مقالات وأراء

الدولة الاتحادية في اليمن: الفرصة والتحديات

أ.د. عبدالوهاب العوج

لا يمثل الحديث عن الدولة الاتحادية في اليمن مجرد نقاش دستوري أو إداري حول شكل نظام الحكم، بل يرتبط مباشرة بجوهر الأزمة اليمنية وتعقيداتها التاريخية والسياسية والجغرافية. فنجاح أي مشروع اتحادي لا يتوقف على النصوص القانونية وحدها، وإنما على قدرته في معالجة الاختلالات التي ساهمت في إنتاج الصراع، وتحقيق توازن مستدام بين وحدة الدولة والتنوع الاجتماعي والثقافي والجغرافي الذي تتميز به اليمن.

ومن حيث المبدأ، يمكن إعادة ترتيب الحدود الإدارية للأقاليم والمحافظات والمديريات مستقبلاً إذا تم ذلك ضمن إطار دستوري وقانوني متفق عليه، ودون المساس بوحدة الدولة اليمنية أو تحويل عملية إعادة التنظيم الإداري إلى وسيلة للهيمنة أو مدخلاً لمشاريع الانفصال. غير أن هذا الأمر يتطلب أولاً فهماً دقيقاً للفارق بين التقسيم الإداري للدولة من جهة، والبنية القبلية والاجتماعية والموروث الثقافي والشعبي من جهة أخرى.

فالهوية اليمنية تشكلت عبر قرون طويلة من التفاعل بين الجغرافيا والقبيلة والثقافة والتاريخ، وهي هوية جامعة تتسع لتنوعات محلية متعددة ومتداخلة. وقد تمتد القبيلة الواحدة عبر أكثر من محافظة، كما قد تتشارك مناطق متباعدة في العادات والتقاليد والموروث الثقافي رغم وقوعها ضمن وحدات إدارية مختلفة. ولهذا فإن أي تقسيم إداري مستقبلي يجب أن ينظر إلى هذه الحقائق باعتبارها عناصر إثراء للوحدة الوطنية لا عوامل للتجزئة.

ومن الناحية السياسية والإدارية، فإن الحدود ليست مقدسة أو ثابتة إلى الأبد، بل أدوات تنظيمية قابلة للتطوير وفق متطلبات التنمية والتغيرات السكانية والاقتصادية. وقد شهدت العديد من الدول الاتحادية إعادة رسم حدود ولاياتها وأقاليمها لتحقيق كفاءة إدارية أكبر وتحسين الخدمات العامة وضمان عدالة توزيع الموارد. غير أن اليمن يختلف عن كثير من هذه التجارب، لأنه لا يمر بمرحلة إعادة تنظيم إداري في ظل دولة مستقرة، بل يعيش آثار حرب طويلة وانقسام سياسي وعسكري ما زالت تداعياته مستمرة حتى اليوم.

وتكتسب فكرة الدولة الاتحادية أهمية خاصة لأنها لم تكن مشروعاً نظرياً مجرداً، بل جاءت كأحد أبرز مخرجات مؤتمر الحوار الوطني اليمني الذي انعقد خلال الفترة 2013-2014 بمشاركة واسعة من القوى السياسية والاجتماعية. وقد سعى المؤتمر إلى معالجة الاختلالات التاريخية في بنية الدولة اليمنية، وفي مقدمتها قضية الجنوب، ومشكلة التهميش التنموي، وضعف الحكم المحلي، واختلال توزيع السلطة والثروة.

وانتهى المؤتمر إلى تبني مبدأ الدولة الاتحادية باعتباره إطاراً سياسياً وإدارياً قادراً على استيعاب التنوع اليمني وتحقيق شراكة أوسع بين المركز والأقاليم. وانطلقت هذه الرؤية من قناعة بأن المركزية الشديدة التي حكمت اليمن لعقود طويلة أسهمت في تعميق مشاعر التهميش والإقصاء، وأن منح السلطات المحلية صلاحيات أوسع يمكن أن يعزز الاستقرار ويحد من النزعات الانفصالية عبر معالجة أسبابها الحقيقية.

غير أن الانقلاب الحوثي على الدولة في سبتمبر 2014 وما أعقبه من حرب شاملة أدى إلى تعطيل مسار الانتقال السياسي وتجميد تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، بما في ذلك مشروع الدولة الاتحادية. ومنذ ذلك الحين أصبح النقاش حول الفيدرالية مرتبطاً بسؤال أكبر يتعلق بمستقبل الدولة اليمنية نفسها وإمكانية إعادة بناء مؤسساتها.

ولذلك فإن نجاح أي مشروع اتحادي مستقبلي يتطلب مجموعة من الشروط الأساسية.

أولاً: تثبيت الدولة واستعادة مؤسساتها السيادية، إذ لا يمكن إعادة رسم الحدود أو توزيع الصلاحيات في ظل الحرب والانقسام، لأن أي تغيير في هذه الظروف سيُفسر باعتباره محاولة لإعادة توزيع النفوذ السياسي والعسكري لا خطوة إصلاحية تخدم التنمية والاستقرار.

ثانياً: وجود دستور اتحادي مستقر يحدد العلاقة بين المركز والأقاليم ويضبط توزيع الصلاحيات والموارد ويمنع تضارب الاختصاصات أو تحولها إلى مصدر صراع دائم.

ثالثاً: موافقة المجتمعات المحلية على أي تعديلات إدارية مستقبلية من خلال آليات ديمقراطية واضحة تضمن الرضا الشعبي وتحول دون الشعور بالإقصاء أو الإلحاق القسري.

رابعاً: منع الهيمنة السياسية أو الاقتصادية بين الأقاليم، بحيث تقوم الفيدرالية على الشراكة والتكامل لا على احتكار الثروة أو النفوذ.

خامساً: الإبقاء على مرونة التقسيمات الإدارية وإمكانية تطويرها مستقبلاً وفق المتغيرات السكانية والتنموية وبعد موافقة المجتمعات المحلية.

سادساً: الحفاظ على الهوية اليمنية الجامعة باعتبارها الإطار الوطني الأعلى الذي يضم جميع الأقاليم والمحافظات والمكونات الاجتماعية والثقافية.

ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن يُحكم اليمن بالتراضي وبنظام اتحادي متوازن وديمقراطي؟

من الناحية النظرية تبدو الإجابة نعم. فطبيعة اليمن الجغرافية والاجتماعية والتاريخية تجعل من الشراكة والتوافق خياراً أكثر واقعية واستدامة من نماذج المركزية المطلقة أو سياسات الإقصاء. كما أن التنوع القائم يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة واستقرار إذا ما جرى استيعابه ضمن إطار دستوري عادل يضمن المشاركة السياسية والحكم المحلي الفاعل.

أما من الناحية الجيوسياسية، فإن مستقبل الفيدرالية اليمنية يرتبط أيضاً بموقع اليمن الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، وهي ممرات تمثل أهمية حيوية للتجارة الدولية وأمن الطاقة العالمي. ولهذا فإن أي تسوية سياسية مستقبلية لن تكون شأناً يمنياً داخلياً فقط، بل ستتأثر كذلك بحسابات القوى الإقليمية والدولية ومصالحها الأمنية والاقتصادية.

وفي هذا السياق يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل اليمن.

السيناريو الأول يتمثل في استمرار الوضع الحالي بصيغ مختلفة من الانقسام السياسي والعسكري مع بقاء مؤسسات الدولة ضعيفة، وهو سيناريو يطيل أمد الأزمة ويؤخر أي مشروع حقيقي لبناء الدولة الاتحادية.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في محاولات فرض ترتيبات أحادية من قبل أطراف الصراع، سواء عبر المركزية المفرطة أو مشاريع الانفصال أو الهيمنة الإقليمية ولنا في انقسام الصومال المجاور لليمن خير مثال. وهذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة لأنه يعيد إنتاج أسباب الصراع بدلاً من معالجتها.

أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر واقعية وترجيحاً على المدى المتوسط، فيقوم على تسوية سياسية شاملة تؤدي إلى إعادة بناء الدولة اليمنية وفق صيغة اتحادية أو لامركزية واسعة الصلاحيات. ولن يكون ذلك عبر انتقال مفاجئ أو سريع، بل من خلال مراحل متدرجة تبدأ بوقف شامل للحرب، ثم بناء مؤسسات الدولة، وإعادة توحيد المؤسسات العسكرية والمالية، يلي ذلك تطبيق تدريجي للحكم المحلي الموسع وصولاً إلى نموذج اتحادي متوافق عليه وطنياً.

ويبدو هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً لأن معظم القوى اليمنية والإقليمية، رغم اختلافاتها، تدرك أن العودة إلى المركزية المطلقة أصبحت شبه مستحيلة، كما أن الانفصال الكامل يواجه تحديات داخلية وإقليمية ودولية كبيرة وعليه يجب النظر الى تجارب دول مجاورة مثل الانقسام في الصومال او التجربة الفيدرالية في اثيوبيا او التجربة الإماراتية. ولذلك فإن الحل الوسط القائم على وحدة الدولة مع توزيع أوسع للسلطة والصلاحيات يظل الخيار الأكثر قابلية للحياة والاستمرار.

وفي المحصلة، فإن مستقبل اليمن المستقر قد يكمن في معادلة تجمع بين وحدة الدولة اليمنية، والاتحاد المتوازن أو اللامركزية الواسعة، والديمقراطية التوافقية، والمواطنة المتساوية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة. وعندها فقط تصبح الأقاليم والمحافظات أدوات لتنظيم الإدارة وتحقيق التنمية، لا أدوات للصراع على النفوذ أو مقدمات للتفكك والانقسام.

إن نجاح مشروع الدولة الاتحادية في اليمن ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية وطنية تتجاوز منطق المحاصصة والصراع نحو منطق الدولة والمواطنة والشراكة، فبدون تثبيت الدولة، ووجود دستور مستقر، وموافقة المجتمعات المحلية، ومنع الهيمنة، والحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة، ستبقى الفيدرالية مجرد فكرة مؤجلة، أما إذا توفرت هذه الشروط فإنها قد تصبح الإطار الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية والحفاظ على وحدة اليمن في المستقبل.

* محلل سياسي يمني.

جامعة تعز.

المقالة تعبر عن وجهة نظر الكاتب.

محمد عبده

About Author

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *