القضية الجنوبية: هل يمكن لرشاد العليمي أن يوضح لنا ما هي القضية الجنوبية العادلة؟
د. عادل الشجاع
د. عادل الشجاع::
في كل مرة يعاد فيها طرح القضية الجنوبية باعتبارها أولوية سياسية، يتكرر السؤال ذاته دون إجابة واضحة: ما هي هذه القضية تحديدا؟ وأي تعريف يراد لها أن يستقر في وعي الناس؟ وهل نحن أمام قضية سياسية، أم اقتصادية، أم اجتماعية… أم أمام عنوان فضفاض يستخدم لتبرير الفشل وإدامة الأزمات؟.
لقد آن الأوان لإعادة تعريف الأمور كما هي، لا كما يراد لها أن تقدم. حين تختزل القضية الجنوبية في خطاب عاطفي بلا مضمون محدد، فإنها تفقد معناها الحقيقي، وتتحول من قضية إلى أداة سياسية قابلة للاستخدام في كل الاتجاهات. وهذا ما حدث بالفعل. فبدل أن تكون إطارا لمعالجة مظالم حقيقية، أصبحت شماعة تعلق عليها كل الإخفاقات، ووسيلة للابتزاز السياسي والارتزاق..
إذا كانت القضية سياسية، فكيف يمكن تفسير أن العاصمة المؤقتة عدن أصبحت مركز القرار، وأن جزءا كبيرا من مؤسسات الدولة، بما فيها الحكومة والسلك الدبلوماسي، يهيمن عليها أبناء المحافظات الجنوبية؟
وإذا كانت اقتصادية، فكيف يبرر أن آلاف الجنود والموظفين في الشمال والغرب محرومون من رواتبهم، بينما تصرف رواتب متعددة لمليشيات، دون رقابة أو عدالة؟.
وإذا كانت اجتماعية، فهل المعاناة حكر على منطقة دون أخرى، أم أن الفساد والحرمان باتا عنوانا مشتركا لكل اليمنيين؟ الحقيقة التي يتم تجاهلها عمدا هي أن ما يسمى“القضية الجنوبية” لم يعد توصيفا دقيقا للمشكلة، بل غطاء لها..
القضية الحقيقية اليوم ليست جنوبا في مواجهة شمال، ولا مظلومية منطقة دون أخرى. القضية الحقيقية هي غياب الدولة: غياب المؤسسات، غياب القانون، غياب العدالة، وغياب الإرادة السياسية لمواجهة الفساد. هذه هي المعضلة التي يعاني منها الجميع دون استثناء..
حين تغيب الدولة، تتحول القضايا العادلة إلى أدوات بيد القوى المتصارعة. وحين يغيب القانون، يصبح الفساد نظاما ، والولاء بديلا عن الكفاءة، والفوضى بديلا عن الاستقرار. وحين تدار الأزمات بدل حلها، يصبح استمرار المعاناة مصلحة لمن يقتاتون عليها..
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في تكرار الشعارات، بل في تقديم تعريف واضح وصريح: ما هي القضية الجنوبية؟ ما حدودها؟ وما هو مشروع الحل لها؟
أما الاستمرار في إبقائها عنوانا غامضا، فهو ليس إلا هروبا من مواجهة الحقيقة..
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: لا يمكن حل أي قضية، جنوبية كانت أو غيرها، في ظل غياب الدولة.
ولا يمكن تحقيق عدالة، في ظل منظومة قائمة على الفساد والمحاصصة. ولا يمكن استعادة ثقة الناس، بينما تستخدم معاناتهم كورقة سياسية..
اليوم، لم يعد أمام مجلس القيادة والحكومة ترف المناورة. هناك خياران لا ثالث لهما: إما مشروع دولة، يقوم على المؤسسات والقانون والمساءلة، أو مشروع فوضى، تدار فيه الأزمات وتُستثمر فيه المعاناة. أما إعادة تدوير الخطاب ذاته، فلن ينتج إلا مزيدا من الانهيار ومزيدا من الظلم..