منبر حر لكل اليمنيين

في الذكرى الخامسة لرحيل أخي البروفيسور سيف العسلي… حين يغيب الرجال وتبقى القِيَم

د. علي العسلي

د. علي العسلي

تمرُّ الأعوامُ مسرعةً، كأنها تخشى أن تقف طويلًا أمام الحزن، لكن بعض الذكريات تأبى إلا أن تظلَّ حيّةً؛ لا يبهتها الزمن ولا تُطفئها الأيام.

وفي مثل هذه الأيام من رمضان، يعود الاسم حاضرًا في الضمير قبل الذاكرة:
سيف العسلي…
لا بوصفه أستاذًا أكاديميًا متميزًا ووزيرًا سابقًا للمالية فحسب، بل بوصفه قيمةً أخلاقيةً نادرة، ورمزًا للنزاهة التي اشتاق إليها اليمنيون طويلًا.

خمسُ سنواتٍ مرَّت على رحيله شهيدًا لجائحةٍ خطفت من بيوتٍ كثيرةٍ أحبابها، لكنها لم تستطع أن تنتزع أثره من وجداننا ووجدان الناس.
فبعضُ الرجال لا يرحلون حقًّا؛ يغيب الجسد، لكن تبقى السيرة حيّةً تمشي بين الناس.

كان رحيله موجعًا بقدر ما كانت حياته مُضيئة…
موجعًا لي شخصيًا، إذ حُرمتُ لحظةَ الوداع بسبب انقلاب الحوثي وتشتُّتنا بعيدًا عن صنعاء، بينما بقي هو هناك، رافضًا الخروج، مقارعًا الانقلاب في مدينته الحبيبة.
نعم، كانت حياته مضيئة…
ففي زمنٍ اختلطت فيه المعايير، وقف مستقيمًا كأنما خُلِق ليذكّر الجميع بأن الوظيفة العامة أمانة لا غنيمة، وخدمة لا سلطة.

وحين تولّى وزارة المالية، لم يكن مجرد اسمٍ في سجلّ الحكومات المتعاقبة، بل كان استثناءً رقميًا وأخلاقيًا في آنٍ واحد.
عامُه الوزاري القصير ظلَّ شاهدًا على قدرة النزاهة حين تقترن بالكفاءة:
لم يقتصر الأمر على خفض العجز، بل تحوّل إلى نموٍّ إيجابي، مع ترشيدٍ للإنفاق، وسعيٍ جادٍّ للانتقال من ميزانياتٍ تقديريةٍ تقليدية إلى ميزانياتِ برامجٍ قائمةٍ على المسؤولية.
كانت تلك لحظةً تقول إن الإصلاح ممكن… لو وُجد الرجال.

لم يكن صلبًا أمام الفساد فحسب، بل كان رقيقًا أمام البسطاء؛
قويًا في الحق، متواضعًا في السلوك، شديدًا على الكبار إذا ظلموا، رحيمًا بالضعفاء إذا احتاجوا…
وهذه معادلةٌ لا يجيدها كثيرون.

ولعلَّ أكثر ما يكشف معدن الرجل تلك العبارة التي بقيت شاهدًا عليه:
أنه وزيرٌ لليمن كلّه، لا لمنطقته.
في جملةٍ قصيرةٍ تختصر معنى الدولة… ومعنى الانتماء… ومعنى العدل.

في رمضان تحديدًا تصبح الذكريات أكثر شفافية؛
كأن الأرواح تقترب، وكأن الدعاء يجد طريقه أسرع إلى السماء.
تتجدّد الحسرة، نعم… لكن يتجدّد معها الرجاء أيضًا:
أن يكون من فقدناهم قد وجدوا عند الله ما يليق بصدقهم ونقائهم.

وإذا كان الفقد حزنًا شخصيًا لنا نحن أهله ومحبيه،
فإنه في الوقت نفسه خسارة وطنية؛
لأن الأوطان التي تفقد النماذج النزيهة تحتاج سنواتٍ طويلة لتعويضها… وربما لا تعوّضها أبدًا.

ومع ذلك، يبقى العزاء الحقيقي أن السيرة الطيبة لا تموت.
فكلما تحدّث الناس عن النزاهة حضر اسمه،
وكلما اشتدّ الحنين إلى دولة العدل عاد ذكره.
وهكذا يظلّ بعض الراحلين أحياءً… لأنهم عاشوا للناس لا لأنفسهم.

في هذه الذكرى الخامسة، لا نملك إلا الدعاء:

اللهم في هذا الشهر المبارك، شهر الرحمة والعتق والغفران، أسألك بقلبٍ موجوعٍ لفراق أخيه، وبدمعةٍ معلّقةٍ بين الصبر والحنين، أن تجعل عبدك في عليين، وأن تملأ قبره نورًا وسعةً ورضوانًا.
اللهم إنّا نشهد أنه كان نقيَّ السريرة، صادقَ السعي، محبًّا لوطنه وعبادك، فاجعل صدقه شفيعًا له، ونزاهته رفعةً في درجاته، وخدمته لعبادك نورًا يسبق خطاه إلى الجنة.
اللهم إن رمضان قد أقبل وهو عندك لا بيننا، فاجعل صيامه الدائم في جناتك، وقيامه نورًا في قبره، وذكراه الطيبة صدقةً جاريةً لا تنقطع إلى يوم الدين.
اللهم اربط على قلوبنا لفراقه ربطًا جميلًا، واملأ مكان الحزن يقينًا بلقائك، واجعل اجتماعنا به في مستقرّ رحمتك أعظم عزاء.
اللهم لا تحرمنا أجر الدعاء له، ولا تحرمه فضل دعائنا، واجعل هذه الليالي المباركة بابًا لرحمةٍ تنزل عليه، وسكينةٍ تغمر روحه، ومغفرةٍ تمحو كل تعبٍ مرّ به في دنياه.
اللهم كما جمعتنا به في محبةٍ صادقة، فاجمعنا به في جناتك جمعًا لا فراق بعده، واجعل آخر أحزاننا عليه شوقًا إلى لقائه عندك.

رحمك الله يا أخي الحبيب رحمةً تملأ السماوات والأرض، وجعل رمضانك في الجنة أجمل، ومقامك عنده أعلى، ولقاءنا بك قريبًا في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلا ظله.

اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة،
وأكرم نزله في هذا الشهر الكريم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين،
وألهمنا وأهله ومحبيه الصبر الجميل،
واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته.

آمين يا رب العالمين.

رمضان يمضي… لكن الأمل لا يمضي.
والأوطان، مهما أثقلها الألم، لا بد أن تنهض يومًا برجالٍ يشبهون الذين رحلوا بكرامة.

رحمك الله يا أخي الحبيب…
وجعل ذكراك دعوةً مفتوحةً لأن يبقى في هذا الوطن متّسعٌ للنزاهة… ومتّسعٌ للضوء.

رمضان كريم، وكل عامٍ وأنتم بخير.

تعليقات