صلاح الطاهري::
ثمة نوع من الموت لا تدون تفاصيله تقارير الحروب، ولا تعلن عنه قعقعة السلاح؛ موت صامت، لزج، وخانق، يجتاح بيوت عدن والحديدة في جحيم الصيف.
هناك، حيث تلتف الرطوبة حول أعناق البشر كحبل مشنقة من مسام، وتتحول الجدران الأسمنتية إلى أفران موقدة، يغدو انقطاع الكهرباء حكماً بالإعدام غيابياً، ينفذه الإهمال وتواطؤ الصمت بحق الأجساد المنهكة التي لم يعد يربطها بالبقاء سوى أنفاس متقطعة.
لم يعد الحديث هنا مجرد تباكٍ على خدمة غائبة، أو شكوى تقنية من محولات معطوبة ومخصصات وقود شحيحة؛ إننا أمام جريمة وجودية تُرتكب بدم بارد. حين تتجاوز الحرارة خطوط الاحتمال البيولوجي للبشر، وتكتم الرطوبة أنفاس السهل الساحلي، تصبح النسمة الباردة شريان حياة، ويصبح غيابها مقتلة.
في تلك الغرف المظلمة، يتمدد كبار السن كأشجار يابسة تحتضر، وتتسارع ضربات قلوب مرضى الضغط والسكري في سباق غير متكافئ مع الموت، بينما يكتوي الأطفال بلهيب لا تملك أمهاتهم لدفعه سوى قطع قماش مبللة بدموع العجز.
إن المفارقة الأكثر إيلاماً وجرماً، هي تلك الفجوة السحيقة بين واقع يغلي على أرصفة المعاناة، وبين بلادة بيروقراطية تقبع خلف مكيفات المكاتب العاجية. كم من جثة يجب أن تشيع، وكم من رئة يجب أن تتوقف عن النبض، حتى يدرك سدنة القرار أن الطاقة في ثغور اليمن الساحلية ليست رفاهية تُقسّط بالدقائق والساعات، بل هي الحد الفاصل بين الحياة والقبر؟
إن تحويل قطاع الكهرباء إلى ورقة للمساومات السياسية أو العجز الإداري المزمن، هو تجريد للإنسان من إنسانيته، واستهانة مخزية بأرواح براءتها الوحيدة أنها وُجدت في جغرافيا حارة.
هذه ليست صرخة استجداء، فالشعوب التي تعمدت بالملح والهجير لا تستجدي أحداً؛ بل هي وثيقة إدانة تاريخية نكتبها بمداد من حبر الوجع المراق.
إن الأرواح التي تزهق صامتة في بيوت عدن وأزقة الحديدة ليست مجرد أضرار جانبية لأزمة اقتصادية، بل هي دماء معلقة في رقاب كل مسؤول آثر السلامة في غرفته الباردة بينما شعبه يحترق. أعيدوا للناس أنفاسهم، وكفوا عن تحويل الصيف إلى مقصلة، فإن غضبة المكتوين بالهجير إذا حمت، لن تبقي ولن تذر.