هدنة الضرورة… أم استراحة ما قبل العاصفة؟
أ.د. عبدالوهاب العوجأكاديمي ومحلل سياسي يمني.
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة بالغة الحساسية من إعادة تشكيل موازين القوى، في ظل مؤشرات متزايدة على انحسار نسبي للمواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، يقابلها تصاعد في الحديث عن اتصالات سياسية ومفاوضات غير مباشرة تتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بوجود الحوار من عدمه، بل بطبيعته ومآلاته: هل نحن أمام بداية انفراجة حقيقية تؤسس لاستقرار إقليمي، أم مجرد هدنة تكتيكية فرضتها ضرورات المرحلة تمهيدًا لجولة جديدة من التصعيد؟
المعطيات المتوافرة حتى الآن تشير إلى أن ما يجري لا يرقى إلى مستوى تسوية استراتيجية شاملة، بل يقترب أكثر من مفهوم “إدارة الصراع” بدلاً من إنهائه. فالولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترمب، تبدو حريصة على تجنب الانزلاق إلى حرب طويلة ومكلفة، لا سيما في ظل التداعيات الاقتصادية المحتملة لأي اضطراب واسع في أسواق الطاقة العالمية. وفي المقابل، تسعى إيران إلى كسب مساحة زمنية لإعادة ترتيب أوضاعها العسكرية والاقتصادية، وتعويض خسائرها، مع الحفاظ على أدوات الضغط التي تمتلكها في الإقليم.
ومن هذا المنطلق، تبدو المرحلة الراهنة أقرب إلى وقف للتصعيد لا إلى إنهاء للصراع، وإلى تفاوض يجري تحت مظلة الردع المتبادل، حيث يحتفظ كل طرف بأوراق قوة فاعلة تحسبًا لانهيار أي تفاهمات مؤقتة.
ولا يقتصر التفاوض الجاري على ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، بل يمتد إلى جوهر معادلة النفوذ الإقليمي. فالمضيق ليس مجرد ممر مائي، بل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، ومن يمتلك القدرة على التأثير فيه يمتلك ورقة ضغط سياسية واقتصادية ذات وزن دولي. وتسعى الولايات المتحدة إلى ضمان حرية الملاحة دون منح إيران أي اعتراف ضمني بحقها في فرض شروط على حركة التجارة العالمية، بينما تحاول طهران تحويل المضيق إلى ورقة تفاوض دائمة تعزز موقعها في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
وفي السياق ذاته، تدرك إيران أن أي تفاهم قد يحد من قدرتها على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، ولذلك عملت خلال السنوات الماضية على توسيع نطاق نفوذها البحري باتجاه البحر الأحمر عبر ذراعها الحوثية في اليمن. وبهذا المعنى، لم تعد معركة النفوذ محصورة في الخليج العربي، بل امتدت إلى باب المندب والبحر الأحمر، في إطار إعادة توزيع أدوات الضغط الاستراتيجية.
ومن هنا يمكن فهم التهديدات الحوثية المتكررة للملاحة الدولية، ولمنشآت تصدير النفط والغاز الخليجية، وفي مقدمتها ميناء ينبع على البحر الأحمر. فميناء ينبع يُعد أحد أهم البدائل الاستراتيجية التي اعتمدت عليها المملكة العربية السعودية لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، عبر نقل النفط بواسطة خطوط الأنابيب إلى ساحل البحر الأحمر. وبالتالي، فإن أي تهديد لهذا الميناء أو للسفن المتجهة إليه لا يستهدف السعودية فحسب، بل يمس أحد أهم مسارات أمن الطاقة العالمي.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الرسالة التي تسعى إيران إلى تمريرها عبر الحوثيين تبدو واضحة؛ فإذا جرى تحييد مضيق هرمز عبر تفاهمات دولية، فإن باب المندب والبحر الأحمر سيظلان ساحتين مفتوحتين للضغط، بما يضمن استمرار امتلاك طهران لأوراق مؤثرة في أي مفاوضات مستقبلية.
وفي المقابل، يمتلك الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مجموعة من أدوات الضغط المهمة، تشمل التفوق العسكري الأمريكي، والعقوبات الاقتصادية، والدعم الغربي والخليجي، والقدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. إلا أن إيران بدورها تمتلك أدوات ردع لا تقل أهمية، تتمثل في شبكة حلفائها الإقليميين، وقدرتها على تهديد الملاحة، وتوظيف الساحات الإقليمية المختلفة، وفي مقدمتها اليمن، كورقة ضغط غير مباشرة.
ولهذا تبدو فرضية فرض اتفاق شامل بالقوة أمرًا بالغ الصعوبة، إذ يركز كل طرف على تحسين موقعه التفاوضي أكثر من سعيه إلى تحقيق حسم نهائي للصراع.
أما اليمن، فيظل الساحة الأكثر ارتباطًا بمآلات هذا الصراع. فإذا نجحت التهدئة الأمريكية الإيرانية، فمن المرجح أن تنخفض وتيرة الهجمات البحرية، وتُستأنف الجهود الدولية لإحياء المسار السياسي، مع تراجع نسبي في مستويات التصعيد. أما إذا تعثرت المفاوضات أو انهارت، فمن المرجح أن يكون البحر الأحمر أول ميادين التصعيد، وأن تعود التهديدات للملاحة الدولية ولمنشآت الطاقة الخليجية إلى الواجهة، عبر تصعيد حوثي يعكس طبيعة الترابط بين التطورات الإقليمية والملف اليمني.
وفي ضوء المعطيات الراهنة، تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية. الأول، وهو الأرجح، يتمثل في استمرار هدنة هشة تتخللها مفاوضات متقطعة، مع احتواء نسبي للتصعيد دون التوصل إلى اتفاق شامل. والثاني يتمثل في التوصل إلى تفاهم محدود يركز على أمن الملاحة وحرية العبور، مع إبقاء الملفات النووية والإقليمية دون حل. أما السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، فيتمثل في انهيار المسار التفاوضي وعودة المواجهة العسكرية، بما يشمل مضيق هرمز والبحر الأحمر، مع ما يحمله ذلك من تداعيات جسيمة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
إن القراءة الجيوسياسية للمشهد الراهن تقود إلى استنتاج أساسي مفاده أن المنطقة لا تعيش مرحلة سلام، بل مرحلة إعادة تموضع استراتيجي. فالولايات المتحدة وإيران لا تتجهان نحو إنهاء الصراع بقدر ما تسعيان إلى ضبطه ضمن حدود تمنع انفجاره الشامل. وفي المقابل، سيظل البحر الأحمر وباب المندب عنصرين محوريين في معادلة الردع الإقليمي، ما يعني أن أمن الملاحة الدولية ومنشآت تصدير النفط والغاز الخليجية سيبقى مرهونًا بمستقبل العلاقة الأمريكية الإيرانية، وبقدرة الأطراف على تحويل الهدنة المؤقتة إلى استقرار دائم، وهو احتمال لا يزال محدودًا في المدى المنظور.

