صلاح الطاهري::
لم يعد خافياً على ذي بصيرة أن الضجيج الذي يملأ ساحات صنعاء المختطفة وبعض المحافظات الواقعة تحت قبضة مليشيا الحوثي، والمغلَّف بشعارات دينية متخمة بالقداسة المصطنعة، ليس سوى صدى ارتطام مشروع الهيمنة الإيرانية بجدار الواقع الصلب.
فاليوم، وبينما تتصدع أركان النظام في طهران وتتبدد الرموز التي طالما استمد منها عبد الملك الحوثي وهج خطابه وسلطته المتخيلة، يبدو خطاب “سيد الكهف” مثقلاً بنبرة انكسار خفي، تحاول العنتريات اللفظية إخفاءه دون جدوى.
لقد خفتت تلك النبرة المتعالية التي كانت تملأ الفضاء ضجيجاً، وحلّ محلها قلق وجودي يشي بأن المظلة التي احتمت بها المليشيا لسنوات بدأت تتمزق، تاركة إياها أمام مواجهة مباشرة مع واقع داخلي مأزوم وشعب يزداد وعياً، في ظل صمت إقليمي لم يعد متحمساً لمد طوق النجاة.
وفي هذا السياق، تبدو الدعوات المتكررة للاحتشاد تحت لافتة ذكرى غزوة بدر أقرب إلى محاولة إنعاش معنويات قيادة عصابة مأزومة، لا أكثر.
فالمشهد برمّته يعكس استمراراً لنهج الدجل الخميني الذي يسعى إلى تحويل اليمني المثقل بالفقر والمرض والجهل إلى وقود رمزي لمعركة لا تعنيه، سوى بقدر ما تُبقي المليشيا متربعة على صدره.
والمفارقة المؤلمة أن المواطن في مناطق سيطرة هذه المليشيات يعيش واحدة من أقسى المراحل الاقتصادية والإنسانية في تاريخ اليمن المعاصر؛ حيث تتآكل فرص الحياة الكريمة يوماً بعد آخر، بينما تُستدعى الجماهير إلى الساحات لتجديد الولاء لشعارات لا تطعم جائعاً ولا تعالج مريضاً.
ومع ذلك، يصر الحوثي على قيادة جموع من قطيع المغيبين نحو سراب نصر موهوم، متناسياً أن التاريخ لا يرحم من يختطف أوطاناً ويقايض مستقبلها بمشاريع عابرة للحدود.
فدماء اليمنيين، وحقوقهم المنهوبة، ستظل شاهداً ثقيلاً على مشروع استبدل الدولة بالعصابة، والجمهورية بالولاية، والعيش الكريم بخرافة مؤدلجة.
إن الارتباك الذي يتسلل اليوم إلى ثنايا خطاب زعيم المليشيا ليس إلا نتيجة طبيعية لانهيار الأوهام التي غذّت هذا المشروع لسنوات.
وهو مؤشر واضح على أن زمن المتاجرة بالقضايا الكبرى بدأ يفقد بريقه، وأن اليمن – بوعي أبنائه – لم يعد مستعداً ليبقى ساحة خلفية لتصفية حسابات إقليمية، ولا مسرحاً لمواكب الحشد التي لا تنتج سوى المزيد من الجوع والخوف والعزلة.
هكذا تتكشف الحقيقة تباعاً…
مليشيا محاصرة بين مطرقة الواقع القاسي وسندان وعي شعبي يتنامى بصمت.
ومع كل يوم يمضي، يتضح أن القناع الذي أخفى وجه الخرافة طويلاً لم يعد قادراً على الصمود أمام أسئلة الناس البسيطة… أين الدولة؟ اين النصر والتمكين
وأين الحياة التي وُعدوا بها؟