مظلومية إتهام الشمال بظلم الجنوب.. سلسلة أحداث ووقائع شكلت مرحلة صراع طويلة
مطهر تقي
مطهر تقي::
عجيب أمر السياسة والسياسيين في المحافظات الجنوبية لبلادنا اليمن، فهم يجيدون بشكل محترف، حتى الصراخ، الادعاء بظلم الشماليين لهم، حتى صارت كذبة عدالة، القضية الجنوبية متداولة على ألسنة السياسيين منذ سنين ولا نعرف من ظلم من؟ حتى وأنا أقرأ ما خرج به مؤتمر الحوار الوطني تحت بند عدالة القضية الجنوبية، لم أجد إلا شكاء وبكاء لا رأس له ولا ذنب، وكأن أحزاب اللقاء المشترك ومعهم فصيل من الانفصاليين و المناطقيين وحتى من يدعى أنهم وحدويون أثناء المؤتمر قد سيطروا على صالات الحوار في فندق موفنبيك لينتقموا سياسيا من خصومهم وتحملهم أخطاء ما اقترفته أيديهم في حق أبناء الجنوب.
دعونا نعيد قراءة الأحداث التي مر بها شعبنا اليمني منذ ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 بتمعن وصدق:
1- في عام 1963 اندلعت ثورة 14 أكتوبر فاحتضنت صنعاء قيادات العمل السياسي في الجنوب وزودتها بكل أشكال الدعم السياسي والعسكري وكانت محافظة تعز هي المنطلق للسلاح والمؤن والرجال لإشعال الثورة في الجنوب.
2- في عام 1967 اعترفت حكومة الشمال باستقلال الجنوب اللذين لم يعلنوا انضمامهم إلى حكومة الشمال فالانفصاليين كان لهم الغلبة في اتخاذ القرار حتى عبدالفتاح إسماعيل السياسي الوحدوي الذي وعد القاضي الإرياني في القاهرة أنه بعد حصول الجنوب على الاستقلال سيعلن التحامه مع الشمال لبناء دولة واحدة (كما ذكر ذلك القاضي عبدالرحمن الإرياني في مذكراته) لم يوفي بالوعد وبدلا من ذلك قامت قيادة الجبهة القومية بالقضاء عسكريا على قيادة جبهة التحرير في عدن فتوجهت قياداتها ومن نجى من أعضائها من القتل والأسر بالهروب إلى الشمال فكانت اول هجره من الجنوب تهرب إلى الشمال وأول دماء بين رفاق التحرير تسال في الجنوب.
3- بعد تولي الرئيس قحطان الشعبي الرئاسة تم الانقلاب عليه في يونيو من عام 1969و تم إيداعه السجن حتى مات وتم بعد ذلك اعتقال المئات من مؤيديه في حركة سياسية سميت بالحركة التصحيحية اليسارية وتم هروب من نجى من أتباع قحطان الشعبي إلى الشمال ليكونوا الهجرة الثانية الي الشمال وفي مقدمتهم ولده نجيب قحطان الشعبي ثم بعد إعلان التأميمات الخاصة في المحافظات الجنوبية فر إلى الشمال من استطاع من أصحاب رؤوس الأموال الهروب بأموالهم أو من الذين نجوا بأنفسهم بعد تأميم أموالهم وأراضيهم وحتى دكاكينهم ليشكلوا الهجرة الثالثة.
4- بعد تولي سالم ربيع علي السلطة وتحول الجنوب رسميا للنهج الاشتراكي الماركسي قام الحزب الاشتراكي بمهاجمة الشمال عسكريا عام 1972 لجملة أهداف منها فرض الوحدة بالقوة حتى تم إعدام سالم ربيع علي عام 1978م (بعد قتل الحزب الاشتراكي الرئيس الشمالي أحمد الغشمي) وتم كذلك إعدام واعتقال المئات من أنصار سالمين وهروب من نجى منهم إلى الشمال لينظموا إلي من سبقهم من إخوتنا الجنوبيين.
5- تولى السلطة بعد قتل سالمين عبدالفتاح إسماعيل وقامت القوات الجنوبية عام 1979م بمهاجمة الشمال عسكريا من جديد وكذلك إرسال السلاح والألغام إلى المناطق الوسطى(قبل الحرب) بهدف إسقاط النظام في صنعاء حتى تم إزاحة عبدالفتاح إلى موسكو عام 1980م وتولي علي ناصر محمد السلطة.
6- بعد صراعات سياسية شديده بين رفاق الحزب الاشتراكي اندلعت أحداث يناير الدموية عام 1986م التي قتلت أكثر من عشرة ألف شخص خلال 11 يوما وبالهوية الشخصية مما اضطر الآلاف من أنصار الرئيس علي ناصر محمد وهو في المقدمة ومعه قياداته ومن ضمنهم عبدربه منصور هادي ليشكلوا الهجرة السادسة الي الشمال التي كانت أكثر الهجرات عددا وتنوع… وتم قتل عبدالفتاح إسماعيل في ظروف غامضه وقيل أن وراء مقتله أمين عام الحزب الجديد علي سالم البيض.
7- بعد انهيار الإتحاد السوفييتي وانقطاع الدعم المالي و العسكري عن حكومة عدن وانهيار الجنوب اقتصاديا رأى الوحدويون في الحزب ومنهم علي سالم البيض الهروب إلى الوحدة (التي قد تبلورت رؤيتها بصورة كاملة من الحوار بين الشطرين لأكثر من عشرين عاما) لوضع حد للأزمة الاقتصادية وللصراعات والخلافات بين الرفاق وأصر على الرئيس علي عبدالله صالح على الوحدة الاندماجية مما اضطر علي عبدالله صالح سحب مقترحه بالوحدة المتدرجة.
8- قامت الوحدة الإندماجية عام 1990م بذوبان الدولتين الشطريتين في دولة واحدة وتم الاستفتاء الشعبي لليمنيين جميعا على الوحدة والدستور برعاية أمميه عربية و تم اختيار علي عبدالله صالح رئيسا وعلي سالم نائبا ومجلس رئاسي مشترك بالرغم من اعتراض قيادات انفصالية في الحزب الاشتراكي على مبدأ الوحدة إلا أنها نجحت في رفض توحيد الجيشين والأمنين الشطريين حتى يسهل العودة إلى التشطير.
9- بعد الانتخابات النيابية لأعضاء مجلس النواب عام 1993م ونزول الحزب الاشتراكي إلى المرتبة الثالثة بعد المؤتمر والإصلاح تغيرت إستراتجية الحزب الاشتراكي بضغط من الانفصاليين وبدأ علي سالم وتلك القيادات بالإعداد للانفصال بدعم خليجي وفي المقدمة الدعم المالي والعسكري السعودي الذي وضعت نقاطه الأخيرة أثناء زيارة علي سالم البيض نائب الرئيس أمين الحزب إلي الرياض بعد أن وقع في الاردن اتفاق وثيقة العهد والاتفاق في فبراير 1994م ومنذ ذلك التاريخ بالتحديد زادت الجهود الانفصالية لرئيس الوزراء حيدر العطاس وكذلك السيلي محافظ عدن اللذان منعا أي شمالي من الدخول إلى عدن و تم لهما كذلك قطع الاتصالات التلفونية الوحدوية إلى الاتصالات الشطرية السابقة بوضع الصفر الدولي كما كان قبل الوحدة كذلك أصدر الحزب تعميماً الي كافة قياداته في صنعاء بالعودة الي عدن كما تم تشكيل لجنة إعلامية شطرية يرأسها سالم صالح محمد لإدارة القناه الثانية واذاعة عدن والصحف الرسمية وانقطع أي تواصل أعلامي مع وزارة الإعلام في صنعاء برئاسة الوزير الدكتور محمد جرهم كذلك تم تكليف طيران الليمدا بنقل السلاح جوا من الكتلة الشرقية السابقة إلى عدن وكذلك وصول البواخر البحرية محملة بالسلاح الثقيل بنفقة السعودية إلى مينائي عدن وحضرموت ووصول أول سرب طيران ميج 29 وبطيارين أجانب ثم قامت طائرات الحزب بقصف مطار صنعاء فجر يوم 5/4/1994م معلنة الحرب على الشمال وقامت اذاعة عدن صباح ذلك اليوم بإذاعة البيان العسكري الأول لإعلان الحرب على الشمال فهب الشعب اليمني للدفاع عن الوحدة وفي مقدمتهم أبناء المحافظات الجنوبية بقيادة عدد من القيادات العسكرية الجنوبية وفي مقدمتهم اللواء عبدربه منصور هادي قائد قوات لواء الوحدة الجنوبية التي فرت من عدن بعد أحداث يناير 1986م.
ذ0- في 12-5-1994م أعلن علي سالم البيض من حضرموت الانفصال عن دولة الوحدة وقيام جمهورية اليمن الشعبية التي لم تعترف بها من دول العالم إلا دولة أرض الصومال الانفصالية (التي طبعت علاقاتها مؤخرا مع إسرائيل).
11- بعد انتصار الشرعية الدستورية للجمهورية اليمنية ضد الانفصال وقياداته تم إصدار العفو العام عن كل من شارك في حرب الانفصال و أعد لها إلا 16 قياديا وعلى رأسهم علي البيض وبعد قرابة عام رجع 15 من تلك القيادات إلى صنعاء ليتولوا مناصب رسمية بما فيهم سالم صالح محمد الذي عين مستشارا لرئيس الجمهورية وكذلك أحمد بن دغر الذي عين من جديد قيادي في المؤتمر ووزير للمواصلات بعد ذلك ولم يبقى في الخارج إلا علي سالم البيض.
12- بعد حرب عام 1994م كلف الرئيس علي عبدالله صالح نائبه (للرئاسة وللمؤتمر) عبدربه منصور هادي تولي كل شؤون المحافظات الجنوبية وهذه كانت غلطه كبيره من صالح فقد حاول عبدربه منصور هادي ولسنوات طويله أن ينتصر للزمرة من أصحابه ضد الطغمة (مكوني صراع 1986م) ليخلق أحقادا بينهما من جديد، وبعد تشكيل لجنة تقصي الحقائق عن نهب الأراضي والممتلكات في المحافظات الجنوبية برئاسة الدكتور باصرة وعبدالقادر هلال الدبب اللذان حددا أسماء 18شخصية نافذه (أغلبهم من الجنوب) متهمة بالاستيلاء على الأراضي أحال علي عبدالله صالح ذلك الملف إلى نائبه عبدربه الذي أدخله درج مكتبه ليزيد من حدة السخط الشعبي.
13- في عام 2007م ظهر ما سمي بمظاهرات العسكريين الذين لم تصرف مرتباتهم فصدر الأمر الرئاسي بصرف ٦٠ مليار ريال من خزينة الدولة وسلمت كمرتبات لتلك المجاميع و بإشراف عبدربه منصور هادي وبالرغم من ذلك واصلت الحركة نشاطها تحت مسمى الحراك الجنوبي.
14- بعد أحداث ٢٠١١ تولى عبدربه منصور هادي وابنه جلال السلطة ومعه أحزاب اللقاء المشترك بقيادة الاشتراكي والإصلاح.
15- استمر حكم عبدربه منصور هادي من صنعاء قرابة اربع سنوات كان أهم إنجازاته تفكيك الجيش اليمني وهيكليته بواسطة خبراء غير يمنيين وبعد فراره إلى عدن ثم الرياض وطلبه العدوان على اليمن في مارس 2015م استمر في حكمه قرابة تسع سنوات ثم تولى بعده مجلس القيادة الرئاسية برئاسة الدكتور العليمي 4 سنوات، وخلال ثمان سنوات من حكمهما وبرعاية إماراتية وسكوت سعودي ولد وترعرع الانتقالي الذي يدعو إلى الانفصال وقيام دولة الجنوب العربي بقيادة الزبيدي الذي أنكر ومعه قيادة الانتقالي يمنيتهم حتى حاول أن يلتهم جميع المحافظات الجنوبية الشرقية ووقتها استيقظت السعودية بعد أن وصلت قوات الإمارات إلى حدودها الجنوبية الشرقية.
بعد كل ما ذكرته في هذا المقال ما رأيكم من ظلم الجنوب ومن همش الجنوبيين ومن سرق الجنوب ومن قتل أبناء الجنوب ومن سحل علماء وشرد الجنوبيين الي الشمال و الي الخارج.
إن من حق أبناء الشمال أن يعلنوا أيضا مظلوميتهم ضد كل الافتراءات التي ألصقت بهم و كل التهم الكاذبة عليهم ولا يعني هذا الكلام أن كل القيادات الشمالية ملائكة لم يخطئوا.
وما علينا جميعا إلا أن نقرأ التاريخ بدقه وأن نقيم بصدق ما حدث من الجنوبيين ومن الشماليين ومنذ عام 1967م سنكتشف حقيقة المواقف ومن وراء كل تلك المظالم التي لحقت بإخوتنا أبناء المحافظات الجنوبية الشرقية وسنجد أننا جميعا ظلمنا شعبنا بأيدينا وأن الوحدة بريئة براءة الذئب من دم النبي يوسف وأن الانفصاليين والشياطين والقتلة والعملاء وتجار الحروب هم من يتحملون تلك الأخطاء.
على العموم يا إخوتنا السياسيين والمتسيسين في الجنوب نتمنى لكم التوفيق في مؤتمر الرياض وأن تتمكنوا بالفعل من حل اشكالاتكم وتحافظوا في نفس الوقت على الوحدة اليمنية التي هي عز لكم ومنجى من الصراع المناطقي بينكم وأننا جميعا وباليمن الكبير سنعوض شعبنا اليمني ما لحق به من ظلم وتجاوز.
والله حافظ اليمن وأهله.