلياً عن مفهوم الاضطراب المحسوب، وليس عن رغبة روسية مؤكدة في إغلاق الممرات.
نقطة اللاعودة في الساحل الغربي
نقطة التحول الحقيقية لا تبدأ بمجرد سيطرة الحوثيين على مدينة أو ميناء أو جزيرة، وإنما عندما تصبح السيطرة الجغرافية مرتبطة بمنظومة استخبارية وعملياتية قادرة على تحويل المعلومات إلى قرار عسكري سريع.
وهنا يصبح السؤال الأهم ليس هل يستطيع الحوثيون إغلاق باب المندب، وإنما هل يستطيعون جعل شركات الملاحة والطاقة تتصرف كما لو أن باب المندب أصبح شديد الخطورة أو شبه مغلق؟
إذا اضطرت السفن إلى تغيير مساراتها، وارتفعت تكاليف التأمين، وزادت مدة الرحلات، وأصبحت حماية السفن أكثر تكلفة، فإن التأثير الاقتصادي والسياسي يمكن أن يتحقق حتى من دون إغلاق المضيق رسمياً.
ولهذا تكتسب ميون والجزر والمواقع الساحلية القريبة من باب المندب أهمية خاصة، لأنها يمكن أن توفر نقاط مراقبة وعمقاً جغرافياً للضغط البحري إذا تمكن الحوثيون من تثبيت وجودهم وربطه بمنظومتهم الصاروخية والاستخبارية.
من السيطرة على الأرض إلى التأثير في تكلفة الملاحة
المعادلة الأخطر ليست السيطرة على جزيرة في حد ذاتها، وإنما القدرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى جزء من منظومة مراقبة واستهداف.
وليست السيطرة على المخا وحدها هي مصدر القلق، وإنما احتمال تحويل المخا وميون وحنيش والمواقع الساحلية الأخرى إلى عقد مترابطة ضمن منظومة استخبارية وصاروخية وبحرية واحدة.
وإذا اقترنت هذه الجغرافيا بمعلومات فضائية وإشارية وبشبكة قيادة وسيطرة قادرة على تحويل المعلومة إلى قرار سريع، فإن الحوثيين ينتقلون من قوة تهدد الملاحة إلى قوة تستطيع التأثير في البيئة التي تتحرك فيها الملاحة.
وهنا تحديداً تكمن أهمية ما أورده نواف عبيد عن الحرب الاستخبارية. فإذا صحت قراءته، فإن نجاح الحوثيين في الساحل لم يكن نتيجة السلاح وحده، وإنما نتيجة تداخل المعلومات الاستخبارية مع نقاط الضعف في القيادة والسيطرة والانقسامات داخل القوات المناهضة للحوثيين، وفي المقابل، فإن معالجة هذه الاختلالات تصبح عاملاً أساسياً في أي محاولة لاستعادة الساحل وباب المندب.
روسيا: المستفيد غير المباشر؟
قد تكون هذه الصيغة الأكثر دقة لفهم الدور الروسي في هذه المعادلة.
ليس من الضروري أن تكون موسكو قد أمرت طهران أو الحوثيين بإغلاق مضيق أو مهاجمة منشأة نفطية حتى تستفيد من بعض النتائج.
فإذا ارتفعت أسعار النفط، واضطربت صادرات منافسين، وازدادت تكلفة الطاقة على الاقتصادات الغربية، وارتفعت تكاليف النقل والتأمين، فإن جزءاً من هذه النتائج يمكن أن يخدم المصالح الروسية في سوق الطاقة.
وفي الوقت نفسه، تمنح الشراكة الروسية الإيرانية موسكو شريكاً إقليمياً يمتلك نفوذاً وقدرات وشبكات تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، بينما تمنح روسيا إيران شريكاً دولياً مهماً في مواجهة الضغوط الغربية.
لكن المنفعة لا تعني بالضرورة التخطيط، والاستفادة من نتيجة جيوسياسية لا تعني بالضرورة أن المستفيد هو من صنع الحدث.
المعادلة الأهم
أخطر ما يحدث في اليمن ليس مجرد انتقال الحوثيين من مناطق الداخل إلى الساحل، وإنما احتمال تحول الساحل الغربي إلى جزء من منظومة جيوسياسية أكبر تمتد من إيران إلى باب المندب، ومن البحر الأحمر إلى أسواق النفط العالمية.
وفي هذه المعادلة تبرز القدرات الفضائية والاستخبارية الروسية التي تحدث عنها عبيد، والدور الإيراني في دمج المعلومات والقدرات العسكرية، والوجود الحوثي على الساحل والمواقع القريبة من باب المندب، إلى جانب أهمية المخا وميون وحنيش كمواقع استراتيجية في البحر الأحمر.
وفي المقابل، يمثل باب المندب نقطة اختناق بحرية مهمة، بينما يمثل خط شرق-غرب الى ميناء ينبع على البحر الأحمر أحد البدائل السعودية لتجاوز المرور الكامل عبر مضيق هرمز.
وتجتمع هذه العناصر في سياق أوسع تحكمه الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات على الطاقة الروسية والصراع على أسواق النفط ومسارات التجارة الدولية.
إذا اجتمع تهديد هرمز مع تهديد باب المندب، ومع تعرض بعض مسارات تصدير النفط السعودية للخطر، واستمرت الحرب في أوكرانيا والضغوط على صادرات الطاقة الروسية، فإن اليمن لا يعود مجرد ساحة من ساحات الصراع الإقليمي، بل يصبح جزءاً من معادلة أوسع تتداخل فيها الجغرافيا العسكرية مع أمن الطاقة والتجارة العالمية وتوازنات القوى الدولية.
ولهذا فإن معركة الساحل الغربي ليست معركة على المخا وحدها، ولا حتى على باب المندب وحده.
إنها معركة على القدرة على التحكم في واحدة من أهم حلقات الاتصال بين الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي، وعلى القدرة على تحويل الجغرافيا العسكرية إلى نفوذ على حركة الملاحة والطاقة والأسواق.
وهنا تكمن نقطة التحول الحقيقية: عندما لا يعود باب المندب مجرد مضيق جغرافي يمكن أن يتعرض للتهديد، وإنما يصبح عاملاً قادراً على تغيير تكلفة الملاحة والطاقة عالمياً، فإن أي معركة عسكرية حول الساحل الغربي تصبح جزءاً من صراع أكبر على أمن الممرات البحرية وتدفقات الطاقة وتوازنات القوى الدولية.
