صعدة.. من الضحية الأولى إلى مختبر العنف: قراءة في جذور وتصدير المشروع الحوثي
متعب علي التام
متعب علي التام::
لم تكن صعدة يوماً نشازاً في السيمفونية الوطنية اليمنية، ولا مجتمعاً مسكوناً برغبة الانعزال أو الولوع بالحروب؛ بل كانت وما تزال شرياناً نابضاً بالأصالة والتاريخ، وحاضرة مدنية تعرضت لعملية؛ “اختطاف أيديولوجي” ممنهجة، من قبل المشروع الحوثي، استهدفت وجدانها قبل جغرافيتها.
لقد عمل الحوثيون على تحويل صعدة قسراً، من منارة للتعايش إلى “مختبر أول” لتجارب العنف، ومنصة انطلاق لمشروعهم؛ الذي لا يرى في الإنسان إلا وسيلة، وفي الأرض إلا ساحة للصدام، معتمدين في ذلك على استراتيجية الإخضاع لا الإقناع. فبدلاً من السعي لتحقيق شرعية اجتماعية، لجأ الحوثيون إلى تفكيك بنية المجتمع من الداخل عبر تصفية المعارضين وقمع الأصوات المستقلة، حتى استُحيلت المحافظة بفعل قبضة الجماعة الحوثية إلى جغرافيا مغلقة، لا يُسمح فيها إلا بصدى الرواية الواحدة، ولا يُقبل فيها إلا الولاء المطلق لهذا المشروع الذي لا يتيح مساحة للمراجعة أو الاختلاف.
إن أخطر ما واجهته صعدة لم يكن أزيز الرصاص فحسب، بل هو الانهيار الممنهج لشبكات الأمان الاجتماعي، الذي أحدثه الحوثيون؛ حيث جرى تجريف البنية القبلية وإفراغها من دورها التقليدي المتزن، كصمام أمان للوساطة والتوازن، واستُبدلت بكيانات حوثية فُرضت بقوة السلاح، بعيداً عن الأعراف السائدة، ليتآكل معها أواصر الثقة ويحل الخوف محل الروابط الاجتماعية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليمس جوهر المستقبل عبر قطاع التعليم، الذي حوّل فيه الحوثيون المدارس من فضاءات للمعرفة إلى أدوات للتعبئة الأيديولوجية، فأُفرغت المناهج من مضمونها العلمي واستُبدلت بخطاب حوثي يمجد العنف، لغرس قناعة لدى الأطفال بأن قدرهم المحتوم يكمن في ساحات القتال لا في مقاعد الدراسة، ليحول الحوثيون جيلاً كاملاً إلى وقود دائم لحرب لا تنتهي.
أما اقتصادياً، فقد كانت صعدة الحقل التجريبي لسياسة الإفقار الممنهج التي ينتهجها الحوثيون، حيث ذاقت مرارة الجبايات الحوثية، ونهب الموارد، وتعطيل سبل العيش قبل غيرها، لتتحول لاحقاً إلى نموذج اقتصادي فاشل، جرى تعميمه على بقية المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين؛ فالفقر هنا لا يُدار كأزمة طارئة، بل كأداة حوثية للسيطرة، تُستخدم لكسر الإرادة الشعبية ودفع الناس للقبول بالأمر الواقع، مقابل البقاء على قيد الحياة.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بإنصاف هي أن صعدة لم تكن يوماً “رأس الشر”، بل كانت ضحيته الأولى على يد الحوثي، حيث استفحل مشروعه وتمدد مستفيداً من التصدعات السياسية الوطنية، وهنا ظُلمت صعدة مرتين: مرة حين اختُطفت قسراً من قبل الحوثيين، ومرة حين اختُزلت في صورة نمطية باعتبارها منبعاً للمأساة، بدلاً من النظر إليها كجرس إنذار مبكر تجاهله الجميع.
إن تحميل صعدة وزر ما آلت إليه البلاد يمثل قراءة مجحفة للتاريخ وتجاهلاً لحقيقة أن ما حدث فيها كان نتاج قسر حوثي لا خيار شعبي، فالصمت الذي يلفها اليوم تحت وطأة الحوثيين لا يعني الرضا، والخضوع القسري لسلطة الحوثي لا يعكس القبول، ولو أُتيحت لأهاليها فرصة حقيقية للخلاص لكانوا في طليعة مناصريها شوقاً لحياة طبيعية حُرموا منها لأكثر من عقدين بين رحى الحروب الحوثية والاعتقالات.
وعليه، فإن الطريق نحو الخلاص لا يمر عبر النعرات المناطقية، بل عبر التكاتف الوطني لوأد هذا المشروع؛ فاليمن لا يستعاد بتجزئته، بل باستعادة كيان الدولة كاملاً من قبضة الحوثيين من صعدة إلى عدن، ومن حرض إلى المهرة.