الخسارة الفادحة ورسائل نجل الرئيس صالح الأخيرة
محمد عبده الشجاع::
حين تُقرأ رسائل النقد على أنها إشارات كيدية من قبل المعنيين والمحيطين باصحاب القرار، تكون النتيجة كارثية كما حدث مع قوات المقاومة وظهور فجوة شاسعة بينها وبين بقية القوى الموجودة على الأرض من جهة ومركز القرار من جهة أخرى وتغييب الحاضنة الحقيقية للمشروع الوطني المنشود والجامع.
ما سنورده في السطور التالية ليس تلميعًا لشخص السفير ولا تجريحا بحق الرئاسة أو تقليلا من أحد، فقط مجرد التفاتة لتقييم ما حدث وتلافي ما يتم إغفاله حتى اللحظة الراهنة من قبل من يعول عليهم الشعب، رسم سياسة استعادة الدولة وتفكيك مخطط المليشيا.

الحديث عن خطاب السفير أحمد علي عبدالله صالح الذي جاء في الذكرى الـ44 لتأسيس المؤتمر الشعبي، والذي جاء حاملاً رسائل سياسية واضحة، أبرزها دعوته مجلس القيادة الرئاسي والحكومة العودة إلى الداخل، وتوحيد القرار والموارد، والانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل، وتوحيد القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية المناهضة للحوثيين.
وقد أثارت بعض هذه الرسائل التي تحدثت بواقعية محضة، ولا سيما ما اعتُبر انتقاداً لأداء الشرعية، ردود فعل متباينة، ووصل الأمر لدى بعض الأصوات إلى اعتبار الخطاب استهدافاً للشرعية وتقليلا من مكانتها وجهودها.
غير أن التطورات العسكرية التي أعقبت الخطاب أعادت وضع تلك الرسائل في سياقها الوطني الصحيح. فقد شهدت الجبهات تصعيداً واسعاً، وتمكن الحوثيون من تحقيق تقدم سريع في الساحل الغربي، والسيطرة على المخا ومواقع وجزر استراتيجية، وصولاً إلى ذوباب وجزيرة ميون وباب المندب، بما أحدث تحولاً خطيراً في المعادلة العسكرية والجيوسياسية لليمن.
هنا تبرز أهمية ما قاله الرجل: فالتحذير من الانقسام وضعف التنسيق، وتعدد مراكز القرار، وعدم توحيد القوى المناهضة للحوثيين، لم يكن تجريحاً بالشرعية بقدر ما كان تنبيهاً إلى مواطن ضعف يمكن أن يدفع الوطن ثمنها غالياً.
وقد أثبتت الأحداث، خلال فترة قصيرة، أن الخلافات داخل معسكر الشرعية والقوى المناهضة للحوثي ليست مجرد خلافات سياسية قابلة للتأجيل؛ إذ يمكن أن تتحول، في ظروف الحرب، إلى ثغرات استراتيجية يستفيد منها الخصم. وما حدث في الساحل الغربي وباب المندب يقدم مثالاً بالغ الخطورة على ذلك.

ربما أغضب خطاب أحمد علي بعض الأطراف لأنه كان صريحاً في تشخيص مكامن الخلل، لكن التطورات الأخيرة تجعل من الصعب النظر إلى تلك الرسائل باعتبارها مجرد انتقادات سياسية. لقد كان جوهرها الدعوة إلى توحيد الصف، وتصحيح الأداء، وتعزيز حضور الدولة، وتوحيد القرار الوطني قبل أن يدفع اليمن ثمناً أكبر للانقسام.
فالنقد كان يستهدف تصحيح الخلل من وقت مبكر، خاصة أن هذه الدعوة لم تكن الأولى فقد تم تكرارها أكثر من مرة من منطلق الحرص على توحيد الصفوف، ونتعلم أن النقد الوطني المبكر قد يكون أكثر فائدة من المديح المتأخر بعد وقوع الخسارة.
باختصار علينا أن نقطع الطريق أمام كوارث متلاحقة من خلال قرارات مصيرية بترتيب ما تبق من أوراق سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وهي أوراق لا يمكن التقليل منها ولا من أهميتها لأنها ستكون مصدر استعادة الدولة وترميم الاختلالات التي أصابت مركزية القرار والإرادة.
