أمجد فائد العبسي::
يقول أحدُ المتحسّبين لأنفسهم من مثقّفي صنعاء أولئك الذين لبِسوا ثوب الثقافة وما هم لها بأهل بعد الانتصارات المتلاحقة والتقدّم الذي تحقّقه الحكومة الشرعية وقوات العمالقة ودرع الوطن في كل الجبهات:
“اليمن محرّمةٌ عليكم!”
يتحدّث وكأنّ اليمنَ إرثٌ أبويٌّ اختصّ به هو وأمثالُه، وكأنّنا لسنا يمنيين، بل غرباءُ عن هذه الأرض، لا حقّ لنا في ترابها ولا في سمائها لم يكتفِ بذلك، بل أردف شتمًا وتخوينًا، وكأنّ لسانَه ميزانُ الوطنية الوحيد، وقلبَه ديوانُ الأحكام على العباد.
وهذا هو الجانب “المثقّف” فيهم! رجلٌ يجهل أنّ الثقافة نورٌ لا حجاب، وأنّها سعةُ أفقٍ لا ضيقُ عقل يجهل أنّ الأوطان لا تُورَث كالمتاع، بل تُبنى بالأرواح، وتُصان بالدماء، ويتقاسمها أبناؤها جميعًا، لا يستأثر بها فئامٌ دون فئام.
لكنّه لا يعلم والجاهل لا يعلم أنّنا عائدون إلى صنعاء، عائدون لا زائرين ولا مستأذنين، بل فاتحين قلوبَنا قبل أبوابها. سنعود إليها كما يعود النهرُ إلى مصبّه، وكما تعود الحقولُ إلى أمطارها سنحتسي الشاي على ساحاتها، لا شايَ الضيافة، بل شايَ النصر، وسنترنّم بالقصائد فوق أكبر مسارحها، لا قصائدَ الحنين، بل أناشيدَ التحرير.
فالوطنُ يا سادةُ ليس كرسيًّا يُحتكر، ولا ميكروفونًا يُختطَف، بل هو ذاكرةٌ جماعيةٌ لا يمحوها متسلّط، وحقٌّ لا يُلغيه شاتم، وشمسٌ لا يحجبها تخوين.
وما ضاع حقٌّ وراءه مطالبُ… ولا سقط وطنٌ وقفَ أبناؤه صفًّا واحدًا.