التصعيد الحوثي باستهداف السفن السعودية والردود المتوقعة
أ.د.عبدالوهاب العوج
أكاديمي ومحلل سياسي يمني::
يقف اليمن اليوم على فوهة بركان محلي و إقليمي على خلفيات التصعيد الحوثي الإيراني و سيناريوهات المواجهة المتوقعة مما يجعل التحليل الاستراتيجي للأبعاد الداخلية والإقليمية للهجمات الحوثية المتصاعدة جزء من المشهد العام وما يحدث من ضربات عسكرية أمريكية على ايران والرد الإيراني باستهداف الدول العربية في مشهدٍ تتقاطع فيه الخيوط المحلية مع الرهانات الإقليمية، و تدفع مليشيا الحوثي اليمن نحو منعطف خطير قد يحول البلاد إلى ساحة حرب مفتوحة، بعد سلسلة من الهجمات النوعية التي استهدفت ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر، بالتزامن مع توسيع رقعة عملياتها العسكرية على عدة جبهات داخلية. هذا التصعيد، الذي يأتي في توقيت دقيق، يحمل في طياته أبعاداً معقدة تنسج خيوطها بين طهران وصنعاء، وتضع الرياض أمام اختبار صعب في معادلة الردع.
خلفيات الأزمة: من حرب بالوكالة إلى مواجهة مباشرة
لم تأت الهجمات الحوثية الأخيرة بمعزل عن السياق الإقليمي المتوتر الذي يشهد تصاعداً في اللهجة بين واشنطن وطهران، حيث تبدو إيران وكأنها تستخدم ورقة الحوثيين كأداة ضغط إستراتيجية على عدة مستويات؛ فتصريحات القادة الإيرانيين حول قدرة الحوثيين على إغلاق البحر الأحمر ومضيق باب المندب، لم تكن مجرد تهديدات نظرية، بل تحولت إلى مخطط عملياتي بدأ يتبلور على الأرض.
وتكشف المعطيات الميدانية أن المليشيا تتجه نحو ما يمكن وصفه بـ”التمهيد العملياتي” لحرب شاملة، تتداخل فيها الجبهة الداخلية مع الأجندة الإقليمية، في محاولة لخلق معادلات جديدة تُعيد ترتيب أولويات الأطراف الإقليمية والدولية تجاه الملف اليمني. وتستهدف هذه الاستراتيجية المزدوجة إرباك الحسابات السعودية، واختبار حدود تحملها، خاصة في ظل الضغوط الدولية الداعية لضبط النفس.
الموقف السعودي: بين المطرقة والسندان
حتى اللحظة، يبدو أن الرياض اختارت مساراً دبلوماسياً حذِراً، مكتفية بالحشد الدولي لإدانة استهداف أراضيها ومصالحها البحرية و مهتمة بمتطلبات خطة التنمية الطموحة و رؤية 2030 وتوطين الصناعات العسكرية والبرنامج النووي السلمي وغيرها من المشاريع السياحية والاقتصادية العملاقة، فيما جاءت تصريحات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية في سياق رفع الجاهزية القتالية للقوات الحكومية. لكن تعهد المملكة السابق بالرد “بقوة على مصادر النيران” بات يشكّل سيفاً مسلّطاً على رقبة صناع القرار في الرياض.
فمن جهة، فإن عدم الرد على الهجمات الحوثية المتكررة يُضعف هيبة الردع السعودية ويُحرج تحركاتها الدبلوماسية، ويُفسر كمظهر من مظاهر الضعف. ومن جهة أخرى، فإن أي رد عسكري موسع قد يُورط المملكة في مواجهة إقليمية أوسع، تخدم بالضبط أهداف التصعيد التي تسعى إليها طهران، وتُحوّل اليمن إلى ساحة حرب مفتوحة تُستنزف فيها الرياض عسكرياً واقتصادياً.
سيناريوهات التصعيد المحتملة
و يرى مراقبون و محللون أن المؤشر الفاصل في هذه الأزمة سيكون بدء غارات جوية متتابعة ومُركّزة على مناطق سيطرة المليشيا، بالتزامن مع عمليات برية غير محدودة على عدة محاور، أبرزها: الساحل الغربي (الحديدة)، ومأرب والجوف في الشمال الشرق، و تعز في الجنوب الغربي، ومريس وقعطبة والفاخر و دمت في الضالع وإب، إضافة إلى جبهتي البيضاء و شبوة هي مناطق التماس المرشحة اكثر من غيرها لهذه العمليات، إن حدثت، ستعكس تحولاً في الاستراتيجية العسكرية لدول التحالف نحو خيارات أكثر حزماً.
أما السيناريو الأخطر، فيتمثل في امتداد الرد الحوثي إلى العمق السعودي عبر صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، وهو ما سينقل المواجهة إلى نطاق إقليمي أوسع، قد يجر أطرافاً إقليمية ودولية إضافية إلى دائرة الصراع، ويفتح الباب أمام مواجهات غير محسوبة النتائج.
ان الانهيار الداخلي يعد الخلفية الرئيسية للتصعيد الحوثي، ففي الداخل اليمني، تبدو المليشيا الحوثية وكأنها تبحث عن مخرج من أزماتها المتفاقمة؛ فالعجز المستمر عن صرف الرواتب وتوفير الخدمات الأساسية، والضائقة المعيشية الخانقة، والسخط الشعبي المتزايد في مناطق سيطرتها، كلها عوامل تدفع قادة الجماعة نحو خيار الحرب كوسيلة للهروب من الاستحقاقات الداخلية.
تسعى المليشيا الحوثية عبر هذا التصعيد إلى تصدير أزمتها الداخلية، وتحويل أنظار اليمنيين نحو عدوان وهمي من الخارج، وإعادة إنتاج شرعيتها المتآكلة عبر خطاب المقاومة والمواجهة. لكن هذه المغامرة العسكرية، وفقاً لمراقبين، قد تكون “القشة التي تقصم ظهر البعير”، حيث أن إشعال حرب جديدة سيدفع اليمنيين ثمنها جوعاً ونزوحاً ودماراً، في وقتٍ تعاني فيه البلاد من أسوأ أزماتها الإنسانية منذ عقود.
ولابد من القول ان المخاطر الإقليمية وحرب البحر الأحمر قد تتجاوز البعد المحلي و الإقليمي لهذه الأزمة لتتجاوز حدود اليمن، فالبحر الأحمر ومضيق باب المندب يُشكلان شرياناً حيوياً للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة، فأي تهديد حقيقي لملاحتهما سيكون له تداعيات دولية كبرى، قد تدفع القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إلى التدخل المباشر لحماية المصالح الحيوية، و هنا تبرز المفارقة؛ فبينما تُقدم طهران على استخدام الحوثيين كورقة ضغط في لعبة التفاوض مع واشنطن، فإنها في الوقت نفسه تخاطر بتوسيع دائرة الصراع إلى منطقة لا يمكن السيطرة على تداعياتها، خاصة مع وجود القوات البحرية الأمريكية في المنطقة واستعداداتها للرد على أي تهديد يطال الملاحة الدولية.
والخلاصة هل اليمن تسير نحو مواجهة مفتوحة أم صفقة جديدة؟
تقف اليمن و المنطقة برمتها اليوم على مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تنجح المساعي الدبلوماسية في احتواء التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات، أو أن تنزلق الأطراف نحو حرب إقليمية مفتوحة ستكون اليمن ساحتها الأولى، واليمنيون ضحيتها الأكبر.
إن استمرار المليشيا في مغامراتها العسكرية، وإصرارها على ربط مصير اليمن بالمشروع الإيراني التوسعي، يحملان المنطقة نحو مواجهة قد تكون الأعنف منذ عقود. وفي كل الأحوال، يبقى الحل السياسي هو السبيل الوحيد لإنقاذ اليمن من مصيره المجهول، والمنطقة من حرب لا يعرف أحد أين تنتهي.

