مقالات وأراء

مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الجديدة: بين اختبار الإنجاز واستحقاقات المرحلة

أ.د. عبدالوهاب العوج::

تمر اليمن اليوم بمرحلة هي الأكثر تعقيداً في تاريخها الحديث، حيث تتداخل التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية والخدمية لتفرض على القيادة والحكومة مسؤوليات استثنائية تتجاوز منطق إدارة الأزمات التقليدي. فمع التغييرات التي طالت مؤسسات الشرعية، برز مجلس القيادة الرئاسي كإطار جامع لتوحيد القرار، بينما جاءت التعديلات الحكومية الأخيرة كمحاولة لضخ دماء جديدة في الأداء التنفيذي. لكن السؤال الجوهري: هل ارتقى المجلس والحكومة إلى مستوى التحديات؟ وهل تحولت هذه التغييرات إلى إنجازات ملموسة؟

أولاً: الحكومة الجديدة بين الطموح والواقع:

في الظروف الاستثنائية ترتفع التوقعات الشعبية، خاصة مع حرب وجودية وانهيار اقتصادي غير مسبوق. ورغم وعود الإصلاح، فإن المواطن لا يقيس النجاح بالبرامج، بل بانعكاسها على وضعه المعيشي: استقرار سعر الصرف، انتظام الرواتب، وانطفاء مصباح الكهرباء. ورغم جهود إعادة الهيكلة، ما تزال النتائج دون الطموح: أزمة كهرباء، رواتب متأخرة، عملة متأرجحة وأسعار مرتفعة. النجاح يُقاس بقدرة الحكومة على استقرار اقتصادي وحلول عملية مستدامة.

ثانياً: الملف العسكري – حجر الزاوية لاستعادة الدولة:

لا استعادة دولة مع تعدد مراكز القوة والانقسام الأمني. اللجنة العسكرية العليا خطوة صحيحة لكنها غير كافية دون ترجمة فعلية و توحيد القوات المسلحة مشروع وطني متكامل يحتاج إرادة سياسية حاسمة وتوافقاً حقيقياً وأي تقدم يبدأ من مؤسسة عسكرية محترفة ذات عقيدة وطنية وولاء للقانون والنظام، لا للشخص أو الحزب أو المنطقة.

ثالثاً: الأمن والاستقرار – إنجاز يحتاج ترسيخاً:

شهدت عدن والمحافظات الجنوبية تحسناً أمنياً ملحوظاً، لكنه هش دون إصلاح مؤسسي عميق: تطوير الأداء الأمني، تفعيل القضاء المستقل، وتطبيق القانون على الجميع. الاستقرار الحقيقي يتحقق بثقة المواطن بقدرة الدولة على حماية حقوقه، لا بأدوات القمع، و ان المرحلة المقبلة تتطلب عملاً مؤسسياً مستداماً.

رابعاً: الملف الخدمي والدعم السعودي – من الإنقاذ إلى الاستدامة:

دور المملكة الحيوي بدعم الاقتصاد والمشاريع الخدمية ساهم في الحد من الانهيار، لكنه يحتاج تحولاً استراتيجياً من معالجات إنقاذية إلى مشاريع تنموية مستدامة، و المواطن يريد كهرباء وماء ورواتب وفرص عمل، لا مساعدات مؤقتة، والحكومة مطالبة بتحويل الدعم إلى استثمار حقيقي لا مستنقع بيروقراطي.

خامساً: السلام مع الحوثيين – ضرورة وطنية تعتمد على المرجعيات الدستورية و على المخاوف المشروعة فهم سبب الحرب التي فرضت على اليمنيين و ليست خياراً أبدياً، والحل السياسي الشامل ضرورة، لكن السلام الحقيقي يتحقق بمعالجة جذور الصراع وضمان عدم الانتكاسة.
وعليه فالمجلس يواجه تحدياً وجودياً: الموازنة بين الانفتاح السياسي وثوابت الدولة، و أي تسوية لا تبني دولة قوية ستنهار، وفرض الأمر الواقع بالقوة لا ينتج استقراراً، المطلوب سلام عادل يبني الدولة لا يهدمها.

سادساً: التغيير السياسي الأخير – فرصة لا تعوض:

التغيير ليس إنجازاً بل أداة للإنجاز، ونجاحه مرهون بإنتاج أداء مختلف، و المرحلة لا تحتاج الى تبديل أشخاص فقط، بل تغييراً في منهج الإدارة: شفافية، و مساءلة، مع ربط المسؤولية بالنتيجة، وجعل الكفاءة معياراً للبقاء، فكل تأخير في الإصلاحات يوسع الفجوة بين الدولة والمجتمع ويحول التغيير إلى إحباط جديد.

فما المطلوب للخروج من دوامة الأزمات اليمنية المتنامية؟ ولابد ان الخروج مما نحن فيه يحتاج الى مشروعاً وطنياً شاملاً يستند إلى:
1) توحيد القوات المسلحة والأمنية،
2) تعزيز مؤسسات الدولة وسيادة القانون، 3) مكافحة الفساد وترشيد الإنفاق،
4) إصلاحات اقتصادية عاجلة، 5) خدمات أساسية أولاً (كهرباء، مياه، صحة، تعليم)،
6) شراكة وطنية واسعة،
7) تحويل الدعم الإقليمي إلى استثمار دائم،
8) الدفع باتجاه سلام دائم وعادل يحفظ الدولة وسيادته بناء على القرارات الدولية الصادرة.

وخلاصة القول يجب ان
يقف المجلس والحكومة أمام اختبار تاريخي لا يقبل الانتظار؛ فاليمنيون لم يعودوا يبحثون عن خطابات معسولة او وعود متعددة، بل عن نتائج حقيقية ملموسة على ارض الميدان تعيد الثقة بوطنهم ودولتهم المنشودة، و بين الفرص والتحديات، تبقى الإرادة الصادقة والكفاءة والقرار الموحد مفاتيح العبور من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة ومن الصراع إلى السلام والتنمية، فالتاريخ لا يسجل كثرة القرارات، بل من حول المحن إلى منح و فرص والأوطان من الفوضى إلى الازدهار.

* أكاديمي ومحلل سياسي يمني.
جامعة تعز.

محمد عبده

About Author

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *