ترامب وإيران.. هل ينقذ إعلان “النصر وإنهاء الحرب” الحزب الجمهوري أم يعمّق الأزمة؟
أ.د. عبدالوهاب العوج::
يطرح هذا التساؤل فرضية سياسية مثيرة للاهتمام، لكنه يحتاج إلى توسيع الرؤية الجيوسياسية لتشمل ما هو أبعد من الحسابات الانتخابية الأمريكية، لأن أزمة واشنطن مع إيران لا تُختزل في معادلة “النصر أو الهزيمة”، بل ترتبط بإعادة تشكيل النظام الإقليمي بأكمله، كما ترتبط بمستقبل التوازنات الدولية في مرحلة تشهد انتقالاً تدريجياً من الأحادية القطبية إلى تعددية أكثر تعقيداً، تتنافس فيها القوى الكبرى على النفوذ والممرات التجارية ومصادر الطاقة.
أولاً: المعضلة الحقيقية ليست إيران بل صورة القوة الأمريكية
منذ نهاية الحرب الباردة، اعتادت الولايات المتحدة أن تربط شرعيتها الدولية بقدرتها على فرض الإرادة السياسية والعسكرية، لكن منذ حربي العراق وأفغانستان، ثم الانسحاب من كابول، أصبحت واشنطن أكثر حساسية تجاه الحروب المفتوحة طويلة الأمد ولذلك فإن إدارة الرئيس دونالد ترامب لا تواجه فقط سؤال: “هل هُزمت إيران؟” بل سؤالاً أكثر خطورة:
هل ما زالت الولايات المتحدة قادرة على فرض شروطها دون الغرق في حرب استنزاف جديدة؟
هذا السؤال يتجاوز الانتخابات النصفية الأمريكية ليطال مكانة واشنطن العالمية أمام:
· الصين
· روسيا
· القوى الصاعدة في الجنوب العالمي
· الحلفاء التقليديين في أوروبا والخليج
كما أن أي نجاح أو فشل في إدارة الأزمة الإيرانية سيُقرأ دولياً باعتباره مؤشراً على قدرة الولايات المتحدة على إدارة أزمات أخرى أكثر تعقيداً، خصوصاً في شرق آسيا وأوروبا الشرقية.
ولهذا السبب يبدو البيت الأبيض حريصاً على إعلان نجاح سياسي سريع يمنع تحول الأزمة إلى اختبار طويل لمصداقية القوة الأمريكية.
ثانياً: إيران تراهن على عامل الزمن لا على الانتصار العسكري.
من منظور طهران، لا يُشترط تحقيق نصر عسكري مباشر. فالهدف الإيراني التقليدي يقوم على أربعة مرتكزات:
البقاء السياسي للنظام والحفاظ على القدرات النووية الأساسية مع منع فرض شروط استسلام كاملة وترويج خطاب إعلامي محلي واقليمي أن الضغوط الأمريكية لا تستطيع تغيير النظام الإيراني وإذا نجحت إيران في الخروج من الأزمة دون تفكيك كامل لقدراتها النووية أو العسكرية، فإنها ستقدم ذلك داخلياً وخارجياً باعتباره نجاحاً استراتيجياً – حتى لو تعرضت لخسائر كبيرة.
تدرك القيادة الإيرانية أن عامل الزمن كثيراً ما كان أحد أهم عناصر قوتها التفاوضية، إذ تراهن على تغير الإدارات الأمريكية وتبدل الأولويات الدولية وتراجع زخم الضغوط الخارجية بمرور الوقت.
وهنا تظهر المعضلة الأمريكية:
كلما اقتربت واشنطن من التسوية، زادت اتهامات الصقور بأنها منحت إيران فرصة جديدة لإعادة بناء قدراتها.
ثالثاً: الانقسام الجمهوري أعمق من مجرد خلاف حول إيران
الانقسام داخل الحزب الجمهوري لا يتعلق بطهران فقط، بل بصراع فكري حول هوية السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يمكن التمييز بين ثلاثة تيارات رئيسية:
1- الجمهوريون القوميون (ترامب ومجموعة الماجا)
يركزون على:
– الاقتصاد الأمريكي.
– ضبط الحدود
– تقليل الحروب الخارجية
– توجيه الموارد للداخل الأمريكي
2- المحافظون الجدد
(أبرز رموزهم: مايك بومبيو وتيد كروز وغيرهم)
يرون أن:
· الهيمنة الأمريكية تتطلب استخدام القوة
· إيران تمثل تهديداً استراتيجياً طويل الأمد
· أي اتفاق غير شامل يمثل تنازلاً خطيراً
3- التيار الانعزالي الجديد
وهو تيار متنامٍ داخل القاعدة الجمهورية يرفض الإنفاق العسكري الخارجي ويرى أن الأولوية يجب أن تكون للصراع مع الصين والمنافسة الاقتصادية.
هذا الانقسام يجعل أي قرار بشأن إيران مكلفاً سياسياً – مهما كان اتجاهه.
كما أن نتائج الانتخابات النصفية المقبلة ستؤثر بصورة مباشرة على قدرة أي إدارة أمريكية على الاستمرار في سياسة الاحتواء أو الانتقال إلى سياسة أكثر تشدداً، وهو ما يفسر الحساسية الكبيرة تجاه أي تطور ميداني أو تفاوضي في الملف الإيراني.
رابعاً: الخليج العربي بين الارتياح والقلق
دول الخليج العربي تواجه معادلة معقدة؛ فمن جهة ترغب في خفض التوتر العسكري وتحتاج إلى استقرار أسواق الطاقة، وتسعى لجذب الاستثمارات العالمية وتنفيذ مشاريع التحول الاقتصادي الكبرى، ومن جهة أخرى تخشى أن يؤدي أي اتفاق مؤقت إلى إعادة إنتاج الأزمة بعد أشهر أو سنوات.
وهي كذلك تخشى أن تكرر واشنطن نمط الانسحاب التدريجي من التزاماتها الأمنية وتترك دول الخليج العربي في مواجهة إيران.
ولذلك فإن العواصم الخليجية لا تنظر فقط إلى الاتفاق المحتمل، بل إلى مستوى الالتزام الأمريكي المستقبلي بأمن المنطقة، وإلى مدى قدرة أي ترتيبات جديدة على إنتاج توازن مستدام لا ينهار مع أول أزمة إقليمية.
خامساً: إسرائيل والحسابات الأمنية الإقليمية
لا يمكن فهم الموقف الأمريكي من إيران بمعزل عن الحسابات الإسرائيلية. فإسرائيل تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره التهديد الاستراتيجي الأول لأمنها القومي، وتخشى أن يؤدي أي اتفاق جزئي أو مؤقت إلى منح طهران وقتاً إضافياً لتطوير قدراتها.
ومن ثم فإن أي إدارة أمريكية تجد نفسها مضطرة إلى الموازنة بين متطلبات التهدئة الإقليمية وبين الضغوط السياسية والأمنية المرتبطة بالحليف الإسرائيلي، الأمر الذي يزيد من تعقيد عملية اتخاذ القرار في واشنطن.
سادساً: الصين هي المستفيد الهادئ
أحد الجوانب التي غالباً ما تُغفل في النقاش الأمريكي هو أثر الأزمة على الصين.
الصين تستورد جزءاً مهماً من احتياجاتها النفطية من الخليج. أي اضطراب طويل في:
· مضيق هرمز
· البحر الأحمر
· الممرات البحرية الإقليمية
يؤثر مباشرة على الاقتصاد الصيني.
لكن في الوقت نفسه، كلما انشغلت واشنطن بالشرق الأوسط، تراجعت قدرتها على التركيز على المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما يمنح بكين مساحة استراتيجية إضافية.
كما أن الصين تسعى إلى تعزيز صورتها كوسيط دولي قادر على المساهمة في احتواء الأزمات، وهو ما يمنحها مكاسب سياسية ودبلوماسية إضافية في حال تراجعت فاعلية الدور الأمريكي.
ولهذا فإن الصين تفضل غالباً احتواء الأزمة لا تصعيدها.
سابعاً: كأس العالم 2026 كأداة للقوة الناعمة
كأس العالم 2026 ليس مجرد حدث رياضي. بالنسبة لواشنطن يمثل:
· فرصة لتأكيد صورة الاستقرار
· منصة لإبراز القيادة الأمريكية
· مناسبة لجذب الاستثمارات والسياحة
لكن ربط نجاح الحدث بتطورات الشرق الأوسط يحمل مخاطرة كبيرة. فأي أزمة أمنية أو دبلوماسية قد تحول الحدث من منصة دعائية إلى ساحة انتقادات عالمية.
كما أن الإدارة الأمريكية تدرك أن صورة الاستقرار الداخلي والخارجي ستكون جزءاً من الرسالة السياسية التي ترغب في إيصالها للعالم خلال استضافة هذا الحدث العالمي.
ثامناً: السيناريوهات الأكثر ترجيحاً
السيناريو الأول: اتفاق مرحلي مؤقت وهو الأكثر احتمالاً حيث يتم إعلان سياسي أمريكي عن نجاح الجهود العسكرية والتفاوضية ويتم تأجيل الملفات النووية المعقدة مع تخفيف نسبي للتوتر في منطقة الخليج العربي و مضيق هرمز مع حقيقة استمرار الخلافات الجوهرية واحتمالية مرتفعة لأنه يحقق مكاسب مؤقتة لجميع الأطراف.
السيناريو الثاني: تصعيد محدود ومتقطع
· ضربات متبادلة
· ضغوط اقتصادية
· غياب حرب شاملة
هذا السيناريو يسمح للطرفين بالحفاظ على خطوط الردع دون الانزلاق إلى مواجهة كبرى.
السيناريو الثالث: مواجهة واسعة
يبقى الأقل احتمالاً بسبب:
· الكلفة الاقتصادية العالمية
· مخاطر الطاقة
· انعكاساته على الانتخابات الأمريكية
· تأثيره على الاقتصاد العالمي
ورغم أن هذا السيناريو هو الأقل ترجيحاً، إلا أن خطورته تكمن في إمكانية وقوعه نتيجة سوء تقدير أو خطأ في الحسابات العسكرية والسياسية، وليس بالضرورة نتيجة قرار استراتيجي مسبق من أي من الطرفين، و
المعضلة التي يواجهها ترامب ليست في كيفية إعلان النصر فقط، بل في كيفية تعريف النصر أصلاً، ففي الحروب الحديثة، لم يعد النصر يُقاس بعدد الأهداف التي تم تدميرها أو الاتفاقات التي تم توقيعها، بل بقدرة الدولة على تحويل الإنجاز العسكري إلى استقرار سياسي دائم.
إذا كان الاتفاق مجرد هدنة مؤقتة تؤجل الخلافات الأساسية، فقد يحقق مكاسب انتخابية قصيرة الأجل، لكنه لن يحل الأزمة الاستراتيجية بين واشنطن وطهران. أما إذا فشل الاتفاق وعادت دوامة التصعيد، فإن تكلفة الحرب قد تصبح عبئاً انتخابياً واقتصادياً يتجاوز قدرة أي إدارة أمريكية على احتوائه.
وفي جميع الأحوال، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة صياغة قواعد الردع والتوازن الإقليمي، وهي مرحلة لن تُحسم فقط في واشنطن أو طهران، بل ستشارك في تشكيلها أيضاً القوى الإقليمية الكبرى والقوى الدولية الصاعدة.
لذلك فإن السؤال الجيوسياسي الأهم ليس: “هل سيعلن ترامب النصر؟” بل: “هل تستطيع الولايات المتحدة وإيران إنتاج توازن جديد ومستقر في الشرق الأوسط، أم أن المنطقة تتجه إلى دورة جديدة من الصراع المؤجل؟”
- أكاديمي ومحلل سياسي يمني – جامعة تعز.



