فيلم وثائقي اليمن اليوم مهنية عالية
محمد الصعر::
وفق خطوات المدرسة الكلاسيكية في كتابة النص، وباحترافية مهنية تجمع بين قوة القلم وفن التكوين البصري، خرجت علينا قناة اليمن اليوم بفيلمها الوثائقي «عصر الدولة».
فيلم متخصص يذكر اليمنيين بأن الاستقرار لا يبدأ بالقوة، بل بالحوار وثقافته؛ وهي الثقافة التي شكلت أساس تأسيس المؤتمر الشعبي العام. ويذكرهم أيضا بأن الأرض تخدم أبناءها حين يجتمعون على كلمة سواء؛ فمن اكتشاف النفط، إلى توظيف موارده في خدمة الشعب، وصولا إلى بناء الطموح السياسي الذي توج بتحقيق الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990.
وأنا أتابع فصول هذا الفيلم، تذكرت الفضائية اليمنية في عز مجدها، حين كانت تقدم التاريخ بما يرضي مختلف اليمنيين، على تنوع مشاربهم السياسية والحزبية، دون تحيز فج أو إقصاء متعمد .. وهذا النوع من العمل لا يستطيع تقديمه سوى الكبار، أمثال الأستاذ خالد عوضه .
استضاف الفيلم الشيخ ناجي بن علي الزايدي، وقصة هذا الرجل لا يعرف تفاصيلها كثيرون. فهو العسكري والشيخ الذي هزم مرشح السلطة في انتخابات المحافظين عام 2008، وصعد إلى كرسي محافظة مأرب بإرادة أعضاء المجالس المحلية.
كان داخل صندوق الاقتراع توتر سياسي واضح، لكن الرئيس علي عبدالله صالح تعامل مع النتيجة بالاحتواء والاعتراف بوزن الرجل، ليقابل ابن مأرب ذلك الموقف في عام 2011 بعبارته الشهيرة:
«بيني وبين علي عبدالله صالح عهد لا يمكن أن أفرط فيه».
ولذلك لا تختلف مكانة ناجي الزايدي في قلوب المؤتمريين، من حيث الوفاء والثبات على العهد، عن مكانة الأمين الراحل عارف عوض الزوكا.
واستضاف الفيلم أيضا الرئيس علي ناصر محمد؛ وهو لم يكن من رجال الرئيس علي عبدالله صالح، لكنه كان من الرجال الذين اعترف صالح بوزنهم ومكانتهم. وكان من القلائل الذين استطاعوا الاختلاف معه دون أن تتحول العلاقة إلى خصومة شخصية أو ثأر سياسي.
كان علي ناصر جسرا بين المؤتمر الشعبي العام والمدرسة الاشتراكية الجنوبية، وتميز بالثبات على مبدأ الدولة والوحدة، كما مثل مدرسة في الندية السياسية الشريفة .. يختلف معك دون أن ينكر تاريخك، وينتقدك دون أن يهدم جسور الود بينكم .
أما الأستاذ نصر طه مصطفى، فقد سمعنا لسنوات طويلة قعقعة قلمه، لكننا ربما سمعنا صوته في هذا الفيلم للمرة الأولى بهذه المساحة والهدوء.
هو نقيب الصحفيين السابق، وعضو اللجنة الدائمة للمؤتمر الشعبي العام، والصديق القريب من الرئيس علي عبدالله صالح .. كان يجلس معه ساعات طويلة أمام رقعة الشطرنج، وبين نقلة وأخرى كانا يلعبان السياسة أيضا تحليلا، ونقدا، واستشرافا للمواقف .
ونصر طه من القلائل الذين يعرفون متى يفتحون الباب، ومتى يغلقونه ويرحلون.
في عام 1999 صاغ كتابا كاملا عن تجربة الرئيس صالح، حمل عنوان «علي عبدالله صالح.. التجربة وآفاق المستقبل»، لكنه في عام 2011 استقال من رئاسة وكالة الأنباء اليمنية سبأ، واختار طريقا سياسيا مختلفا.
ومع ذلك، يظل نصر طه مصطفى خصما شريف .. فالاختلاف السياسي لا يلغي التاريخ، كما أن الرحيل لا يعني بالضرورة إنكار كل ما سبق.
وأتذكر هنا موقفا شخصيا جمعني به أواخر عام 2012 داخل مكتب رئاسة الجمهورية. قلت له بالحرف الواحد:
«كتبت لصالح كتابا، ثم انقلبت عليه».
فأجابني بحنان الأب وخبرة السياسي:
«ستكبر وتتعلم السياسة يا ولدي».
وبعيدا عن تفاصيل المواقف والاختلافات، استطاعت قناة اليمن اليوم أن تجمع نخبة من أبرز الشخصيات التي اقتربت من الرئيس علي عبدالله صالح أو اختلفت معه، وأن تقدم من خلالهم درسا مجانيا لخصوم اليوم.
ذكرتنا كيف كان الكبار يلتقون، وكيف كانوا يختلفون، وكيف يحفظ كل واحد منهم للآخر مكانته وتاريخه وشيئا من الود، مهما اتسعت بينهم مسافات السياسة.
نجحت اليمن اليوم في أن تعيد إلينا روح أفلام الدولة القديمة، دون استعانة بشركات إنتاج خارجية، ودون أدلجة مبتذلة أو تلاعب سياسي فاضح.
وأعتقد أن فيلم «عصر الدولة» سيظل جوهرة خالدة في مكتبة القناة، إلى جانب عشرات الأفلام السابقة التي كان بطلها الأستاذ فيصل الشبيبي الرجل الذي أراه مخزنا لأسرار الرئيس الراحل في سنواته الأخيرة، وأحد أوفى الحافظين للعهد والوعد.
لم يكن «عصر الدولة» فيلماً عن الماضي فقط، بل رسالة إلى الحاضر : أن الدولة لا يصنعها المتشابهون، وإنما يبنيها المختلفون حين يعرفون كيف يتحاورون، وكيف يتنافسون، وكيف يحفظون لبعضهم قدرهم عند الانتصار وعند الرحيل.



