لماذا الآن؟ قراءة في الأحداث الأخيرة
أحمد محمد الخالدي::
لم يكن تحرك جماعة الحوثي الأخير على الساحل الغربي لليمن مجرد عملية عسكرية محدودة للسيطرة على المخأ وإنما جاءت في لحظة إقليمية شديدة التعقيد تتقاطع فيها الحرب الأمريكية مع إيران وما وصلت إليه. مع تصاعد الضغوط على أسواق الطاقة، وتردد الرياض في العودة إلى حرب يمنية مفتوحة، إلى جانب حالة الارباك والانقسام داخل معسكر الشرعية.
ومن هذه الزاوية يبدو أن الحوثيين قرأوا اللحظة باعتبارها فرصة مناسبة لإعادة رسم خارطة القوة على الساحل الغربي وباب المندب مستفيدين من انشغال الولايات المتحدة بملف إيران ومن رغبة إدارة ترامب في تجنب فتح جبهة جديدة في فترة حساسة، ومن حالة الجمود التي أصابت جبهات الشرعية ومن قدرة الجماعة على نقل المعركة من الداخل اليمني إلى المصالح السعودية والممرات البحرية الدولية.
انشغال واشنطن.
اختار الحوثيون توقيت تحركهم في وقت تنشغل فيه الولايات المتحدة بصورة مباشرة بالحرب مع إيران وتداعياتها السياسية والاقتصادية. ولم تعد واشنطن أمام أزمة يمنية منفردة وإنما أمام حرب إقليمية واسعة تستنزف قدراتها العسكرية والسياسية وتضغط على أسعار النفط والطاقة في الوقت الذي تقترب فيه انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
وقد أشار الرئيس دونالد ترامب إلى احتمال انتهاء الحرب مع إيران بعد انتخابات التجديد النصفي في محاولة لاسترضاء الناخب الامريكي، فيما ربطت رويترز بين التطورات العسكرية في اليمن وبين انشغال الإدارة الأمريكية بالحرب الإيرانية وارتفاع أسعار الطاقة، وهذا يجعل فتح مواجهة أمريكية جديدة مع الحوثيين خيارًا مكلفًا بالنسبة لواشنطن خصوصًا إذا كانت الإدارة تسعى إلى إنهاء الحرب مع إيران بدل توسيع ساحاتها.
ومن هنا يمكن فهم أحد أبعاد التوقيت الحوثي: الجماعة تتحرك في اللحظة التي تبدو فيها قدرة الولايات المتحدة على تخصيص جهد عسكري وسياسي جديد لليمن محدود أو على الأقل غير راغبة في استخدامه.
باب المندب ..
تكمن أهمية المخا في موقعها وليس في مساحتها أو عدد سكانها فقط فالساحل الغربي يمثل الامتداد الجغرافي الأقرب إلى باب المندب أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
ولهذا فإن السيطرة على المخا والتقدم باتجاه المناطق والجزر القريبة من باب المندب يمنح الحوثيين ورقة استراتيجية تتجاوز حدود الحرب اليمنية.
ففي الوقت الذي تستخدم فيه إيران مضيق هرمز كورقة ضغط على الولايات المتحدة ودول الخليج يستطيع الحوثيون استخدام باب المندب والبحر الأحمر كورقة ضغط مقابلة على السعودية والولايات المتحدة وحركة التجارة العالمية.
وهذه ليست مجرد قراءة يمنية، فقد ربطت رويترز بين تقدم الحوثيين على الساحل وبين اتساع قدرتهم على تهديد طرق التجارة والطاقة معتبرة أن التطورات الجديدة تضع دول الخليج أمام خيارات صعبة في التعامل مع الجماعة.
وبذلك تصبح معركة المخا جزءًا من صراع أوسع على الممرات البحرية ومصادر الطاقة وطرق التجارة الدولية.
الشرعية وفشل الاختبارات
غير أن تقدم الحوثيين لا يمكن تفسيره بقوة الجماعة وحدها. فالمشكلة الأخرى تكمن في حالة المعسكر المناهض للحوثيين الذي يمتلك تشكيلات عسكرية متعددة لكنه لا يعمل دائمًا وفق قيادة عسكرية واحدة أو استراتيجية عملياتية مشتركة.
كان بإمكان الجبهات الممتدة من مأرب إلى تعز والضالع والجوف والساحل الغربي أن تتحول إلى ضغط متزامن على الحوثيين بحيث لا تتمكن الجماعة من تركيز قوتها في اتجاه واحد إلا أن ذلك لم يحدث بالفاعلية المطلوبة.
وبدلًا من أن يؤدي تعدد الجبهات إلى تشتيت الحوثيين بدا أن تعدد مراكز القرار والولاءات أدى إلى إضعاف القدرة على المبادرة.
وهنا تظهر مسؤولية الشرعية بصورة مباشرة إذ إن استمرار إدارة الحرب بمنطق القوى والتشكيلات المنفصلة جعل كل تقدم حوثي يتحول إلى أزمة بالنسبة إلى بقية الجبهات بدل أن يكون مناسبة لإعادة توزيع الضغط العسكري على الحوثيين.
الانسحاب المفاجئ إرباك الساحل الغربي.
وزاد المشهد تعقيدًا الانسحاب المفاجئ الذي نُسب إلى قوات درع الوطن وألوية العمالقة من مواقع المواجهة في مديريات الساحل الغربي.
وبصرف النظر عن تفاصيل القرار وأسبابه فإن توقيته كان كافيًا لإرباك المشهد العسكري إذ وجد حراس الجمهورية والمقاومة الوطنية أنفسهم أمام واقع ميداني مختلف في وقت كانت فيه المواجهة مع الحوثيين تتطلب قدرًا أعلى من التنسيق والتماسك.
وهنا لا تكمن المشكلة في انسحاب قوة عسكرية من موقع محدد بحد ذاته وإنما في أثر الانسحاب على حسابات القوات التي بقيت في الميدان.
فعندما تنسحب تشكيلات من جبهة نشطة بصورة مفاجئة فإن القوات الأخرى تحتاج إلى وقت لإعادة الانتشار وتأمين الفراغات وتعديل خطوط الدفاع، وهذا ما يجعل التوقيت عاملًا مهمًا في تفسير سرعة الارتباك الذي أصاب الساحل الغربي.
فالقوات التابعة لحراس الجمهورية والمقاومة الوطنية وجدت نفسها أمام ضغط عسكري حوثي متزايد في حين لم تكن الصورة السياسية والعسكرية للتحالف المناهض للحوثيين واضحة بما يكفي لتحديد ما إذا كان الانسحاب مؤقتًا أم جزءًا من إعادة انتشار أوسع.
تفوق الحوثيين لا يقوم على السلاح وحده.
استفاد الحوثيون من هذا الارتباك لكنهم لم يعتمدوا عليه وحده.
فالجماعة طورت خلال السنوات الماضية منظومة عسكرية تجمع بين الصواريخ والطائرات المسيرة والاستطلاع والمعلومات الاستخباراتية وأصبحت أكثر قدرة على دمج هذه الوسائل في العمليات البرية.
ووظفت ذلك في الاستهداف المكثف والمتواصل بالصواريخ البالستية والطيران المسير والزوارق المفخخة منذُ ٩ أغسطس.
والأهم أنها تمتلك قيادة مركزية تستطيع اتخاذ قرار الهجوم وتحريك قواتها في اتجاه واحد، بينما يعاني الطرف الآخر من تعدد التشكيلات ومراكز القرار.
وهذا الفارق بين وحدة القرار وتعدد القرار قد يكون أكثر أهمية من الفارق في كمية السلاح نفسها.
الدور السعودي.
لماذا لا تتدخل السعودية بصورة أكبر لوقف هذا التصعيد؟
لا يمكن القول إن السعودية غائبة عن المشهد فقد نفذت ضربات جوية وقدمت دعمًا للقوى المناهضة للحوثيين. لكن اللافت هو درجة الصبر التي تبديها الرياض أمام التصعيد الحوثي المتزايد.
فالهجمات الحوثية لم تعد تقتصر على الحدود أو المواقع العسكرية وإنما وصلت إلى المطارات والمنشآت الاقتصادية والنفطية وخطوط نقل الطاقة داخل المملكة.
رغم ذلك لم تتجه السعودية حتى الآن إلى العودة إلى نمط التدخل العسكري الواسع الذي ميز السنوات الأولى للحرب.
ويمكن تفسير ذلك بأن الرياض تدرك أن الرد العسكري الشامل قد يعيدها إلى دائرة الاستنزاف التي حاولت الخروج منها خلال السنوات الماضية خصوصًا في ظل الحرب مع إيران وما تفرضه من تهديدات مباشرة على الأمن السعودي ومنشآته الحيوية.
لقد أصبح أمام السعودية وضع بالغ الحساسية: كلما صعّدت ضد الحوثيين في اليمن زادت احتمالات توسيع دائرة الرد على أراضيها وكلما امتنعت عن التصعيد، زادت قدرة الحوثيين على استثمار الهدوء للتقدم على الأرض.
وهذه المعادلة هي التي تفسر ربما حالة “الصبر الاستراتيجي” التي تتبعها الرياض في الوقت الراهن.
ووصل الحال وحسب مصادر اخبارية أن الرياض بعثت برسالة إلى طهران عبر باكستان تحمل طهران مسؤولية ما يقدم عليه جماعة الحوثي غير أن طهران ردت بأن لا علاقة لها بالحوثي.
الحوثيون ينقلون الحرب إلى العمق السعودي
ويبدو أن الحوثيين فهموا نقطة الضعف السعودية بصورة جيدة.
فقد وسعوا خلال الأيام الأخيرة نطاق هجماتهم بالصواريخ والطائرات المسيرة لتشمل أهدافًا عسكرية واقتصادية ونفطية داخل المملكة. وأفادت وكالة أسوشيتد برس بتعرض مناطق ومنشآت في جنوب السعودية لهجمات فيما تحدثت رويترز عن آثار مباشرة للتصعيد على منشآت الطاقة ومسارات نقل النفط.
كما أظهرت صور الأقمار الصناعية وفق الغارديان حجم الأضرار التي لحقت بخط الأنابيب السعودي شرق–غرب الذي يمثل مسارًا مهمًا لتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز.
وهنا تتضح الاستراتيجية الحوثية بصورة أكبر: إذا كانت السعودية تستطيع التأثير في المعركة داخل اليمن فإن الحوثيين يريدون أن يجعلوا السعودية تدفع ثمن الحرب داخل أراضيها.
والأهم أنها تمتلك قيادة مركزية تستطيع اتخاذ قرار الهجوم وتحريك قواتها في اتجاه واحد، بينما يعاني الطرف الآخر من تعدد التشكيلات ومراكز القرار.
وهذا الفارق بين وحدة القرار وتعدد القرار قد يكون أكثر أهمية من الفارق في كمية السلاح نفسها.
الأولويات الامريكية.
أما الولايات المتحدة فيبدو أنها تحاول السير في منطقة وسطى.
فهي لا تريد انهيار السعودية أمام التصعيد الحوثي لكنها في الوقت نفسه لا تريد الدخول في حرب مباشرة جديدة مع الحوثيين.
وتزداد أهمية ذلك بعد تسريب البيت الابيض ما أوردته تقارير أمريكية عن اتصالين في يومٍ واحد بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس ترامب طلب خلالها الجانب السعودي دعمًا عسكريًا أمريكيًا مباشرًا في مواجهة الحوثيين بينما لم توافق واشنطن على شن ضربات أمريكية مباشرة.
ووفق ما نقلته رويترز عن تقرير اوكسيوس فإن واشنطن وافقت على تقديم دعم استخباراتي ومعلومات استهداف لكنها لم تتجه إلى التدخل الجوي المباشر.
وهذا يكشف بوضوح حدود الالتزام الأمريكي الحالي: مساعدة السعودية على الدفاع عن مصالحها، من دون تحمل عبء حرب جديدة داخل اليمن.
وتشير تقارير أخرى إلى وجود نحو 200 عسكري أمريكي في السعودية ضمن أدوار مرتبطة بالدعم والتنسيق والمساعدة العسكرية، لكن وجود هؤلاء لا يعني أن واشنطن قررت الدخول في الحرب إلى جانب السعودية؛ فالفرق كبير بين تقديم الدعم العسكري والاستخباراتي وبين تنفيذ حملة جوية أمريكية مباشرة ضد الحوثيين.
طمأنة الحوثيين لترامب
الأكثر إثارة أن ترامب تحدث عن تواصل مع الحوثيين وقال إن الجماعة أبلغت الولايات المتحدة بأنها لا تريد مواجهة الأمريكيين.
وهذا ما يدعي لتساؤل حول وجود اتفاق أو تفاهم استراتيجي بين واشنطن والحوثيين؟ ومجرد وجود اتصالات ورسائل متبادلة في ظل هذه التطورات يطرح سؤالًا مهمًا حول طبيعة الحسابات الأمريكية؟
فواشنطن قد تكون مهتمة بإبقاء الحوثيين خارج دائرة المواجهة المباشرة، بينما يريد الحوثيون بدورهم تجنب فتح حرب مع الولايات المتحدة في الوقت الذي يحاولون فيه تحقيق مكاسب داخل اليمن والضغط على السعودية.
وهذا يخلق مساحة من تجنب الصدام المباشر حتى وإن لم يكن هناك تحالف أو اتفاق بين الطرفين.
عُمان ساعي البريد
في خضم هذا التصعيد تبرز سلطنة عُمان مجددًا بوصفها قناة الاتصال الأكثر أهمية مع الحوثيين.
فمسقط تحتفظ بعلاقات واتصالات مع مختلف أطراف الأزمة وتملك قدرة على نقل الرسائل بين الحوثيين والسعودية والولايات المتحدة.
كما أن التواصل السعودي–العماني يكتسب أهمية إضافية في هذه المرحلة خصوصًا مع انتقال الحرب من الساحة اليمنية إلى أمن الخليج والبحر الأحمر والطاقة.
ومع اتساع دائرة الصراع الإيراني–الأمريكي، تصبح مسقط إحدى القنوات القليلة القادرة على اختبار إمكانات التهدئة قبل أن تتحول التطورات اليمنية إلى جزء دائم من حرب إقليمية أوسع.
المعركة الحقيقية تجاوز اليمن
ما يحدث الآن في اليمن لم يعد مجرد محاولة حوثية لتوسيع مناطق السيطرة.
هناك ثلاثة مسارات تتحرك في وقت واحد:
الأول: مسار عسكري داخل اليمن عنوانه السيطرة على الساحل الغربي وفتح الطريق نحو باب المندب.
الثاني: مسار استنزاف وخنق للسعودية من خلال استهداف المطارات والمنشآت العسكرية والاقتصادية والنفطية.
الثالث: مسار إقليمي يجعل اليمن جزءًا من المواجهة الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما.
ولهذا فإن الحوثيين ربما لا ينظرون إلى المخا باعتبارها نهاية العملية وإنما باعتبارها مدخل يمكنها من الدخول إلى جانب إيران ولبنان في الموقع التفاوضي الجديد.
الخلاصة
للشامتين والمشككين في طارق صالح وقوات المقاومة الوطنية، لكم أن تتخيلوا حجم الجهد والوقت والتفاني الذي بُذله في بناء مكانته وتشكيل الوحدات وتدريبها والبقاء إلى جانبها في الميدان طوال ثماني سنوات وهي القوات التي خاضت مع الحوثي معارك عنيفة ومتواصلة أعاقت تقدمه وقطعت خطوط إمداداته.
وفي الوقت نفسه كُرّس الرجُل جهد كبير لإعادة بناء مديريات الساحل الغربي المدمرة كليًا جراء الجولات السابقة والمحرومة من الخدمات، فأنشأ المطارات والمدارس والمستشفيات والكهرباء والطرق وإعادة ميناء المخا إلى الحياة حتى استعادت المنطقة جزءًا من مكانتها.
فهل يُعقل أن من بذل كل ذلك وهو يعرف أن حياته قد تكون ثمنًا لما يفعل كان ينتظر لحظة يقول فيها للحوثي: تعال ودمر كل ما بنيته؟
من ثم يظهر بعد يومين إلى جانب قيادات سعودية رفيعة؟
فلو كانت الخيانة أو التقاعس المتعمد هي الحقيقة فهل كان سيُستقبل بهذه الصورة؟
مالكم كيف تحكمون ؟!!!!
أنا هنا لا ادافع عن الرجل بقدر ما أريد استيضاح الحقيقة والتفكير خارج الصندوق الذي تعودت عليه الكثير من الأطراف الداخلية والنظر للحدث بشكل أوسع وما تتناوله كُبريات الوسائل الإعلامية الغربية التي تتناول الأحداث بشكل استراتيجي أعمق ويتُعمد تسريب الأخبار لها من مصادر القرارات العالمية.


