عودة الوطن… قبل فوات الأوان “برؤية وطنية للدولة اليمنية الاتحادية”
أ.د.عبدالوهاب العوج::
لم يعد اليمن بحاجة إلى انتصار طرف على آخر، بل أصبح بحاجة ماسة إلى انتصار الوطن على الجميع، ففي خضم الصراع الحالي الذي أنهك البلاد وأرهق العباد، نحن بحاجة ملحّة إلى عودة اليمن إلى العقل والمنطق، وإلى أن يدرك الجميع، دون استثناء، أن الأوطان لا تُبنى بالتجزئة، ولا تُدار بالمصالح الضيقة، ولا تُحمى بالشعارات الجوفاء، وإنما تُصان حصريًا بالعدالة والشراكة وسيادة القانون.
لقد أرهقت الحرب اليمنيين حتى النخاع، واستنزفت مقدرات الدولة وأحلام أجيالها، ومزقت النسيج الاجتماعي الذي ظل متماسكًا لعقود طويلة، حتى أصبح كل طرف يبحث عن تثبيت نفوذه في جزء من الوطن، متمسكًا بفتات السلطة، بينما يتراجع الوطن بأكمله نحو الهاوية، وما قيمة أن يحكم هذا الطرف مدينة، أو يسيطر ذاك على محافظة، إذا كان اليمن – الكيان والتاريخ والهوية – هو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة العقيمة؟
إن التاريخ لن يخلّد من انتصر في معركة عابرة، بل سيحفظ بأحرف من نور أسماء الذين أنقذوا وطنًا من الضياع. واليوم، ما يزال أمام اليمنيين فرصة حقيقية لصناعة مستقبل مختلف، إذا قدّموا مصلحة الوطن على مصالح الجماعات، وصوت العقل على ضجيج السلاح، ومنطق الدولة على منطق القوة.
أولًا: الوطن ليس غنيمة.. والدولة الاتحادية هي الحل
إن الوطن ليس غنيمة تُقتسم بين المنتصرين، ولا سلطةً يتنافس عليها المتصارعون على حطام الدولة، بل هو هوية جامعة تتسع للجميع، ومستقبل أجيال لم ترتكب ذنبًا يستحق معه هذا الخراب، وأمانة ثقيلة في أعناق الجميع أمام الله والتاريخ. وكل مشروع سياسي لا يضع اليمن أولًا، ولا يجعل المواطن – أي مواطن – محور اهتمامه، هو مشروع محكوم عليه بالفشل الذريع مهما امتلك من القوة والمال والسلاح، لأنه ببساطة يسبح ضد تيار التاريخ وضد إرادة الشعوب.
وهنا تبرز أهمية الدولة الاتحادية كصيغة متطورة للحكم تضمن وحدة اليمن وفي نفس الوقت تستجيب للتنوع والخصوصيات، فالنظام الاتحادي ليس تقسيمًا للوطن كما يروج البعض، بل هو صيغة متقدمة للوحدة الوطنية، توزع السلطات والثروات بعدالة بين المركز والأقاليم، وتمنع الاستبداد والهيمنة، وتحقق التنمية المتوازنة التي تحرمها المركزية المفرطة، ففي الدولة الاتحادية، لا يشعر المواطن في المهرة أنه مهمش لصالح صنعاء، ولا يخشى أبناء تعز أن تذهب مواردهم إلى غيرهم دون مقابل، بل يشارك الجميع في الحكم والثروة وفق دستور عادل وآليات شفافة.
إن النموذج الاتحادي الذي توافق عليه اليمنيون في مؤتمر الحوار الوطني الشامل عام 2013، والذي نص على دولة اتحادية من ستة أقاليم يمكن ان يعاد النظر وبتوافق حول مساحاته الجغرافية ورغبة بعض المناطق الجغرافية من الانضمام الى اقليمة او إضافة منفذ بحري لاقليم آزال مثلا ..الخ وعلى أسس توافقية و تراضي، وبهذا يمثل مخرجًا وطنيًا حقيقيًا من النفق المظلم، ومشروعًا سياسيًا قابلاً للحياة يحمي اليمن من التمزق والتفتيت، ويصون وحدته في إطار من الشراكة الحقيقية والتوزيع العادل للسلطة والثروة، هذا المشروع لم يمت، بل ما زال يمثل الإطار الأكثر واقعية وقبولاً لدى الغالبية الصامتة من اليمنيين الذين يبحثون عن مستقبل آمن ومستقر.
ثانيًا: المواطنة المتساوية.. حجر الزاوية في الدولة الحديثة
إن المواطنة المتساوية ليست مجرد شعار سياسي يُرفع في المناسبات ثم يُطوى مع انتهاء الخطابات الرنانة، بل هي أساس الدولة الحديثة، والضمانة الوحيدة لاستقرارها واستمرارها، إنها المبدأ الذي يجعل كل يمني ويمنية متساوين في الحقوق والواجبات أمام القانون، بغض النظر عن مناطقهم أو أصولهم أو مذاهبهم أو انتماءاتهم السياسية. في دولة المواطنة، لا مكان للتمييز ولا للاستقواء بالعصبيات، بل الجميع سواء في الكرامة الإنسانية والحقوق الدستورية.
الدولة اليمنية الاتحادية القائمة على أسس الشراكة والعدالة وسيادة القانون تمثل الإطار الوحيد القادر على استيعاب التنوع اليمني الغني، وحماية الحقوق الفردية والجماعية، وإنهاء دوامة الصراع المزمن، شريطة أن تخلص النوايا وتتوافر الإرادة الوطنية الصادقة، وبدون مواطنة متساوية، ستظل الدولة الاتحادية هيكلاً فارغًا من المضمون، وستبقى النزاعات متجددة لأن جذورها لم تُعالج.
إن المواطنة تعني أن لا أحد فوق القانون، وأن جميع اليمنيين من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب يمتلكون نفس الحقوق في التعليم والصحة والعمل والمشاركة السياسية، ويتحملون نفس الواجبات في الدفاع عن الوطن وبناء مؤسساته واحترام قوانينه، وهذا هو الطريق الوحيد لبناء دولة حديثة قوية قادرة على الصمود في وجه التحديات الداخلية والخارجية.
ثالثًا: العدالة والإنصاف.. بوابة السلام المستدام
لقد ملّ اليمنيون كل الملل من الخطابات الرنانة عن السيادة، بينما تُنتهك السيادة الفعلية على الأرض، وتُهمّش المواطنة الحقيقية، وتُغيب العدالة عن المشهد، ويُستخدم الوطن المسكين ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات الداخلية والخارجية على حساب الدم اليمني. فلا سيادة حقيقية بلا دولة قوية، ولا دولة بلا مؤسسات فاعلة، ولا مؤسسات بلا عدالة شاملة، ولا عدالة بلا مواطنة متساوية يتساوى فيها الجميع أمام القانون دون تفرقة.
إن العدالة والإنصاف لا تعنيان فقط محاسبة مرتكبي الانتهاكات وجبر ضرر الضحايا، بل تمتدان لتشمل العدالة الاقتصادية في توزيع الموارد وفرص التنمية بين كل المناطق دون تحيز، والعدالة الاجتماعية التي تكفل للمواطنين الكرامة والحياة الحرة الكريمة، والعدالة السياسية التي تضمن المشاركة الحقيقية للجميع في صنع القرار الوطني دون إقصاء أو تهميش، فالعدالة بهذا المفهوم الشامل هي التي تعالج جذور الصراع، وتحقق المصالحة الوطنية الحقيقية، وتبني السلام المستدام الذي لا ينهار عند أول اختبار.
بدون عدالة انتقالية حقيقية تجمع بين المحاسبة والمصالحة، وبدون إنصاف للمظلومين والمهمشين والمتضررين من الحروب المتعاقبة، سيبقى السلام هشًا مؤقتًا، وستبقى جراح الماضي مفتوحة قابلة للانفجار في أية لحظة. فالعدالة والإنصاف ليسا ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لإنقاذ ما تبقى من الوطن.
رابعًا: نحو مشروع وطني جامع لإنقاذ اليمن
إن إنقاذ اليمن يحتاج اليوم إلى مشروع وطني جامع يتجاوز ثنائية “غالب ومغلوب”، ويقوم على رؤية واضحة ومتكاملة أساسها المصالحة الوطنية الشاملة التي لا تستثني أحدًا إلا من اختار الإقصاء، وبناء مؤسسات الدولة الاتحادية على أسس مهنية بعيدًا عن المحاصصات الحزبية و المناطقية او السلالية، وتحقيق العدالة الانتقالية التي تضمن المحاسبة لجبر الضرر وردع المعتدين، وإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس الشفافية والتوزيع العادل للموارد بين الأقاليم، وإصلاح المنظومة التعليمية والإعلامية لترسيخ قيم المواطنة والتسامح ونبذ العنف والكراهية.
وهذا المشروع لن ينجح إلا بإرادة وطنية خالصة تنبع من الداخل، وإدراك عميق أن استمرار الحرب والصراع لا يخدم إلا قوى التطرف والإرهاب والتدخلات الخارجية التي تتغذى على ضعف اليمن وتمزقه وتقاتل أبنائه، فكلما طال أمد الصراع، ازدادت الأطماع الخارجية، وترسخت بؤر الإرهاب، وتعزز الاقتصاد الحربي القائم على نهب الثروات والمتاجرة بمعاناة الناس.
خاتمة: عودة الوطن.. مسؤولية الجميع
إن اليمن أكبر من الجميع، وأبقى من الجميع، وأعظم من كل الأحزاب والفصائل والمشاريع الضيقة، ولن يكون هناك رابح حقيقي في هذه الحرب العبثية إذا خسر الوطن وسقط في مستنقع الفوضى والتقسيم. وما أحوجنا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى عودة الوطن إلى ضمير كل يمني، قبل فوات الأوان، وقبل أن نستفيق على وطن ضائع لا يستطيع أحد استرداده مهما بلغت التضحيات.
فلنعُد جميعًا إلى رشدنا، ولنضع أيدينا في أيدي بعضنا البعض، شمالاً وجنوبًا، شرقًا وغربًا، لنبني معًا الدولة اليمنية الاتحادية الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية والعدالة والإنصاف، دولة يفتخر بها أبناؤنا وأحفادنا، ويأمن فيها كل مواطن على دينه ونفسه وعرضه وماله، وتصان فيها الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية للجميع دون استثناء أو تمييز.
فلنرفع شعارًا واحدًا يجمعنا: اليمن للجميع.. الوطن يتسع للجميع.. والدولة الاتحادية تضمن حقوق الجميع.
عودوا إلى الوطن.. فالوطن في انتظاركم، والتاريخ يراقبكم، والأجيال القادمة ستحاسبكم.
- أكاديمي ومحلل سياسي – جامعة تعز.



