مقالات وأراء

ترامب والحوثيون.. صفقة الممرات أم معركة النفوذ في باب المندب؟

أ.د.عبدالوهاب العوج أكاديمي ومحلل سياسي يمني

تكشف التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مليشيات الحوثي عن تحوّل مهم في طريقة تعاطي واشنطن مع الملف اليمني، وتفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز حدود الحرب اليمنية إلى مستقبل أمن البحر الأحمر وباب المندب ومصالح القوى الإقليمية والدولية.

فترامب يقول إن الحوثيين تواصلوا مع الإدارة الأمريكية وأبلغوها أنهم لا يريدون مواجهة الولايات المتحدة، وإنهم يسمحون بمرور معظم السفن، باستثناء سفن تابعة لدولة محددة (و المقصود هنا هي المملكة العربية السعودية)، وفي الوقت نفسه، ترفض واشنطن حتى الآن الانخراط عسكرياً بشكل مباشراً في مواجهة الحوثيين، رغم الضغوط السعودية من أجل تحرك أمريكي ضدهم.

هذه التصريحات لا تعني أن الولايات المتحدة أصبحت متحالفة مع الحوثيين، لكنها تكشف عن طبيعة السياسة الترامبية القائمة على الحسابات والصفقات.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة لليمن: ماذا تعني هذه التصريحات عملياً على الأرض؟

تعني ثلاثة أمور ملموسة:

أولاً عسكرياً: تجميد أي دعم أمريكي مباشر لعمليات استعادة الساحل الغربي، مما يُطيل سيطرة الحوثيين على المواقع المشرفة على باب المندب، ويمنحهم وقتاً لترسيخ وجودهم العسكري في المخا وميون ما لم تحرك الشرعية اليمنية كل الجبهات في معركة فاصلة لاستعادة العاصمة صنعاء ومحافظات هامة كا تعز والحديدة وحجة والبيضاء وكامل الساحل الغربي إلى الحدود اليمنية السعودية.

ثانياً سياسياً: التعامل مع الحوثيين كـ”أمر واقع” يُضعف موقف الحكومة اليمنية الشرعية في أي مفاوضات قادمة وعدم كسرهم عسكريا، ويُشجع أطرافاً إقليمية على التعامل معهم كسلطة أمر واقع لا كجماعة متمردة عليها قرارات دولية تحت الفصل السابع واهمها القرار٢٢١٦.

ثالثاً اقتصادياً: استمرار تعطيل تصدير النفط اليمني وتهديد الملاحة يُعمّق الأزمة الإنسانية والمالية، ويُفقد الدولة اليمنية أهم مواردها السيادية.

فقد سبق لترامب أن صنف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، ثم شن حملة عسكرية على مواقعهم عام 2025م تحت عنوان حماية الملاحة الدولية، لكنه أنهى تلك الحملة لاحقاً قبل ان يتم القضاء عليهم بدعم القوات الحكومية للسيطرة بريا وبعد تفاهم مع مليشيات إرهابية بوساطة عُمانية؛ ومن هنا يمكن فهم التصريحات الحالية: واشنطن لا تريد بالضرورة القضاء على الحوثيين عسكرياً في كل الظروف، وإنما تريد منعهم من تجاوز الخطوط التي تمس المصالح الأمريكية المباشرة لكي تبتز دول الخليج العربي وعلى رأسها السعودية.

وهذا يضعنا أمام سؤال جوهري: هل أصبح باب المندب بالنسبة إلى واشنطن مجرد ممر يجب أن يبقى مفتوحاً، أم أنه جزء من صراع أوسع على الممرات والطاقة والنفوذ العالمي وضمن سياسة محاصرة الصين اقتصاديا؟

الولايات المتحدة لم تعد تعتمد على نفط الخليج لتأمين احتياجاتها، لكنها لا تستطيع تجاهل النفط الخليجي ولا طرق تصديره، لأن أمن الطاقة العالمي وأسعار النفط وسلاسل الإمداد تؤثر مباشرة في الاقتصاد الأمريكي وفي قدرة الولايات المتحدة على منافسة الصين. ومن هنا تأتي أهمية مضيقي هرمز وباب المندب وقناة السويس. فهذه الممرات ليست مجرد طرق بحرية، وإنما شرايين للاقتصاد العالمي. ومن يملك القدرة على تعطيلها يمتلك ورقة ضغط استراتيجية.

وإذا اجتمعت قدرة إيران على تهديد هرمز مع قدرة الحوثيين على تهديد باب المندب، فإن المنطقة أمام معادلة استراتيجية خطيرة تسمح لطهران بالضغط على ممرين بالغي الأهمية في وقت واحد.

من التهديد إلى الخنق: كيف تمسك المليشيات بشريان الاقتصاد السعودي والعالمي؟

لم تعد تصريحات ترامب حول “عدم رغبة الحوثيين في المواجهة” تعكس سوى جزء من الصورة. ففي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن تفاهمات، كانت المليشيات الحوثية تنجز أكبر تحول ميداني في الحرب اليمنية، بسيطرتها على المواقع والجزر المشرفة مباشرة على مضيق باب المندب، بما في ذلك جزيرة ميون الاستراتيجية. هذا الانتشار لم يعد يسمح بهجمات عابرة، بل بتحكم مباشر في أحد أهم شرايين التجارة العالمية، الذي يمر عبره 12% من التجارة البحرية.

وتجلّى هذا التحول فوراً على الأرض: انخفض عدد السفن العابرة للمضيق بشكل حاد، وتقدر شركات التأمين ارتفاع أقساط مخاطر الحرب بنسبة تصل إلى 300%، مما يدفع سفن الشحن إلى الالتفاف حول أفريقيا، مضيفة 10-14 يوماً على الرحلات ورفع كلفة الشحن عالمياً.

لكن الضربة الأكثر إيلاماً كانت للسعودية، فمع إغلاق إيران لمضيق هرمز، أصبح خط أنابيب “شرق-غرب” وميناء ينبع على البحر الأحمر هما المنفذ شبه الوحيد لنفط المملكة، بطاقة تصدير تصل إلى 5 ملايين برميل يومياً، وهنا جاء الرد الحوثي مزدوجاً: إعلان حصار بحري واستهداف ناقلات النفط أمام ميناء ينبع، ثم استهداف خط الأنابيب نفسه بطائرات مسيرة يقال انها انطلقت من العراق، مما دفع الرياض إلى إيقافه احترازياً.

إن ما يحدث ليس مجرد تهديد للملاحة، بل هو محاولة لخنق الاقتصاد السعودي من منفذه الوحيد الآمن، وتحويل باب المندب إلى أداة ضغط إيرانية مباشرة على قرار الرياض. وفي ظل هذا المشهد، يبدو الحديث عن “تفاهمات” مع الحوثيين وكأنه غطاء سياسي لترسيخ أمر واقع جديد على الأرض.

وهنا تظهر الفجوة بين المصلحة الأمريكية والمصلحة اليمنية، فالولايات المتحدة قد تكتفي بضمان استمرار حركة السفن، بينما مصلحة اليمن تقتضي استعادة سيادة الدولة الكاملة على أراضيها وسواحلها وموانئها و مضيق باب المندب من المليشيات.

كما أن الحديث عن وجود مشروع أمريكي متكامل لتسليم باب المندب لإيران يحتاج إلى أدلة واضحة رغم وجود بعض التقارير والتحليلات الدالة على هذا الامر، فالمشهد أكثر تعقيداً، فالسعودية، والولايات المتحدة، وإيران، والصين، تتقاطع مصالحها أحياناً وتتصادم أحياناً أخرى، والصين ليست بالضرورة وكيلاً لإيران، كما أنها ليست بديلاً أخلاقياً عن الولايات المتحدة، فهي قوة كبرى تتحرك وفق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

وهكذا فإن الصراع الحقيقي ليس بين قوى “خيرة” وأخرى “شريرة”، وإنما بين مشاريع ومصالح ونفوذ، وفي مقدمتها الصراع الأمريكي الصيني على الاقتصاد العالمي والممرات وسلاسل الإمداد، والصراع الإيراني على النفوذ الإقليمي، والصراع العربي من أجل حماية الأمن والسيادة والاستقرار.

والمأزق العربي هنا واضح: إذا غاب المشروع العربي المستقل، تتحول المنطقة إلى ساحة تتنافس عليها القوى الكبرى. ويصبح النفط والموانئ والممرات أوراقاً تستخدمها القوى الخارجية، بدلاً من أن تكون مصادر قوة عربية.

لكن المطلوب ليس مجرد التشخيص، بل خطوات عملية:

أولاً أمنياً: إنشاء قوة بحرية عربية مشتركة لحماية باب المندب وهرمز، لا تعتمد كلياً على الأسطول الخامس الأمريكي، وتضم مصر والسعودية واليمن وغيرها من الدول المطلة على البحر الأحمر.

ثانياً اقتصادياً: إنشاء صندوق عربي لإعادة إعمار اليمن، مشروط باستعادة الدولة اليمنية سيادتها على الساحل الغربي والموانئ والممرات.

ثالثاً دبلوماسياً: تفاوض جماعي عربي-إسلامي مع القوى الكبرى حول أمن الممرات، بدلاً من التفاوض الفردي الذي يُضعف الموقف.

رابعاً يمنياً: دعم الحكومة الشرعية لاستعادة المخا وميون والساحل الغربي وتطهيره بالكامل من سيطرة المليشيات الحوثية ذراع إيران الخبيثة، كشرط لأي ترتيب إقليمي أو دولي.

وفي الحالة اليمنية تحديداً، فإن أخطر خطأ هو السماح بتحويل باب المندب إلى ورقة تفاوض دولية خارج إطار الدولة اليمنية، فاليمن الذي يمتلك أطول شريط ساحلي على البحر الأحمر، ويشرف على باب المندب، لا يجوز أن يتحول إلى مجرد ساحة تتفاوض القوى الدولية على أمنها فوق أرضه، بينما تظل الدولة اليمنية عاجزة عن فرض سيادتها.

ومن هنا فإن إعادة ترتيب القوات الحكومية واستعادة المبادرة العسكرية، واستعادة المخا والشريط الساحلي ومواقع الإشراف على باب المندب، وتحرير جزيرة ميون، ليست أهدافاً يمنية داخلية فحسب، بل ضرورة للأمن القومي اليمني والعربي وأمن الملاحة الدولية. فكلما ابتعدت مليشيات الحوثي عن الساحل، تراجعت قدرتها على استخدام باب المندب كورقة ابتزاز، وكلما استعادت الدولة اليمنية سيادتها، أصبحت حماية الملاحة مسؤولية دولة معترف بها، لا مسؤولية مليشيا مرتبطة بمشروع إيراني.

وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة: حماية باب المندب لا تتحقق بإدارة التهديد الحوثي، وإنما بإزالة أسباب التهديد وإعادة الساحل والموانئ إلى سلطة الدولة اليمنية الشرعية.

أما تصريحات ترامب الأخيرة، فينبغي قراءتها باعتبارها انعكاساً لسياسة أمريكية براغماتية تحاول الفصل بين ما هو ضروري للأمن الأمريكي وما هو مطلوب لإنهاء الحرب اليمنية، وهذا يفرض على اليمنيين و السعودية و العرب بشكل عام ألا ينتظروا أن تتطابق المصالح الأمريكية دائماً مع مصالحهم.

فالولايات المتحدة ستتصرف وفق مصالحها، والصين وفق مصالحها، وإيران وفق مشروعها، وإسرائيل وفق أمنها، والسؤال: أين المشروع اليمني والعربي الذي يحمي المصالح اليمنية والعربية؟

إن المعركة على باب المندب ليست معركة على ممر مائي فحسب، وإنما معركة على السيادة والنفوذ والطاقة والتجارة ومستقبل المنطقة، ومن يسيطر على الساحل يستطيع التأثير في البحر، ومن يملك البحر يمتلك ورقة في الاقتصاد والسياسة، ومن يفقد سيادته على ممراته الاستراتيجية يصبح رهينة لمصالح الآخرين.

فهل يستطيع اليمن والعرب أن يتحولوا من ساحة للصراع إلى طرف فاعل في صناعة معادلة الأمن الإقليمي والدولي؟

وإذا كان الجواب هو بناء القوة والقرار والمؤسسات والاقتصاد والتحالفات المتوازنة، فإن النفط والموانئ والممرات لن تكون مصادر للتهديد، بل أدوات سيادة ونفوذ.

محمد عبده

About Author

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *