ما احتمالية الحل السلمي في اليمن؟ تحليل جيوسياسي معمق لسيناريوهات التسوية
أ.د. عبدالوهاب العوج::
أولاً: مقدمة: جدلية السلام والعنف
بعد ما يقارب عقداً من الحرب منذ الانقلاب الحوثي على الشرعية عام 2014، تظل احتمالية الحل السلمي في اليمن معلقة بين شروط دولية صارمة تتمثل في القرار الأممي (2216) الصادر تحت الفصل السابع، وبين واقع ميداني وسياسي وأمني شديد التعقيد.
لم يعد السؤال الأساسي اليوم: «هل نريد السلام؟» فغالبية اليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي يعلنون رغبتهم في إنهاء الحرب، وإنما أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: «لماذا فشلت كل جهود السلام في اليمن حتى الآن، وما نوع السلام الممكن تحقيقه مستقبلاً؟»
هل هو سلام يعيد بناء دولة مدنية اتحادية تستوعب جميع المكونات السياسية والعسكرية في إطار مؤسسات وطنية موحدة؟ أم سلام هش ومجزأ يكرّس الانقسام القائم ويحوّل اليمن إلى مناطق نفوذ متنافسة تخضع لتوازنات محلية وإقليمية متغيرة؟ أم مجرد هدنة طويلة تدير الصراع دون أن تنهيه؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من تحليل العقبات الجوهرية التي تعيق التسوية، وفهم البيئة الجيوسياسية المحيطة بالصراع، ثم استعراض السيناريوهات المحتملة للحل السلمي وتقييم فرص تحقق كل منها، وأخيراً تقديم توصيات عملية للنخب اليمنية والقوى الإقليمية.
ثانياً: العقبات الرئيسية أمام الحل السلمي
1. إشكالية السلاح والمكاسب المتحققة من الحرب
لا تقتصر قوة جماعة الحوثي على امتلاك ترسانة عسكرية كبيرة، بل تمتد إلى بناء منظومة اقتصادية وإدارية موازية للدولة خلال سنوات الحرب. فقد تمكنت الجماعة من السيطرة على موارد مالية متنوعة تشمل الجبايات والضرائب والرسوم المفروضة على المنافذ والموانئ والأنشطة التجارية، إضافة إلى التحكم بالمؤسسات العامة في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، والتي تضم الكتلة السكانية الأكبر في البلاد (صنعاء، صعدة، حجة، ذمار، عمران، وغيرها).
أتاح هذا الواقع للحوثيين تطوير نموذج حكم قادر على الاستمرار نسبياً بعيداً عن مؤسسات الدولة الرسمية المعترف بها دولياً. فالتخلي عن السلاح بالنسبة للجماعة يعني عملياً التخلي عن مصدر القوة الذي أتاح لها السيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية، وبالتالي فإن أي اتفاق يتضمن هذا الشرط سيواجه مقاومة شديدة ما لم يقترن بضمانات ومكاسب استثنائية.
2. البعد الإيديولوجي للصراع
تتجاوز الأزمة اليمنية حدود الصراع السياسي التقليدي على السلطة، إذ تتداخل فيها أبعاد فكرية وعقائدية تؤثر بصورة مباشرة على فرص التسوية. تستند جماعة الحوثي إلى رؤية سياسية ودينية ترى في نفسها مشروعاً يتجاوز حدود المنافسة الحزبية التقليدية، قائماً على مفاهيم مستمدة من تجربة “الولاية الفقيهة” الإيرانية ممزوجة بالموروث الزيدي الإمامي. هذا المشروع، كما يراه منتقدوه، يتعارض مع مفهوم الدولة الوطنية الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية وتداول السلطة.
ومن هنا تنشأ إحدى أكبر المعضلات أمام التسوية: قبول الجماعة بوقف إطلاق النار أو الدخول في مفاوضات لا يعني بالضرورة استعدادها للقبول بشراكة سياسية كاملة ومتوازنة مع بقية المكونات اليمنية على المدى الطويل، ولا بقبول نظام حكم لا يضمن لها موقع الهيمنة.
3. تعدد الفاعلين المحليين واختلاف الأجندات
يُعد تعدد مراكز القوة أحد أهم أسباب تعقيد الأزمة اليمنية. فالصراع لم يعد محصوراً بين الحكومة المعترف بها دولياً وجماعة الحوثي، بل أصبح يضم عدداً من القوى المؤثرة ذات المشاريع المختلفة:
· المجلس الانتقالي الجنوبي: يطرح مشروع استعادة الدولة الجنوبية أو الوصول إلى صيغة حكم ذاتي واسعة الصلاحيات، مدعوماً إماراتياً.
· القوى الإسلامية (حزب الإصلاح و القوى السلفية): حيث تنظر هذه المكونات إلى الحوثيين باعتبارهم تهديداً استراتيجياً طويل الأمد، لكنها تواجه تحديات تنظيمية وسياسية أثرت على مستوى تأثيرها، و تتهم بأن لها علاقات مع السعودية و تركيا وقطر.
· القبائل والقوى المحلية التقليدية: لقد تراجع نفوذها مقارنة بما كان عليه قبل الانقلاب الحوثي و الحرب وكنتيجة صعود القوى المسلحة وتزايد التدخلات الإقليمية.
· المجلس الرئاسي: يعاني من ضعف التماسك والتفاف قوى إقليمية حول أعضائه وارتباطهم بالقوى السياسية و العسكرية على الارض، مما يفقده القدرة على تمثيل موقف موحد.
يؤدي هذا التعدد إلى جعل أي اتفاق بين طرفين فقط غير كافٍ لإنهاء الصراع بصورة شاملة، وأي تسوية حقيقية يجب أن تستوعب هذه المكونات أو تفرض عليها الأمر الواقع.
ثالثاً: التحليل الجيوسياسي الموسع
لا يمكن فهم فرص السلام في اليمن بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالأزمة، إذ أصبحت الحرب اليمنية جزءاً من شبكة أوسع من التوازنات والصراعات الجيوسياسية.
أ. إيران: اليمن كورقة نفوذ إقليمية
تنظر إيران إلى الملف اليمني بوصفه أحد عناصر التأثير في معادلات الأمن الإقليمي والنفوذ لها. فوجود جماعة حليفة لها على الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية يمنحها قدرة إضافية على المناورة السياسية والاستراتيجية، ولهذا فإن التوصل إلى سلام شامل ومستقر في اليمن قد يؤدي إلى تقليص قيمة هذه الورقة ضمن الحسابات الإيرانية خاصة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني اليمني والدولة الاتحادية ونظام الأقاليم.
ومع ذلك، فإن السياسة الإيرانية ليست ثابتة بالكامل، إذ يمكن أن تشهد تحولاً إذا ارتبط الملف اليمني بتفاهمات إقليمية أوسع تشمل ملفات أخرى أكثر أهمية بالنسبة لطهران وما سنتج عنه الاتفاقات الأميركية الإيرانية بعد الضربات العسكرية وحصار مضيق هرمز المزدوج، او كما حدث جزئياً في الاتفاق السعودي-الإيراني الذي رعته الصين عام 2023.
فذلك الاتفاق خفض منسوب التوتر بين الرياض وطهران لكنه لم يترجم بعد إلى حل حقيقي في اليمن، مما يشير إلى أن إيران ما زالت تحتفظ بهدوئها الاستراتيجي في هذا الملف وتحاول اللعب بورقة الحوثي في اليمن والتهديد بغلق مضيق باب المندب وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن.
ب. السعودية: من الحسم العسكري إلى إدارة المخاطر
شهدت السياسة السعودية تجاه اليمن تحولاً واضحاً خلال السنوات الأخيرة، فبعد مرحلة كان الهدف المعلن فيها استعادة الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب بالقوة العسكرية، اتجهت الرياض تدريجياً نحو البحث عن تسوية تقلل المخاطر الأمنية وتحافظ على استقرار حدودها الجنوبية.
وترتبط هذه المقاربة بعوامل متعددة: كلفة الحرب الاقتصادية، الهجمات التي استهدفت منشآت حيوية داخل المملكة (كأ ارامكو 2019 في بقيق و خريص وغيرها)، والرغبة في التركيز على مشاريع التنمية والتحول الاقتصادي المرتبطة برؤية 2030.
حيث نجد اليوم ان السعودية تركز بصورة أساسية على ضمان أمن حدودها ومنع عودة التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة وغيرها وايضا الشريان الحيوي شرق غرب وميناء ينبع بعد الحرب الأمريكية الإيرانية وغلق مضيق هرمز، وبالتاليى نج ان المملكة مستعدة للقبول بهدنة طويلة الأمد وترتيبات جزئية مع مليشيات الحوثي، حتى لو لم تؤد إلى حل سياسي شامل في اليمن.
ج. الإمارات: المصالح البحرية والجنوب
تمتلك الإمارات رؤية مختلفة نسبياً عن الرؤية السعودية تجاه اليمن، فاهتمامها الأكبر يرتبط بالممرات البحرية الاستراتيجية: باب المندب، سواحل البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي، إضافة إلى الجزر (سقطرى، ميون وغيرها) والموانئ ذات الأهمية الاقتصادية والأمنية وكذلك التخوفات الإماراتية من التيارات الإسلامية.
حيث ترتبط الإمارات بعلاقات وثيقة مع المجلس الانتقالي الجنوبي، الأمر الذي جعلها أقرب إلى دعم ترتيبات تمنح الجنوب مساحة واسعة من الاستقلالية السياسية والإدارية، حتى لو كان ذلك على حساب وحدة اليمن واستقراره.
هذا التمايز في الرؤى بين الرياض وأبوظبي يخلق شرخاً حقيقياً داخل مجلس القيادة الرئاسي، حيث أدى إلى أحداث شرق اليمن في حضرموت و المهرة والتدخل السعودي في لجم قوات المجلس الانتقالي، مما يؤثر على قدرة المجلس على اتخاذ قرارات حاسمة.
د. قطر وتركيا: حضور خافت لكنه مؤثر
لا يمكن تجاهل الدورين القطري والتركي، وإن كانا أقل تأثيراً من الإيراني والسعودي.
· قطر: تقدم دعماً إنسانياً وسياسياً، ولها علاقات مع قوى إسلامية في اليمن (كحزب الإصلاح واحيانا مع قيادات حوثية)، كما أنها لعبت دوراً في وساطات محدودة وخاصة في حروب صعدة الستة وما بعدها، لكن نفوذها الرسمي تراجع بعد المصالحة الخليجية والاحتواء السعودي للازمة الخليجية.
· تركيا: تركيزها الأكبر في اليمن استثماري (مشاريع إعادة إعمار محتملة وغير مباشرة حتى الان ولكنها مستقبلية اذا استقرت الدولة اليمنية الاتحادية) ولها علاقات جيدة مع حزب الإصلاح والنخب المدنية، لكن حضورها العسكري أو السياسي المباشر محدود مقارنة بإيران أو الإمارات.
هـ. سلطنة عُمان: الوسيط الإقليمي
تلعب سلطنة عُمان دور الوسيط الأكثر قبولاً لدى معظم الأطراف اليمنية والإقليمية، ساهم خلال السنوات الماضية في استضافة اللقاءات غير المعلنة وتسهيل قنوات التواصل بين الفرقاء وخاصة الحوثيين، غير أن قدرتها على فرض حلول أو ممارسة ضغوط مباشرة تظل محدودة، وهي أقرب في طبيعتها إلى “الميسّر” وليس “الضاغط”.
المجتمع الدولي والأمم المتحدة: إدارة الأزمة لا حلها
رغم تعدد المبادرات الأممية (المبعوثون: جمال بن عمر، إسماعيل ولد الشيخ، مارتن غريفيث، هانس جروندبرغ) والجهود الدبلوماسية، فإن المجتمع الدولي ما زال يفتقر إلى أدوات تنفيذية فعالة قادرة على فرض تسوية شاملة، وأسباب فشل الدبلوماسية الأممية خلال 8 سنوات عديدة منها:
1. غياب آلية جزاء حقيقية: القرارات الدولية تحت الفصل السابع (كـا القرار 2216) ظل حبراً على ورق دون آلية تنفيذ عسكرية أو عقوبات جادة تنال من مليشيات الحوثي الانقلابية و التعامل بتوازن مع جميع الأطراف.
2. الفيتو والانقسام الدولي: روسيا والصين تستخدمان أحياناً غطاء سياسياً لإيران، مما يشل أي تحرك حاسم في مجلس الأمن.
3. تراجع الأولوية الدولية: انشغال القوى الكبرى بأزمات أكثر إلحاحاً (الحرب في أوكرانيا، التصعيد في غزة، التنافس الأمريكي-الصيني و الحرب ضد ايران وغلق مضيق هرمز)، مما دفع الملف اليمني إلى هامش الاهتمام الدولي.
لذلك انصب التركيز الأممي خلال السنوات الأخيرة على منع الانهيار الكامل وإدارة الأزمة الإنسانية (من خلال تمويل برامج الغذاء والصحة التي تراجعت بشكل كبير عبر السنوات لتصل الى حدود دنيا في الاعوام الثلاثة الماضية وحتى الان)، أكثر من التركيز على بناء حل سياسي نهائي مبني على القرارات الدولية الصادرة تحت الفصل السابع.
رابعاً: السيناريوهات المحتملة للحل السلمي
(التقديرات التالية هي استنتاجات الكاتب بناءً على تحليل المتغيرات المذكورة أعلاه، وليست أرقاماً قطعية)
السيناريو الأول: السلام الشامل وفق المرجعيات
الاحتمالية التقديرية: أقل من 10%
يقوم هذا السيناريو على تنفيذ المرجعيات الثلاث الأساسية (المبادرة الخليجية، مخرجات الحوار الوطني، القرار 2216)، بما يشمل إنهاء الحرب، وتسليم الحوثيين للسلاح الثقيل و المتوسط، وإعادة بناء الدولة اليمنية كاتحاد أو فيدرالية تمنح الجنوب حكماً ذاتياً واسعاً وبما يمنع انفراط السيادة و الوحدة الوطنية.
غير أن حجم التعقيدات الداخلية والإقليمية (إيران لا تريد ذلك، الحوثي لا يقبله ولديه طموح با ابتلاع الجميع، الإمارات تعارض تفاصيله، والمجلس الرئاسي عاجز عن تنفيذه) يجعل فرص تحقق هذا السيناريو محدودة للغاية في المدى المنظور.
السيناريو الثاني: هدنة طويلة الأمد وترتيبات جزئية
الاحتمالية التقديرية: 40–50% (الأكثر ترجيحاً)
يُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً في المرحلة الحالية.ط، حيث يقوم على استمرار التهدئة مع توسيعها تدريجياً لتشمل ملفات المطارات والموانئ (فتح مطار صنعاء، تسهيل حركة ميناء الحديدة) والرواتب والتبادل الاقتصادي والأسرى وغيرها، وفي هذا الوضع يحتفظ كل طرف بمناطق نفوذه الرئيسية (الحوثي في الشمال، الحكومة والمجلس الانتقالي في الجنوب و قوى الشرعية والسلفييين في الشرق) دون حسم نهائي للقضايا الجوهرية.
يمتاز هذا السيناريو بخفض مستوى العنف وتحسين الأوضاع الإنسانية وتأمين الحدود السعودية، لكنه في المقابل يكرّس حالة الانقسام السياسي والمؤسسي ويحوّل اليمن إلى نموذج شبيه بلبنان (دولة ضعيفة وميليشيا مسلحة أقوى من مؤسساتها الرسمية).
السيناريو الثالث: تسوية تمنح الحوثيين موقع الهيمنة (نموذج أفغانستان ما بعد 2021)
الاحتمالية التقديرية: 10%
يفترض هذا السيناريو حدوث تغيرات دراماتيكية إقليمية أو دولية تدفع باتجاه تسوية سياسية تكون فيها الكفة الراجحة للحوثيين. قد يحدث ذلك في حال تراجع الدعم الإقليمي للحكومة المعترف بها دولياً (مثل انسحاب سعودي تدريجي كجزء من صفقة كبرى مع إيران)، أو تفككت القوى المناهضة للحوثيين بصورة أكبر.
تشبه هذه الحالة ما حدث في أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي 2021، حيث سقطت الحكومة المدعومة دولياً أمام طالبان، و في اليمن، قد تتجه البلاد نحو إعادة إنتاج نموذج سلطوي جديد تحت الهيمنة الحوثية او انتصار قوى الشرعية بدعم إقليمي ودولي، مع استمرار لبعض بؤر التوتر في الجنوب والمناطق الشرقية.
و هذا السيناريو كارثي على الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنه ليس مستحيلاً.
السيناريو الرابع: حرب باردة مع تصعيد متقطع
الاحتمالية التقديرية: 20%
يقوم هذا السيناريو على استمرار الوضع الراهن تقريباً، حيث لا توجد حرب شاملة ولا سلام نهائي، حيث تشهد الجبهات ( في مأرب، تعز، الضالع، الجوف والحديدة) فترات من الهدوء تتخللها جولات تصعيد محدودة، مع استمرار التدهور الاقتصادي والإنساني، مع محاولة الحوثيون التوسع جنوباً بينما تحاول قوى الشرعية استعادة بعض المناطق شمالا، لكن لا قدرة لأي طرف على تحقيق حسم عسكري شامل.
يرى كثير من المراقبين أن هذا السيناريو يمثل الوصف الأقرب للواقع الحالي، وقد يستمر لسنوات إضافية.
السيناريو الخامس: انفصال جنوبي أو شبه انفصال
الاحتمالية التقديرية: 10%
يفترض هذا السيناريو التوصل إلى ترتيبات سياسية تمنح الجنوب استقلالاً فعلياً أو حكماً ذاتياً واسعاً للغاية، مدعوماً إماراتياً ومتفاوضاً عليه مع السعودية. في هذه الحالة، قد يقبل الحوثيون نظرياً لأنهم سيتمكنون من السيطرة على بقية الشمال دون منازع، لكنهم عملياً سيرفضون خروج الجنوب الغني بالنفط والغاز والموانئ الاستراتيجية.
السيناريو يحمل مخاطر كبيرة: قد يفتح الباب أمام حرب ثلاثية الأطراف (حوثي ضد جنوبي ضد قوات الشرعية)، أو قد يؤدي إلى حل مؤقت يراقبه المجتمع الدولي. ورغم أن بعض الأطراف تروّج له كـ “مخرج”، فإنه في الواقع قد يكون مدخلاً لصراعات جديدة أكثر تعقيداً.
خامساً: الخلاصة والتوصيات العملية
الخلاصة التحليلية
تشير المعطيات الحالية إلى أن احتمالية التوصل إلى حل سلمي شامل في اليمن خلال السنوات القليلة المقبلة ما تزال محدودة للغاية (أقل من 10%)، بينما تبدو فرص استمرار الهدنة طويلة الأمد أو الترتيبات الجزئية أكبر بكثير (40-50%). أي انتقال حقيقي نحو سلام مستدام يتطلب توافر ثلاثة شروط رئيسية:
1. تفاهمات إقليمية أوسع بين القوى المؤثرة، وفي مقدمتها السعودية وإيران، تتجاوز اليمن إلى ملفات أخرى (لبنان، العراق و سوريا، الملف النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية).
2. بناء مؤسسات يمنية أكثر تماسكاً وقدرة على تمثيل مختلف المكونات، خاصة إصلاح المجلس الرئاسي ليكون فاعلاً لا مجرد واجهة.
3. وجود إرادة دولية موحدة تتجاوز إدارة الأزمة، من خلال آلية جزاء حقيقية وتمويل مرتبط بتنفيذ التزامات السلام.
وحتى يتحقق ذلك، ستظل الجهود الدبلوماسية والأممية أقرب إلى إدارة الصراع والحد من مخاطره، أكثر من كونها قادرة بمفردها على إنتاج سلام نهائي.
توصيات عملية لمختلف الأطراف
للنخب اليمنية (سياسية ومدنية وقبلية):
· العمل على بناء حد أدنى من التوافق الوطني حول “مبادئ الحل” (نظام الحكم، توزيع الثروة، صيغة التعامل مع السلاح)، وليس انتظار الحلول الخارجية فقط.
· تفعيل دور الوسطاء المحليين والقبليين لبناء جسور الثقة بين الأطراف المتحاربة على الأرض، مستقلاً عن المسار الأممي الرسمي.
· الاستعداد لسيناريو الهدنة الطويلة من خلال إنشاء كيانات محلية (مجالس محلية، خدمات أساسية) لا تعتمد على قرارات المركز.
للقوى الإقليمية (السعودية، الإمارات، إيران، عُمان):
· على السعودية أن تقرر بوضوح: هل تريد سلاماً حقيقياً يتطلب استثماراً سياسياً ومالياً كبيراً، أم فقط إدارة للصراع؟ التردد يطيل الأزمة.
· على الإمارات مراجعة مشروعها في الجنوب: هل تريد الانفصال أم حكماً ذاتياً؟ التوتر مع الرياض في هذا الملف يضعف الموقف الإقليمي الموحد.
· على إيران أن تثبت جدية الاتفاق السعودي-الإيراني بتطبيقه على اليمن، وليس فقط على استرخاء التوتر الثنائي.
للمجتمع الدولي والأمم المتحدة:
· تجاوز أسلوب “المبعوث المنفرد” إلى آليات جماعية متعددة الأطراف تمارس ضغوطاً متوازنة على جميع الأطراف.
· ربط المساعدات الإنسانية والتنموية بخطوات ملموسة نحو السلام ووقف انتهاكات حقوق الإنسان.
· الاعتراف بأن السلام في اليمن ليس مشروعاً تقنياً بل سياسياً، ويحتاج إلى رعاية على أعلى مستوى (كقمة دولية خاصة باليمن).
للمواطن اليمني والمجتمع المدني:
· الاستعداد لمرحلة طويلة من اللا سلام ولا الحرب، عبر بناء شبكات معيشية مجتمعية (تعليم، صحة، زراعة) تقاوم الانهيار الكامل.
· الضغط المستمر على كل الأطراف لفتح الطرقات وتحسين الأوضاع الإنسانية، بعيداً عن الانحياز السياسي.
خاتمة أخيرة
إن مستقبل السلام في اليمن لن يتحدد على طاولة المفاوضات فقط، بل سيتشكل أيضاً من خلال موازين القوى المحلية والتحولات الإقليمية الكبرى التي تعيد رسم خريطة المصالح في المنطقة بأسرها. اليمنيون وحدهم لن يصنعوا السلام دون إرادة إقليمية، لكنهم وحدهم أيضاً قادرون على تعطيل أي حل لا يراعي تعقيدات بلدهم وتنوع مكوناته. الرهان الحقيقي هو على قدرة الوسطاء الإقليميين والدوليين على تحويل “إدارة الصراع” إلى “بناء السلام”، وهذه هي المعضلة الأكبر التي لم تُحل بعد.
* أكاديمي ومحلل سياسي يمني – جامعة تعز.
– المقال يعبر عن رأي الكاتب.


