منبر حر لكل اليمنيين

اليمن: تاريخ متنوع وانتماء وطني جامع

أحمد محمد لقمان

إن النقاش حول جنوب اليمن ومستقبله السياسي يظل من أكثر القضايا حساسية في الواقع اليمني المعاصر، لا لارتباطه بالسياسة فحسب، بل لأنه يمس الذاكرة والانتماء والمشاعر الجمعية. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى قراءة تاريخية مسؤولة، لا تقوم على الانتقائية أو إسقاطات الانفعال، بل على فهم المراحل في سياقها الطبيعي، بكل ما لها وما عليها.

تعدد المراحل لا يعني ثبات نموذج واحد

يوضح تاريخ جنوب اليمن أنه لم يعرف كيانًا سياسيًا موحدًا ومستقرًا عبر فترات طويلة. فقبل الاحتلال البريطاني عام 1839، كان يتكوّن من سلطنات ومشيخات محلية متعددة، لكلٍّ منها ظروفها وإدارتها، في ظل غياب سلطة مركزية جامعة، وهو أمر كان شائعًا في تلك المرحلة التاريخية.

ومع الاحتلال البريطاني لعدن، دخل الجنوب مرحلة جديدة، حيث برزت عدن كميناء مهم، بينما استمرت بقية المناطق ضمن كيانات محلية قائمة. ومع مرور الوقت، ساهم هذا الواقع في تنامي الوعي الوطني وظهور حركات سياسية قادت إلى الاستقلال في 30 نوفمبر 1967، لتبدأ بعدها تجربة سياسية جديدة جمعت هذه الكيانات في إطار دولة واحدة حيث تشكّلت دولة جنوب اليمن في إطار مركزي موحّد، واستمرت هذه التجربة من 1967 إلى 1990، أي نحو 23 عامًا. وهي تجربة حقيقية لا يمكن إنكارها، حملت معها طموحات كبيرة في بناء الدولة والمجتمع، لكنها في الوقت نفسه شهدت صراعات داخلية وإخفاقات سياسية واقتصادية، كان لها أثر بالغ على استقرارها واستمراريتها.

الشمال قبل الوحدة… تجربة غير مكتملة بدورها

وفي السياق نفسه، فإن شمال اليمن قبل الوحدة لم يكن نموذجًا مكتملًا للدولة الحديثة. فقد مرّ بتحولات عميقة منذ ثورة 1962، وانتقل من نظام الإمامة إلى النظام الجمهوري، ودخل في صراعات داخلية وحروب أهلية وتدخلات إقليمية، قبل أن يستقر نسبيًا في إطار الدولة الجمهورية. وهي مرحلة، كغيرها، حملت إنجازات وإخفاقات، وعكست ظروفها التاريخية أكثر مما عبّرت عن دولة مستقرة مكتملة الأركان.

الوحدة: أطول المراحل وأكثرها تعقيدًا

مع إعلان الوحدة في 22 مايو 1990، دخل اليمن مرحلة جديدة استمرت قرابة 35 عامًا حتى اليوم، وهي بذلك أطول مرحلة عاشها الجنوب في إطار دولة واحدة.
وقد شاب هذه المرحلة اختلال كبير في الشراكة، وتراكمت فيها مظالم حقيقية، لا سيما بعد حرب 1994، لكن من المهم التمييز بين فكرة الوحدة كإطار وطني جامع، وبين الممارسات السياسية الخاطئة التي رافقتها. فكثير من الأزمات لم تكن نتاج الوحدة بذاتها، بقدر ما كانت نتيجة صراعات نخب، وسوء إدارة، وغياب مشروع وطني عادل.

بين النقد المشروع والانفعال السياسي

إن الاختلاف في الرؤية السياسية، أو في تقييم تجربة الدولة، لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة في الانتماء الوطني، ولا إلى نفي متبادل للانتماء.
فصاحب الضالع ويافع وحضرموت وعدن والمهرة يمني، كما هو حال صاحب تعز والحديدة وصنعاء وحجة والبيضاء ومأرب وغيرها. هذا الانتماء لا يُلغيه الخلاف السياسي، ولا ينبغي أن يُعاد تعريفه تحت وطأة الغضب أو الإحباط.

من حق أي طرف أن ينتقد، وأن يطالب بالإصلاح، وأن يناقش شكل الدولة ومستقبلها، لكن من غير المنصف تحميل مرحلة بعينها كل أخطاء التاريخ، أو تقديم مرحلة أخرى بوصفها نموذجًا خاليًا من الإخفاقات.

خلاصة القول أن دالتاريخ اليمني، شماله وجنوبه، هو تاريخ تجارب متعاقبة لا نماذج مكتملة. وكل مرحلة كانت ابنة ظروفها، بحسناتها وإخفاقاتها.
أما تحويل التاريخ إلى أداة اصطفاف أو وسيلة لتكريس القطيعة، فلن يقدّم حلولًا، بل يوسّع الشروخ.
إن بناء مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا يبدأ من الاعتراف بالتعدد، واحترام الذاكرة، والتمسك بانتماء وطني جامع، يجعل من التاريخ مصدر فهم وحوار، لا وقود خصومة وانقسام.
إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح اليوم لا يتعلّق فقط بشكل الدولة، بل **بنوعها**: هل نريد دولة عادلة تتّسع لجميع أبنائها، أم نعيد إنتاج الأزمات بأسماء مختلفة؟
فالتجارب السابقة، شمالًا وجنوبًا، تؤكد أن المشكلة لم تكن في الجغرافيا، ولا في الاسم، بل في غياب الشراكة العادلة، وسيادة القانون، وبناء مؤسسات تحمي المواطن لا تُقصيه.

إن أي مشروع سياسي للمستقبل، أكان وحدويًا أم فيدراليًا أو غير ذلك، لن ينجح ما لم يُبنَ على الاعتراف المتبادل، واحترام التنوع، والقطع مع منطق الغلبة والإقصاء. فالدولة لا تُقاس بعمرها الزمني، بل بقدرتها على تحقيق العدالة والكرامة لمواطنيها.

ومن هذا المنطلق، فإن استعادة الثقة بين اليمنيين، شمالًا وجنوبًا، تبدأ من خطاب عقلاني مسؤول، يُنصف التاريخ دون تقديسه، وينتقد الواقع دون هدم المشترك، ويضع الإنسان اليمني في صدارة أي معادلة سياسية قادمة.

بهذا وحده، يمكن أن يتحول الخلاف من سبب للانقسام، إلى مدخل لحوار وطني جاد، يُنهي دوامة الصراع، ويؤسس لمستقبل يليق بالجميع.

تعليقات