المقاتلون في الجبهات: لماذا يضحون؟ قراءة جيوسياسية اولية لدوافع القتال وجذور الصراع
أ.د.عبدالوهاب العوج::
*أكاديمي ومحلل سياسي يمني.
خلاصة تنفيذية
يسعى هذا المقال بشكل اولي إلى الإجابة عن سؤال مركزي يطرحه كثيرون: لماذا يضحّي المقاتل اليمني في الجبهات؟ والخلاصة أن دوافعه ليست واحدة ولا بسيطة، بل مركّبة من عناصر وطنية واجتماعية ونفسية واقتصادية، غير أن فهم هذه التضحيات فهمًا كاملًا يقتضي تجاوز الخطاب المباشر إلى تحليل البنية الجيوسياسية والاقتصادية التي جعلت من اليمن ساحة صراع إقليمي ودولي. فموقع اليمن عند مضيق باب المندب، وموارده المتوقعة من النفط والغاز، وتحوّل الصراع إلى حرب بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية، كل ذلك يجعل تضحيات المقاتل الفردي جزءًا من معادلة أكبر، دون أن يعني ذلك إلغاء مسؤوليته أو مسؤولية القوى المحلية. ويخلص المقال إلى أن السلام الحقيقي ليس مجرد وقف لإطلاق النار، بل معالجة جذور الصراع واسبابه الحقيقية التي ادت الى تفجره بهذه الطريقة خلال اثني عشر سنة منذ الانقلاب الحوثي و سيطرتهم على العاصمة صنعاء.
ان ضمان السيادة على الموارد والمياه الإقليمية، وبناء دولة عادلة تحمي جميع اليمنيين قائمة على المواطنة المتساوية وحرية الانسان وكرامته هي اساس القضية اليمنية.
مقدمة: ما وراء الخطاب المباشر
لماذا يقاتل المقاتل في جبهات العزة؟ هل يقاتل من أجل وزير أو مسؤول أو مسؤولية شخصية لهذا الطرف أو ذاك؟ بالتأكيد لا، لكن الإجابة الكاملة عن هذا السؤال لا تتوقف عند حدود الخطاب الوطني المباشر، بل تمتد إلى طبقات أعمق من التحليل السياسي والاجتماعي والجيوسياسي والاقتصادي، تكشف عن بنية صراع معقد يتشابك فيه المحلي بالإقليمي والدولي، ويقف فيه المقاتل اليمني في الخندق وهو يحمل قضيته الوطنية، لكنه يجد نفسه في الوقت ذاته داخل لعبة قوى أكبر منه، تحدد مسارات الحرب ومداخلها ومخارجها.
إن المقاتل في الجبهات لا يتحرك، في الغالب، بدافع واحد أو سبب منفرد. فهناك الدافع الوطني المرتبط بالدفاع عن الأرض والكرامة والسيادة، والدافع الاجتماعي المتصل بحماية الأسرة والمجتمع المحلي، والدافع النفسي الناتج عن الإحساس بالتهديد والظلم والرغبة في استعادة الحقوق، فضلًا عن دوافع اقتصادية تتعلق بتوفير مصدر دخل في ظل الانهيار المعيشي. وقد تجتمع هذه الدوافع كلها في شخص واحد، فتتحول المشاركة في القتال إلى تجربة مركبة لا يمكن اختزالها في شعار سياسي أو تفسير أمني واحد.
المقاتل في الجبهات يقاتل دفاعًا عن وطنه وكرامته وسيادته، وعن الجمهورية اليمنية، وعن حق اليمنيين في أن تكون لهم دولة ومؤسسات وقانون، لا أن تفرض عليهم جماعة مسلحة مشروعها بالقوة والسلاح. يقاتل لأنه يرى أن الوطن قد سُلب، وأن عاصمة الدولة ومؤسساتها وقسمًا كبيرًا من مقدراتها وقعت تحت سيطرة مليشيات الحوثي، وأن استعادة الدولة ليست معركة أشخاص، وإنما معركة وطن.
وفي الوقت نفسه، فإن الحديث عن دوافع القتال ينبغي ألا يتحول إلى تمجيد مطلق للحرب أو إلى تجاهل لتكلفتها الإنسانية. فالمقاتل ليس مجرد أداة في مشروع سياسي، بل إنسان له أسرة ومخاوف وأحلام ومستقبل، وقد يدفع حياته أو صحته أو استقراره النفسي ثمنًا لصراع لم يكن هو من أشعله. ولذلك فإن فهم تضحياته يقتضي الجمع بين تقدير دوافعه الوطنية والإنسانية، وبين مساءلة القوى التي أطالت أمد الحرب واستثمرت في استمرارها.
لكن فهم هذه التضحيات فهمًا دقيقًا يقتضي ألا نتوقف عند السطح، بل أن نغوص في الأسباب الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي جعلت من اليمن ساحة لهذا الصراع، والتي تفسر لماذا استمرت الحرب كل هذه السنوات، ولماذا يدفع المقاتل البسيط ثمنًا فادحًا في معركة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية.
—
أولًا: الموقع الجغرافي — باب المندب كبؤرة للصراع
الأهمية الاستراتيجية للمضيق
تكمن الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب في كونه نقطة عبور رئيسية لحركة الملاحة بين خليج عدن والبحر الأحمر، وهو شريان حيوي لشحنات الطاقة العالمية والتجارة الدولية المتجهة من وإلى قناة السويس. وتختلف تقديرات حجم التجارة التي تمر عبره بحسب السنوات والظروف الأمنية، إلا أن موقعه يجعله واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم، إلى جانب مضيقي هرمز وملقا وقناة السويس.
ولا تنبع أهمية باب المندب من كونه ممرًا بحريًا فحسب، بل من ارتباطه المباشر بشبكة واسعة من المصالح الدولية. فأي اضطراب في حركة الملاحة عبره قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والنقل، وإطالة مسارات السفن، وزيادة أسعار الطاقة والسلع، فضلًا عن تأثيره في أمن الدول المطلة على البحر الأحمر وفي حركة التجارة بين آسيا وأوروبا. ولهذا فإن السيطرة على المناطق القريبة من المضيق تمنح الطرف المسيطر قدرة على التأثير في الحسابات الأمنية والاقتصادية الإقليمية والدولية.
هذا الموقع الفريد هو ما جعل اليمن، رغم محدودية موارده الاقتصادية، مسرحًا لصراع إقليمي ودولي متواصل. فالجغرافيا اليمنية لا تقتصر على حدود الدولة، بل تتصل بممرات بحرية وموانئ وسواحل طويلة ومناطق قريبة من خطوط التجارة العالمية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب داخلي قابلًا للتحول إلى أزمة تتجاوز الحدود الوطنية.
التحولات العسكرية على الساحل الغربي
شهد الساحل الغربي اليمني خلال سنوات الحرب تحولات عسكرية متسارعة، إذ سعت الأطراف المتصارعة إلى السيطرة على الموانئ والمناطق الساحلية والطرق المؤدية إلى البحر الأحمر. وقد اكتسبت مناطق مثل الحديدة والمخا وذباب ومحيط جزيرة ميون أهمية خاصة بسبب موقعها الجغرافي واتصالها بالممرات البحرية.
ولا ينبغي النظر إلى السيطرة على هذه المناطق باعتبارها مكسبًا عسكريًا تكتيكيًا فقط، بل بوصفها جزءًا من إعادة تشكيل موازين القوى داخل اليمن وحوله. فالموانئ لا تمثل منافذ تجارية فحسب، وإنما توفر موارد مالية، وقنوات للإمداد، وقدرة على التأثير في حركة السلع والمساعدات، فضلًا عن قيمتها العسكرية والاستراتيجية.
ومن هنا، فإن الصراع على الساحل الغربي يجمع بين أهداف متعددة: عسكرية تتعلق بتأمين الجبهات، واقتصادية ترتبط بالموانئ والإيرادات، وسياسية تتصل بفرض شروط التفاوض، وجيوسياسية تتعلق بموقع اليمن في منظومة أمن البحر الأحمر.
“هرمز ثانٍ” وورقة الضغط الإيرانية
من منظور جيوسياسي، فإن اقتراب أي قوة مسلحة من باب المندب يثير مخاوف إقليمية ودولية واسعة. وكما أشار المحلل السياسي اليمني خليل مثنى العمري، فإن سيطرة قوات الحوثي على مضيق باب المندب يمكن أن تشكل عمليًا “جبهة موازية لمضيق هرمز”، بما يمنح إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قدرة أكبر على التأثير في شحنات الطاقة العالمية عبر نقطتي اختناق بحريتين رئيسيتين.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن السيطرة على المضيق تمنح طرفًا واحدًا قدرة مطلقة على التحكم في التجارة العالمية، فالممرات البحرية تخضع لحسابات عسكرية وقانونية ودولية معقدة، كما أن حماية الملاحة الدولية تتولاها قوى بحرية متعددة. لكن مجرد امتلاك القدرة على التهديد أو التعطيل يخلق ورقة ضغط سياسية وأمنية مهمة، ويجعل المنطقة أكثر عرضة للتوتر والابتزاز المتبادل.
وتزداد خطورة هذا الاحتمال عندما تتوافر لدى الجماعة المسلحة قدرات صاروخية وطائرات مسيرة وزوارق مفخخة وشبكات تهريب وإمداد. فهذه الأدوات لا تحتاج إلى السيطرة الكاملة على المضيق كي تؤثر في حركة الملاحة، بل يكفي أن ترفع مستوى المخاطر وتدفع شركات النقل إلى تغيير مساراتها أو زيادة تكاليف التأمين.
لماذا يقاتل المقاتل هنا؟
في هذا السياق، يقاتل المقاتل اليمني في جبهة الساحل الغربي ليس فقط لاستعادة أرض وطنية، بل أيضًا لمنع تحول اليمن إلى ورقة ضغط دائمة بيد قوى إقليمية تستخدم أرضه ومياهه الإقليمية لتصفية حسابات لا علاقة لليمنيين بها. إن السيطرة على باب المندب أو تهديد الملاحة من خلاله تعني إضعاف القرار الوطني اليمني، وتحويل الجغرافيا اليمنية إلى أداة في صراعات خارجية.
كما أن القتال في هذه الجبهة يرتبط بحماية المدن الساحلية والموانئ والمجتمعات المحلية من أن تتحول إلى مناطق عسكرية مغلقة أو منصات لإطلاق الهجمات. فالمقاتل لا يدافع عن الممر البحري بوصفه مفهومًا جيوسياسيًا مجردًا فقط، بل يدافع أيضًا عن حياة السكان، وعن حركة التجارة، وعن إمكانية بقاء الساحل جزءًا من الدولة لا منطقة نفوذ مسلح.
—
ثانيًا: البعد الاقتصادي — الموارد كخط حياة للصراع
تدهور الاقتصاد اليمني
كان الاقتصاد اليمني قبل الحرب يعاني أصلًا من اختلالات بنيوية، من بينها الاعتماد الكبير على النفط، وضعف الإنتاجية، وارتفاع البطالة، وتراجع الخدمات، واتساع الفقر، وضعف مؤسسات الدولة. ومع اندلاع الحرب، تحولت هذه الاختلالات إلى انهيار شامل طال العملة والرواتب والاستثمار والتجارة والخدمات الأساسية.
ووفقًا لتقديرات البنك الدولي وتقارير الأمم المتحدة، تراجع الناتج المحلي الإجمالي لليمن من نحو 43 مليار دولار في عام 2014 إلى نحو 16 مليار دولار في عام 2024، وانخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من نحو 3580 دولارًا إلى نحو 465 دولارًا خلال الفترة نفسها، مما جعل اليمن يتراجع في مؤشرات التنمية البشرية إلى مراتب متدنية عالميًا. كما تضررت البنية التحتية، وتوقفت قطاعات إنتاجية واسعة، وتفاقمت أزمة العملة والرواتب.
وقد أدى الانقسام النقدي والمؤسسي بين مناطق السيطرة المختلفة إلى تعقيد حركة الأموال والرواتب والتجارة، وأصبح المواطن اليمني يواجه أزمات متداخلة: ارتفاع الأسعار، وانخفاض القدرة الشرائية، وانقطاع المرتبات، وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية.
هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الدمار الاقتصادي، بل تكشف أيضًا عن أحد أسباب استمرار الصراع: السيطرة على الموارد المتبقية ومصادر الإيرادات. فحين تنهار الدولة، تصبح الموانئ والحقول النفطية والغازية والمنافذ الجمركية ومؤسسات التحصيل المالي أدوات رئيسية للصراع السياسي والعسكري.
مأرب: قلب الصراع الاقتصادي
تقع محافظة مأرب في موقع استراتيجي شرق صنعاء، وتضم حقولًا ومنشآت نفطية وغازية مهمة، كما تحتوي على محطة صافر التي كانت تمثل عنصرًا أساسيًا في منظومة الطاقة اليمنية. وتكتسب المحافظة أهمية إضافية بسبب موقعها الجغرافي واتصالها بطرق رئيسية تؤدي إلى محافظات أخرى، فضلًا عن كونها مركزًا سكانيًا وعسكريًا وسياسيًا مهمًا.
إذا سقطت مأرب، فإن الحكومة اليمنية ستتلقى ضربة مالية وعسكرية وسياسية كبيرة، كما ستتغير خريطة السيطرة على مناطق واسعة من البلاد. وسيؤدي ذلك إلى تعزيز قدرة الحوثيين على الوصول إلى موارد إضافية، وتهديد طرق الإمداد، والضغط على المحافظات المجاورة، وربما فتح الطريق نحو مناطق غنية بالنفط والغاز مثل حضرموت.
وهذا يفسر لماذا يظهر الطرفان تشددًا خاصًا تجاه السيطرة على المناطق الغنية بالموارد. فالسيطرة على الموارد تعني القدرة على تمويل العمليات العسكرية، ودفع الرواتب أو المخصصات، وشراء الولاءات، وتقديم الخدمات الأساسية، والحفاظ على قبضة السلطة. وفي الحروب الطويلة، لا يكفي امتلاك السلاح؛ إذ يحتاج الطرف المقاتل إلى اقتصاد حرب قادر على توفير الوقود والغذاء والذخائر والاتصالات والنقل.
الاقتصاد كوقود للحرب
من منظور تحليلي، لم تعد الحرب في اليمن مجرد صراع سياسي على السلطة، بل أصبحت صراعًا على الموارد الاقتصادية المتبقية. فمن يسيطر على حقول النفط والغاز، ومن يتحكم في الموانئ والمنافذ التجارية، ومن يجمع الإيرادات الجمركية والضريبية، ومن يفرض الرسوم على حركة السلع، هو من يمتلك قدرة أكبر على الاستمرار في القتال.
وتنشأ في مثل هذه الظروف اقتصاديات موازية تستفيد من استمرار الحرب، مثل التهريب، والسوق السوداء، والجبايات غير القانونية، والاتجار بالوقود، واستغلال المساعدات الإنسانية، وفرض الإتاوات على التجار والمواطنين. وتلعب الموانئ دورًا محوريًا في هذه الاقتصاديات، إذ تتحول إلى منافذ للإمداد وفرض الرسوم وتنظيم حركة السلع، سواء في الحديدة أو عدن أو المخا. كما تشكل تجارة الوقود أحد أهم روافد اقتصاد الحرب، حيث تتداخل فيها شبكات التهريب والمصالح التجارية والتمويل العسكري. وتضيف الجبايات المفروضة في المناطق المختلفة — سواء من الجماعة الحوثية أو من التشكيلات العسكرية والأمنية في مناطق الحكومة — عبئًا إضافيًا على المواطنين، وتغذي في الوقت نفسه آلة الحرب. ولا تقل أهمية عن ذلك مسألة استغلال المساعدات الإنسانية، إذ تتحول في بعض الحالات إلى أداة للسيطرة والتجنيد والتمويل، بدلًا من أن تكون وسيلة للإغاثة.
وهذه الأنشطة لا تؤدي فقط إلى إطالة الحرب، بل تخلق مصالح جديدة مرتبطة ببقائها، حتى عندما تتراجع دوافع الصراع السياسية الأصلية.
ولهذا فإن المقاتل في الجبهة، دون أن يدرك بالضرورة هذه الطبقة الاقتصادية، يقاتل في الحقيقة دفاعًا عن مستقبل اقتصادي لليمن، وعن حق اليمنيين في ثرواتهم التي تُنهب أو تُستخدم لتمويل الحرب. غير أن هذا الهدف لا يتحقق بمجرد السيطرة العسكرية، بل يحتاج إلى مؤسسات شفافة، وإدارة رشيدة للموارد، ونظام مالي موحد، ورقابة قانونية تمنع تحويل الثروة الوطنية إلى مصدر لتمويل الصراع.
انقطاع المرتبات وتدهور الخدمات
منذ انقلاب مليشيات الحوثي وسيطرتها على صنعاء، تعطلت مؤسسات الدولة، وتدهورت مؤسسات الاقتصاد، وانقطعت مرتبات ملايين اليمنيين أو تأخرت، وتوقفت أو تراجعت الاستثمارات، وهربت شركات الاستكشاف والإنتاج، وتوقف تصدير النفط والغاز أو تراجع بشدة، وتعرض الاقتصاد الوطني لمزيد من الانهيار، فيما دفع المواطن اليمني الثمن الأكبر.
وقد أدى انقطاع الرواتب إلى آثار اجتماعية عميقة، إذ اضطرت أسر كثيرة إلى بيع ممتلكاتها أو الاستدانة أو إخراج أبنائها من المدارس أو تقليص الإنفاق على الغذاء والدواء. كما أدى تدهور الخدمات إلى انتشار الأمراض، وتراجع التعليم، وتزايد الهجرة والنزوح، وتفكك شبكات الحماية الاجتماعية.
وهذا الواقع الاقتصادي المأساوي هو أيضًا دافع للمقاتل: فهو يقاتل ليستعيد دولة قادرة على دفع الرواتب، وتقديم الخدمات، وإعادة تشغيل الاقتصاد، وحماية العملة، وفتح فرص العمل. لكنه في الوقت نفسه يضع سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا أمام القوى المتصارعة: هل تكون استعادة الدولة غاية حقيقية، أم مجرد شعار يستخدم لتعبئة المقاتلين بينما تستمر ممارسات الفساد والنهب؟
—
ثالثًا: لعبة القوى الإقليمية — الحرب بالوكالة
إيران والحوثيون: تحالف استراتيجي
طبيعة هذه الحرب كحرب بالوكالة واضحة في جوانب متعددة، وإن كانت لا تختزل كل تفاصيل الصراع. فقد أشارت تقارير وتصريحات لمسؤولين إيرانيين ودبلوماسيين إقليميين إلى وجود دعم إيراني للحوثيين في مجالات السلاح والتدريب والخبرة والتمويل والإعلام. كما تحدثت تقارير عن وصول خبراء ومستشارين مرتبطين بالحرس الثوري الإيراني وحزب الله إلى اليمن للمساعدة في تطوير القدرات العسكرية والصاروخية والطائرات المسيرة.
ولا يقتصر هذا الدعم على الجانب العسكري، بل يمتد إلى الجانب السياسي والإعلامي واللوجستي. فقد استفاد الحوثيون من الخبرة في إدارة الحرب غير المتكافئة، وبناء الشبكات المحلية، واستخدام الخطاب الأيديولوجي، وتطوير أدوات الضغط على الخصوم. وفي المقابل، ترى إيران في اليمن موقعًا مهمًا ضمن استراتيجيتها الإقليمية القائمة على بناء نفوذ متعدد الجبهات حول خصومها.
لكن من المهم أيضًا عدم النظر إلى الحوثيين باعتبارهم مجرد أداة خارجية بلا مشروع محلي. فالجماعة تمتلك جذورًا اجتماعية وسياسية داخل اليمن، ولها حساباتها الخاصة ومصالحها المحلية، حتى وإن استفادت من الدعم الإيراني. ولذلك فإن فهم العلاقة بين الطرفين يتطلب التمييز بين التأثير الخارجي وبين قدرة الفاعل المحلي على اتخاذ القرار والمناورة.
السعودية وأمريكا: الدعم المضاد
في المقابل، دعمت السعودية الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وقادت تحالفًا عسكريًا تدخل في اليمن منذ عام 2015، بينما قدمت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى أشكالًا مختلفة من الدعم المعلوماتي واللوجستي والسياسي، مع اختلاف طبيعة هذا الدعم وتطوره عبر مراحل الحرب.
من وجهة نظر السعودية، أدى تقدم قوات الحوثي على الساحل الغربي، إلى جانب الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة على أراضيها ومنشآتها النفطية، إلى وضع الرياض أمام أزمة متداخلة بين المخاطر الميدانية ومخاطر أمن الطاقة والتجارة. كما أن قرب اليمن من الحدود السعودية، وطول الحدود البرية، وارتباط أمن البحر الأحمر بأمن المملكة، جعل الحرب اليمنية قضية أمن قومي بالنسبة إليها.
أما الولايات المتحدة، فتنظر إلى اليمن من زاوية أوسع تشمل مكافحة الإرهاب، وحماية الملاحة الدولية، وأمن الطاقة، ومواجهة النفوذ الإيراني. غير أن هذا الانخراط الخارجي ظل محل جدل واسع بسبب آثاره الإنسانية، وبسبب الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية عن الضحايا المدنيين، وفعالية التدخل العسكري في تحقيق الاستقرار.
اليمن كساحة لتصفية الحسابات
هذا الوضع يضع المقاتل اليمني في موقف بالغ التعقيد. فهو يقاتل من أجل وطنه، لكنه في الوقت ذاته يقاتل في حرب بالوكالة تتصارع فيها إيران والسعودية والولايات المتحدة على النفوذ في المنطقة. وتضحياته الفردية يتم استيعابها من قبل الخطاب السياسي للدول والقوى الإقليمية من كلا الجانبين، بينما يبقى السؤال: من يعوضه عن دمه وأسرته ومستقبله؟
إن أخطر ما في الحروب بالوكالة أنها تمنح القوى الخارجية قدرة على الاستمرار في الصراع من دون تحمل التكلفة البشرية المباشرة التي يتحملها السكان المحليون. فالمقاتل اليمني هو الذي يفقد حياته، والأسرة اليمنية هي التي تنزح، والمدينة اليمنية هي التي تُدمّر، بينما تستطيع القوى الإقليمية تعديل مواقفها أو فتح قنوات تفاوض جديدة عندما تتغير مصالحها.
لماذا يستمر القتال؟
استمرار الحرب كل هذه السنوات لا يمكن تفسيره فقط بالعوامل المحلية، بل بالبنية الإقليمية للصراع، وبغياب تسوية سياسية شاملة، وبانقسام مراكز القوة داخل اليمن، وبوجود اقتصاد حرب يستفيد منه بعض الفاعلين. وطالما استمرت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة والسعودية، وظلت الأطراف اليمنية عاجزة عن بناء إطار وطني جامع، فإن السلام الحقيقي في اليمن يظل بعيد المنال.
ومع ذلك، فإن اختزال الحرب في صراع إقليمي فقط قد يؤدي إلى تهميش المسؤولية اليمنية. فالقوى المحلية ليست مجرد أدوات، بل تتحمل مسؤولية مباشرة عن قراراتها، وعن الانتهاكات التي ارتكبتها، وعن تعطيل مؤسسات الدولة، وعن استغلال الانقسامات الاجتماعية والمناطقية. ولذلك فإن أي سلام مستدام يحتاج إلى معالجة العامل الخارجي والعامل الداخلي في آن واحد.
—
رابعًا: دور القبائل — الفاعل الغائب في كثير من التحليلات
لا يمكن فهم ديناميكيات الصراع اليمني دون معالجة دور القبائل، الذي كثيرًا ما يُغفل أو يُختزل في صور نمطية. فالقبائل في اليمن ليست كتلة واحدة، بل شبكة معقدة من التحالفات والمصالح والانتماءات المحلية، تتداخل فيها الاعتبارات العرفية والاقتصادية والسياسية.
القبائل بين الأطراف المتصارعة
خلال سنوات الحرب، وجدت القبائل نفسها أمام خيارات صعبة. بعضها تحالف مع الحوثيين، وبعضها انحاز إلى الحكومة الشرعية أو إلى التحالف العربي، وبعضها حاول البقاء على الحياد أو المناورة بين الأطراف. وقد استخدمت الأطراف المتصارعة القبائل لأغراض التجنيد، وتأمين الطرق، وفرض الجبايات، والحماية المحلية.
لكن التحالفات القبلية لم تكن ثابتة دائمًا، فقد شهدت بعض المناطق تحولات في الولاءات نتيجة للضغط العسكري، أو المصالح الاقتصادية، أو الخلافات الداخلية، أو الانتقام من انتهاكات معينة، وهذا يعني أن الخريطة القبلية في اليمن ليست جامدة، بل قابلة للتغير بحسب تطورات الميدان.
دور القبائل في السلام
على الجانب الآخر، يمكن أن تلعب القبائل دورًا مهمًا في بناء السلام ووقف الحرب، فالقبائل تمتلك آليات تقليدية لحل النزاعات (الوساطة، التحكيم العرفي، الصلح القبلي)، وهي آليات يمكن أن تُستثمر في المصالحة المحلية ووقف الاقتتال، كما أن القبائل تمثل شبكات اجتماعية قادرة على حماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات، ودعم العودة الطوعية للنازحين.
غير أن تفعيل هذا الدور يتطلب:
· الاعتراف بدور القبائل كفاعل سياسي واجتماعي، لا مجرد أداة عسكرية.
· دمجها في أي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية.
· معالجة القبلية المتراكمة، وخاصة ما يتعلق بالانتهاكات والثأرات.
· ضمان مشاركتها في توزيع الموارد والسلطة محليًا.
وبدون معالجة دور القبائل، فإن أي سلام قد يبقى هشًا، لأن القبائل تشكل جزءًا أساسيًا من النسيج الاجتماعي اليمني، وأي ترتيبات سياسية أو أمنية تتجاهلها ستكون عرضة للانهيار.
خامسًا: تصور المقاتل الفردي — بين الذاتي والموضوعي
المستوى الأول: تصور المقاتل الفردي
بالعودة إلى سؤال “لماذا يضحون؟”، يجب التمييز بين مستويين متداخلين: المستوى الذاتي المرتبط بتجربة المقاتل الفردية، والمستوى الموضوعي المرتبط بالبنية السياسية والجيوسياسية التي تحيط به.
بالنسبة للجنود المنتمين إلى الحكومة اليمنية الشرعية أو القوات المحلية، فإنهم يقاتلون بالفعل ضد جماعة مليشيات مسلحة تسيطر على العاصمة وتفرض السلطة بالقوة، هذا التصور الذاتي حول “حماية الوطن” له أساسه الواقعي، فالعديد من هؤلاء المقاتلين فقدوا أقارب أو منازل أو قراهم، وشاهدوا آثار الحرب على مجتمعاتهم، وأصبح القتال بالنسبة إليهم وسيلة للدفاع عن الذات والجماعة والكرامة، وليس مجرد استجابة لأوامر سياسية.
كما أن كثيرًا من المقاتلين وخاصة مقاتلي المليشيات الحوثية من المتحوثين الذين لا يملكون خيارًا اقتصاديًا آخر ففي بلد ترتفع فيه البطالة وينهار فيه الاقتصاد، قد تصبح الجبهة مصدر الدخل الوحيد، أو الطريق الوحيد للحصول على الغذاء والحماية والمكانة الاجتماعية، وهذا لا يلغي تصوير الأمر لهم من انهم يقاتلون المرتزقة والدواعش لكي لا ينعدم عندهم البعد الوطني في دوافعهم، لكنه يوضح أن قرار القتال قد يكون نتيجة تداخل بين القناعة والضرورات.
صوت من الميدان
لا يمكن الحديث عن دوافع المقاتلين دون الاستماع إلى أصواتهم، تقول إحدى الشهادات الميدانية من مقاتل في جبهة الساحل الغربي: “أنا لا أقاتل من أجل وزير ولا من أجل حزب، أنا أقاتل لأن بيتي وأسرتي في خطر، ولأنني لا أريد أن يحكم أطفالي مليشيات ظلامية لكنني أيضًا لا أريد أن أموت من أجل فساد المسؤولين.”
وتضيف شهادة أخرى من مقاتل في جبهة اخرى: “جئت لأنني لم أجد عملًا، الجبهة أعطتني راتبًا، لكنها أيضًا أعطتني سببًا، أنا لا أفهم السياسة كثيرًا، لكنني أفهم أنني يجب أن أحمي أرضي.”
وتقول زوجة أحد المقاتلين: “زوجي في الجبهة منذ أربع سنوات، أحيانًا ألومه لأنه تركنا، وأحيانًا ألوم نفسي لأنني لا أفهم لماذا يقاتل، لكنني أعرف أنه يحبنا، وأنه يخاف علينا.”
هذه الشهادات — رغم محدوديتها — تكشف أن دوافع المقاتلين مركّبة، وأنها تجمع بين الوعي الوطني، والاضطرار الاقتصادي، والضغط الاجتماعي، والحيرة الشخصية، وهي تؤكد أن المقاتل ليس بطلاً أسطوريًا ولا ضحية سلبية، بل إنسان يعيش في ظروف قاسية ويحاول أن يصنع معنى لحياته وسط الفوضى.
المستوى الثاني: البنية الجيوسياسية الكلية
المستوى الثاني هو البنية الجيوسياسية الكلية. فهذا الصراع، في جوهره، ليس مجرد “معركة لاستعادة الدولة اليمنية”، بل هو ايضا جزء من الصراع بين إيران ومشروعها الفارسي وتصدير الثورة ومقاومة هذا المشروع من قبل دول الخليج العربي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والى حد ما الولايات المتحدة و محاولتها السيطرة على الممرات البحرية الحيوية والموارد الإقليمية وموازين النفوذ.
وتتداخل في هذه البنية عوامل عدة: الموقع الجغرافي لليمن، وأمن البحر الأحمر، ومصالح الطاقة، والبرنامج النووي الإيراني، والتنافس على النفوذ في المنطقة وكذلك الاطماع الفارسية ونظرية ولاية الفقيه وصناعة الأذرع التابعة لإيران، ومكافحة الإرهاب، والتحولات في النظام الدولي، وكل هذه العوامل تجعل الحرب اليمنية أكبر من حدودها المحلية، وتمنحها قدرة على التأثير في ملفات إقليمية متعددة.
التضحيات الفردية يتم استيعابها من قبل الخطاب السياسي للدول والقوى الإقليمية من كلا الجانبين، وهذا لا يعني أن تضحيات المقاتلين عبثية، بل يعني أن فهمها الكامل يقتضي رؤيتها في سياقها الأوسع، مع الحفاظ على مركزية الإنسان اليمني وعدم تحويله إلى رقم في حسابات القوى الكبرى.
المعاناة المشتركة بين اليمنيين
من المهم ملاحظة أن تصنيف “الأسباب” في هذه الحرب ليس واضحًا دائمًا، فالسكان المحليون الذين يسيطر عليهم الحوثيون، والذين يتحملون أيضًا عبء الحرب والعقوبات والجبايات وتدهور الخدمات، قد لا تكون وجهات نظرهم حول “لماذا يقاتل المقاتلون” متسقة تمامًا مع الخطاب الرسمي، وقد يشارك بعضهم في القتال بدافع أيديولوجي او بسبب الجهل والدعايات المزعومة بالدفاع عن السيادة اليمنية ضد المرتزقة والعملاء وانه يقاتل الدواعش، أو بسبب اجتماعي، أو اقتصادي، أو تحت ضغط التجنيد والإكراه، أو بسبب الخوف من الانتقام او التعصب القبلي.
وفي مناطق الحكومة الشرعية أيضًا، أدى الفساد وقصور الحوكمة وتعدد التشكيلات العسكرية إلى تعقيد صورة “الدفاع عن الدولة”، فالمواطن قد يؤيد استعادة مؤسسات الدولة، لكنه في الوقت نفسه يعاني من غياب الخدمات، وتأخر الرواتب، وتعدد السلطات، وضعف العدالة، وانتشار المحسوبية.
وهذا يعني أن المعاناة اليمنية مشتركة بين جميع اليمنيين، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو العسكرية، كما يعني أن أي خطاب وطني جاد يجب أن يعترف بآلام المدنيين في جميع المناطق، وأن يرفض استهدافهم أو تبرير الانتهاكات بحقهم، وأن يميز بين نقد المشروع السياسي وبين معاقبة السكان على مواقف لا يملكون دائمًا حرية اختيارها.
نقد الأداء وعدم تجاهل الجذور
عندما نتحدث عن مسؤولية القوى السياسية والحكومة، فهذا أمر مشروع وضروري، ولا أحد فوق النقد أو المساءلة، هناك وزراء ومسؤولون موجودون على الأرض اليمنية، وهناك أخطاء وقصور واختلالات ينبغي الاعتراف بها ومعالجتها ومحاسبة المسؤول عنها، كما أن هناك فسادًا وضعفًا في الإدارة وتقصيرًا في حماية الجنود وأسر الشهداء والجرحى، وهي قضايا لا يجوز تأجيلها بحجة استمرار الحرب.
لكن نقد أداء الدولة والحكومة يجب ألا يتحول إلى تجاهل لجذر المأساة اليمنية، ولا إلى مساواة بين من يقاتل لاستعادة الدولة وبين من أسقط مؤسساتها وسيطر على العاصمة بقوة السلاح، وفي الوقت نفسه، فإن رفض الانقلاب لا يعني منح الحكومة أو القوى المناهضة له حصانة من النقد، ولا يعني تبرير أي انتهاك ترتكبه القوات التابعة لها.
الفارق الجوهري
وهذا هو الفارق الذي ينبغي ألا يغيب عن النقاش: يمكن أن ننتقد الحكومة، ونطالب بإصلاح مؤسسات الدولة، ونحاسب المقصرين، ونرفض الفساد وسوء الإدارة، وفي الوقت نفسه نقف مع حق اليمنيين في استعادة دولتهم وإنهاء الانقلاب.
إن المعركة الحقيقية ليست معركة أشخاص، وإنما معركة دولة في مواجهة مشروع مليشاوي مسلح يريد فرض الأمر الواقع على اليمنيين مع ادعائه بالحق الإلهي المزعوم بحكم اليمنيين ولذلك فإن تضحيات المقاتلين في جبهات العزة لا ينبغي أن تُختزل في الدفاع عن أشخاص، بل تُفهم في إطار دفاعهم عن الوطن والسيادة والجمهورية وحق اليمنيين في بناء دولتهم المستقرة ضمن نظام ديمقراطي يعتمد على المواطنة المتساوية وحرية الانسان.
غير أن الدفاع عن الدولة لا يكتمل بالانتصار العسكري وحده، بل يحتاج إلى بناء دولة عادلة وفعالة، تضمن الحقوق، وتدفع الرواتب، وتحمي المواطنين، وتمنع احتكار السلطة والثروة، وتخضع القوات المسلحة والأمنية للقانون والمؤسسات الدستورية، فالدولة التي يُضحى من أجلها يجب أن تكون دولة لجميع اليمنيين، لا دولة فئة أو منطقة أو حزب.
سادسًا: اليمن في سياق الحروب بالوكالة — مقارنة إقليمية
لفهم خصوصية الحالة اليمنية، من المفيد مقارنتها بحالات أخرى من الحروب بالوكالة في المنطقة، مع الاعتراف بالفروق الجوهرية بينها.
سوريا: تداخل الأيديولوجيا والجغرافيا
في سوريا، تحول الصراع من احتجاجات سلمية إلى حرب أهلية معقدة تداخلت فيها الأيديولوجيات (الطائفية، الإسلام السياسي، القومية.. الخ) بالجغرافيا (الموقع الاستراتيجي، الحدود مع إسرائيل وتركيا والعراق)، وتدخلت قوى إقليمية ودولية متعددة (روسيا، إيران، تركيا، الولايات المتحدة، دول الخليج) بدعم أطراف مختلفة، والنتيجة كانت تدميرًا هائلًا، وتقسيمًا فعليًا للبلاد، وموجات نزوح غير مسبوقة.
وجه الشبه مع اليمن: تداخل العوامل المحلية والإقليمية، واستخدام الجماعات المسلحة كأدوات لقوى خارجية، والمعاناة الإنسانية الهائلة.
وجه الاختلاف: في اليمن، البعد الطائفي أقل حدة مما في سوريا، والموقع الجغرافي (باب المندب) يمنح الصراع بعدًا استراتيجيًا عالميًا أكثر وضوحًا، كما أن التدخل الخارجي في اليمن (السعودية، الإمارات، إيران، الولايات المتحدة) لم يصل إلى مستوى التدخل الروسي المباشر في سوريا.
ليبيا: الانقسام المؤسسي والتدخل الخارجي
في ليبيا، أدى سقوط نظام القذافي إلى فراغ مؤسسي، وانقسمت البلاد بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب، مع تدخلات خارجية متعددة (تركيا، مصر، الإمارات، روسيا، فرنسا)، وتحول الصراع إلى حرب بالوكالة على النفط والموانئ والمواقع الاستراتيجية.
وجه الشبه مع اليمن: الانقسام المؤسسي (حكومتان، بنكان مركزيان، جيشان)، الصراع على الموارد (النفط، الموانئ)، التدخل الخارجي.
وجه الاختلاف: في اليمن، المليشيات المسلحة (الحوثيون) تسيطر على العاصمة ومؤسسات الدولة الرئيسية، بينما في ليبيا، الانقسام أكثر توازنًا جغرافيًا، كما أن البعد البحري (باب المندب) في اليمن أكثر حساسية من البعد البحري الليبي (المتوسط).
العراق: الطائفية والتدخل الإقليمي
في العراق، بعد 2003، تحول الصراع إلى حرب طائفية وسياسية معقدة، مع تدخلات إيرانية وأمريكية وخليجية، وظهرت جماعات مسلحة متعددة، بعضها مرتبط بإيران، وبعضها محلي، وتحولت بعض المناطق إلى ساحات لتصفية حسابات إقليمية.
وجه الشبه مع اليمن: التدخل الإيراني، وجود جماعات مسلحة، الصراع على الموارد (النفط).
وجه الاختلاف: في اليمن، الجماعة المسلحة الرئيسية (الحوثيون) لها جذور محلية أعمق من حكم الامامة وحق البطنين بالحكم كما يزعمون، ومشروع سياسي أكثر وضوحًا (استعادة الحكم للهاشمية السياسية)، كما أن البعد البحري (مضيق باب المندب) يمنح اليمن أهمية استراتيجية عالمية قد تفوق أهمية العراق النفطية.
الخلاصة المقارنة
الحالة اليمنية تشترك مع سوريا وليبيا والعراق في:
· تحول الصراع الداخلي إلى ما يشبه الحرب بالوكالة.
· التداخل الإقليمي والدولي.
· الصراع على الموارد والمواقع الاستراتيجية.
· المعاناة الإنسانية الهائلة.
لكنها تتميز بـ:
· الموقع البحري الاستراتيجي للجمهورية اليمنية (مضيق باب المندب) وخليج عدن و البحر الأحمر الذي يمنحها أهمية عالمية.
· المليشيات الحوثية المسلحة التي تسيطر على العاصمة صنعاء منذ الانقلاب ٢٠١٤ وسيطرتها على مؤسسات الدولة، والتي تستند الى فكرة حكم البطنين و الحق الإلهي المزعوم المرتبط بفكرة الامامة وبجذور محلية كهنوتية.
· ابعاد الاطماع الفارسية و الصراع بين المحور الإيراني واذرعها مع دول المنطقة والذي يمنح الصراع طابعًا إقليميًا واضحًا.
هذه المقارنة تؤكد أن اليمن ليس حالة معزولة، بل جزء من نمط أوسع من الحروب بالوكالة في المنطقة، لكنها تؤكد أيضًا أن لكل حالة خصوصيتها، وأن أي حل يجب أن يراعي هذه الخصوصية.
خاتمة: نحو سلام حقيقي
في النهاية، لا يريد اليمني أن تستمر الحرب إلى ما لا نهاية، يريد أن تنتهي هذه المأساة، وأن تندحر مليشيات الحوثي، وأن تعود مؤسسات الدولة، وتتوقف الحرب، وتُفتح أبواب السلام والاستقرار والتنمية، ويعود اليمن إلى دولة جمهورية مدنية، يسود فيها القانون، وتقوم على المواطنة المتساوية، ويكون فيها السلاح بيد الدولة وحدها.
لكن السلام المنشود لا ينبغي أن يكون مجرد هدنة مؤقتة أو اتفاق لتقاسم النفوذ بين النخب المسلحة، فالسلام الحقيقي هو الذي يعالج أسباب الحرب، ويضمن حقوق الضحايا، ويعيد النازحين، ويعوض المتضررين، ويعيد بناء المؤسسات، ويفتح المجال أمام المصالحة الوطنية، ويضع حدًا للإفلات من العقاب.
هذه هي الغاية التي يستحق من أجلها اليمنيون السلام: يمنٌ لا تحكمه المليشيات، ولا يُقصى فيه مواطن بسبب منطقته أو انتمائه، ولا تُنهب فيه مؤسسات الدولة، بل دولة واحدة، وجمهورية واحدة، ومواطنة متساوية لجميع اليمنيين.
لكن تحقيق هذا السلام يتطلب أكثر من وقف إطلاق النار، يتطلب معالجة جذور الصراع الجيوسياسي وعودة الجمهورية والمواطنة المتساوية وانهاء حالة الكهنوت السلالي والادعاء بالحق الإلهي المزعوم بحكم اليمنيين، وضمان سيادة اليمن الجمهوري على مياهه الإقليمية وموارده الطبيعية، وإنهاء حالة الحرب بالوكالة التي جعلت من اليمن ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية وليست شراكة عادلة ومتوازنة مع دول المنطقة و العالم، كما يتطلب اتفاقًا وطنيًا حول شكل الدولة، وترتيبات أمنية واضحة، ودمج القوات في مؤسسات الدولة، وإعادة بناء الاقتصاد، وتوحيد المؤسسات المالية والنقدية، وضمان مشاركة جميع المكونات السياسية والاجتماعية، بما في ذلك القبائل في العملية السياسية.
وعندها فقط، ستكون تضحيات المقاتلين قد أثمرت وطنًا حقيقيًا، لا مجرد أرض محروقة في لعبة قوى أكبر من اليمن وأهله، وستتحول دماء الشهداء ومعاناة الجرحى وأسر المقاتلين إلى مسؤولية وطنية تفرض على الدولة والمجتمع حماية حقوقهم، لا الاكتفاء بتكريمهم في الخطب والمناسبات.
خلاصة ختامية
هذه القراءة الجيوسياسية الاولية لا تنتقص من التضحيات الفردية للمقاتلين، بل تضعها في سياقها الأوسع، وتساعد على فهم لماذا استمرت هذه الحرب كل هذه السنوات، ولماذا يظل السلام الحقيقي في اليمن رهينًا بتوازنات القوى الإقليمية والدولية، وليس فقط بالقرار اليمني الوطني.
كما أن توسيع زاوية النظر لا يعني إلغاء البعد الأخلاقي أو الوطني للصراع، بل يساعد على فهمه بصورة أكثر توازنًا، فالمقاتل اليمني قد يكون مدفوعًا بالإيمان بوطنه، وبالرغبة في حماية أسرته، وبالخوف من المستقبل، وبالحاجة إلى مصدر دخل، وبالانتماء الاجتماعي، وكل هذه الدوافع يمكن أن تجتمع في تجربة واحدة.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على المقاتل وحده، بل على القوى السياسية والعسكرية والإقليمية التي تدفعه إلى الجبهة، وعلى الدولة التي يجب أن تحميه وتحمي أسرته، وعلى المجتمع الذي ينبغي أن يرفض تحويل التضحيات إلى وسيلة لاستمرار الصراع، فالمقاتلون لا يضحون من أجل الحرب ذاتها، بل من أجل معنى يعتقدون أنه أكبر منها: وطن آمن، ودولة مستقرة، وكرامة مصونة، ونظام عادل، ومساواة و مستقبل أفضل لأبنائهم.
