مقالات وأراء

المعادلة اليمنية تتغير.. من المبادأة إلى المفاجأة

د. إبراهيم الأهدل::

تبدو اليمن اليوم وكأنها تقف على عتبة تحوّل لا يشبه ما سبقه. فالمليشيات التي اعتادت طوال سنوات أن تختار متى تبدأ المعركة وأين تبدأ وكيف تفرض إيقاعها، تواجه هذه المرة مشهدًا مختلفًا: جبهات تتحرك، وقوات تتقدم، ومبادرة تتشكل خارج الإيقاع الذي فرضه الحوثيون طويلًا. ولأن ميزان المواجهة يرتبط بمن يملك زمام المبادرة، فإن السؤال لم يعد فقط: من بدأ الجولة؟ بل: هل بدأت الدولة (الشرعية) تستعيد قدرتها على المبادأة وصناعة المفاجأة؟

وما يعزز هذا التحول أن المشهد لم يعد محصورًا في جبهة واحدة؛ فالجبهات المتعددة يمكن أن تتحول، إذا تحركت ضمن قرار عسكري وسياسي موحد، إلى معركة وطنية شاملة. وما يجري في غرب تعز وجنوب الحديدة والجوف والبيضاء وغيرها من مدن اليمن ينبغي أن يُقرأ باعتباره بداية لاستعادة المبادرة، لا مجرد استعادة مواقع. فالمعنى الأهم ليس في مساحة الأرض التي تتغير، وإنما في انتقال زمام الفعل من يد المليشيات إلى يد الدولة.

والأهم أن هذا التحرك يجد ارتياحًا شعبيًا كبيرًا؛ فاليمنيون سئموا سنوات الانتظار، ويريدون رؤية دولتهم تتحرك بثقة، وتستعيد أراضيها ومؤسساتها، وتفرض الاستقرار، وتعيد الحياة الطبيعية. وفي المقابل، لا يملك الحوثيون حاضنة شعبية حقيقية تمنح سيطرتهم شرعية؛ فالمليشيا تفرض وجودها بالقوة والبطش والتنكيل، وهو ما قد يولّد صمتًا عنها لا قبولًا بها، بينما يتطلع اليمنيون إلى دولة تُحكم بالنظام والقانون، وقيادة يرتضونها وتحافظ على كرامتهم.

ومن هنا، نوجّه تحية تقدير لتكاتف القوات المسلحة الباسلة وتوحّدها؛ وعلى رأسها المقاومة الوطنية، والألوية التهامية، وألوية العمالقة، ودرع الوطن، وباقي القوات العسكرية التي تلتقي اليوم على هدف وطني واحد. فهذا التكاتف يؤكد أن تعدد التشكيلات لا يعني تعدد الأهداف، وأن القوة اليمنية تصبح أكثر تأثيرًا حين تتوحد إرادتها ووجهتها. والمطلوب أن تتكامل الجبهات والقوات والقرارات تحت هدف واضح يتمثل في استعادة الدولة وإنهاء سلطة الانقلاب.

وحين تتوحد القوة حول هدف استعادة الدولة، يصبح من المشروع أيضًا إعادة طرح السؤال الذي ظل مؤجلًا طوال سنوات الحرب: هل ما زال الحل السياسي وحده قادرًا على إنهاء الانقلاب؟

لقد دفع اليمنيون ثمنًا باهظًا طوال أكثر من عقد، وخسروا دولة واقتصادًا وأمنًا واستقرارًا، بينما ظل أصل المشكلة قائمًا. وإذا كانت الحلول السياسية قد عجزت طوال هذه السنوات عن إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، أفلا يكون من حق اليمنيين أن يمنحوا الحسم العسكري المدروس فرصته؟

المسألة ليست عشقًا للحرب ولا استسهالًا لتكاليفها، وإنما البحث عن نهاية حقيقية للحرب. فقد تكون كلفة الحسم، مهما بلغت، أقل من كلفة إبقاء اليمن رهينة حرب مفتوحة أو هدنة هشة لعقد آخر. وما يدفعه اليمن اليوم من أثمان مستمرة ليس ثمنًا للمعركة وحدها، بل ثمن غياب الدولة واستمرار الانقلاب وتعطيل مستقبل بلد بأكمله.

وفي هذا السياق، فإن تعدد الجبهات لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه تشتتًا، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة إذا ارتبط برؤية واحدة وقرار سياسي وعسكري منسق؛ بحيث يصبح كل تقدم في جبهة جزءًا من ضغط متراكم على سلطة الانقلاب، لا حركة منفصلة عن استراتيجية وطنية واحدة.

ومع اتساع التحرك العسكري لصالح الشرعية، للأسف، بدأ المبعوث الأممي هانس غروندبرغ يبدي قلقه، ويدعو إلى وقف المواجهات؛ وهو القلق الذي لم يكن حاضرًا حين كانت المبادأة الحوثية هي التي تفرض إيقاعها على المشهد. لكن الرد اليمني يجب أن يكون واضحًا: المبعوث الأممي صاحب مهمة، لا صاحب قرار؛ ووسيط، لا وصيّ على اليمن.

وهنا يستحضر الموقف السوداني نفسه دلالة لا تخطئها العين. ففي عام ٢٠٢٢، وجّه رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان رسالة شديدة اللهجة إلى المبعوث الأممي فولكر بيرتس، قائلًا بوضوح: «إذا تجاوزت التفويض فسنخرجك خارج السودان». قد تبدو العبارة صادمة في حدتها، لكنها تضع قاعدة واضحة: المبعوث الدولي يعمل بتفويض، ولا يحل محل الدولة في تقرير مصيرها.

والسلام مرحب به، لكن لا يجوز أن يتحول التفويض الأممي إلى قيد على حق الدولة في استعادة أراضيها وإنهاء الانقلاب، ولا أن يصبح القلق الدولي من التصعيد ذريعة لإيقاف معركة استعادة الدولة قبل أن تحقق أهدافها. ومن هنا تقع على مجلس القيادة الرئاسي مسؤولية حماية القرار الوطني وتحويل الزخم العسكري والشعبي إلى مسار واضح لاستعادة الدولة. ونحن على ثقة بأن مصلحة اليمن وإرادة شعبه ستظل وحدها بوصلة القرار.

فالمعركة اليوم لم تعد مجرد رد على هجمات الحوثيين، بل أصبحت فرصة لتغيير اتجاه المواجهة نفسها. وحين تنتقل المبادرة من يد المليشيا إلى يد الدولة، تتحول الدولة من طرف يرد على الأحداث إلى طرف يصنعها، ومن متلقٍ للمبادرات إلى صاحب مبادرة وقرار.

وهنا تكمن المفاجأة الحقيقية: أن يجد الحوثيون أنفسهم أمام دولة تستعيد زمام المبادرة، وشعب يقف خلف قيادته لاستعادة دولته، وقوة عسكرية ضاربة تتجه نحو هدف وطني واحد. وهنا بالضبط تُولد المعادلة اليمنية الجديدة: من المبادأة الحوثية… إلى مفاجأة الدولة التي ستعيد رسم المشهد.

٨ سبتمبر ٢٠٢٦

محمد عبده

About Author

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *