حول خطاب العميد أحمد علي عبدالله صالح المقال الأول (١-٤)
* عادل حسين ضيف الله::
ليس من السهل أن نتحدث عن خطاب العميد/ أحمد علي عبدالله صالح، خصوصًا عندما يكون الخطاب صادرًا في مناسبة ترتبط بتاريخ تنظيم سياسي كبير بحجم المؤتمر الشعبي العام، وفي مرحلة سياسية شديدة التعقيد كالتي تمر بها اليمن اليوم .
لكننا، في هذه السلسلة، لا نريد أن ننطلق من موقف مسبق، لا مع الخطاب ولا ضده، ولا نريد أن نحوله إلى مناسبة للمديح أو الخصومة .
نريد ببساطة أن نقرأ الخطاب كما قيل، وأن نتوقف عند رسائله، ثم نضع كل رسالة في سياقها السياسي والتاريخي، ونناقشها بصراحة وهدوء ووضوح .
وهذا هو الهدف من عنواننا:
“سنتحدث بصراحة حول خطاب العميد أحمد علي عبدالله صالح” .
فالصراحة التي نعنيها ليست صراحة الخصومة، كما أنها ليست صراحة المجاملة؛ وإنما هي صراحة المؤرخ الذي يحاول أن يفرق بين الوقائع والتقديرات، وبين التاريخ والسياسة، وبين ما يقوله صاحب الخطاب وما قد يحاول الآخرون أن يجعلوه يقول .
والخطاب الذي جاء في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام لم يكن مجرد تهنئة بالمناسبة، بل حمل جملة من الرسائل السياسية والتنظيمية والوطنية التي تستحق التوقف عندها .
وقد تناول بالفعل قضايا استعادة الدولة، وإنهاء الانقسام، وتوحيد القوى المناهضة للحوثيين، والقرار الوطني، وأداء مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، إلى جانب قضايا المؤتمر والوحدة اليمنية وبناء مؤسسات الدولة .
ومن هنا سنبدأ .
أولًا: الرسائل الأربع عشرة في الخطاب
لن نتناول في هذا المقال كل ما يمكن أن يقال عن الخطاب، ولن نستبق القضايا التي سنخصص لها المقالين الثالث والرابع، وإنما سنكتفي في هذه الحلقة برصد الرسائل الأساسية التي حملها الخطاب، واحدة بعد أخرى، حتى يكون القارئ أمام صورة متكاملة قبل أن نبدأ مرحلة التحليل والتقييم .
الرسالة الأولى: استعادة تاريخ المؤتمر الشعبي العام
الرسالة الأولى التي يمكن التقاطها من الخطاب هي العودة إلى المؤتمر الشعبي العام بوصفه تنظيمًا سياسيًا وطنيًا له تاريخ وتجربة ومشروع، وليس مجرد إطار سياسي مرتبط بشخص أو مرحلة زمنية محددة .
وهنا تبرز أهمية التوقف عند هذه النقطة؛ لأن فهم المؤتمر لا يمكن أن يبدأ من الأحداث الراهنة فقط، وإنما من الظروف التي نشأ فيها، والأهداف التي أعلنها، والمراحل التي مر بها منذ تأسيسه .
وهذه النقطة تحديدًا ستكون محور المقال الثاني من هذه السلسلة .
الرسالة الثانية: المؤتمر أكبر من شخص علي عبدالله صالح:
من الرسائل اللافتة في الخطاب أن المؤتمر يُقدَّم باعتباره تنظيمًا وطنيًا يتجاوز الأشخاص، حتى وإن ارتبط تاريخ تأسيسه وقيادته الأولى بشخص الرئيس الراحل/ علي عبدالله صالح .
وهذه مسألة تستحق النقاش؛ لأن هناك فرقًا بين الاعتراف بالدور التاريخي لشخصية قيادية في تأسيس التنظيم وقيادته، وبين اختزال التنظيم كله في تلك الشخصية .
ومن هنا سنحتاج لاحقًا إلى العودة إلى الوثائق والتاريخ، لمعرفة كيف نشأ المؤتمر، وكيف تطورت بنيته، وكيف أصبح تنظيمًا سياسيًا واسعًا ضم أطيافًا متعددة من المجتمع اليمني .
الرسالة الثالثة: الاعتراف بأن المؤتمر يمر بأزمة داخلية:
الرسالة الثالثة تتمثل في التعامل مع واقع المؤتمر باعتباره يمر بمرحلة صعبة، وأن الانقسام الذي أصاب الساحة اليمنية انعكس بصورة مباشرة على التنظيم .
وهنا لا يمكن أن نتجاهل أن المؤتمر، منذ أحداث 2011 ثم التحولات اللاحقة، واجه ظروفًا سياسية وتنظيمية استثنائية، ثم جاءت أحداث ديسمبر 2017 لتفتح مرحلة جديدة من الانقسام والتعدد في مراكز القيادة والتعبير السياسي باسم المؤتمر .
ولذلك فإن الحديث عن مستقبل المؤتمر لا يمكن أن يكون منفصلًا عن سؤال وحدته التنظيمية والسياسية .
الرسالة الرابعة: الانتقال من الماضي إلى المستقبل:
من الرسائل المهمة في الخطاب الدعوة إلى تجاوز خلافات الماضي وعدم السماح لها بأن تصبح عائقًا أمام المستقبل .
وهذه رسالة سياسية تتجاوز المؤتمر نفسه؛ لأنها موجهة، بصورة أو بأخرى، إلى مختلف القوى اليمنية .
فاليمن اليوم لا يعيش أزمة تاريخية واحدة، وإنما تراكمات من الصراعات والانقسامات جعلت الماضي حاضرًا في كل نقاش سياسي تقريبًا .
ولهذا فإن الدعوة إلى الانتقال من الماضي إلى المستقبل تحتاج إلى ترجمة سياسية عملية، لا أن تبقى مجرد شعار .
الرسالة الخامسة: استعادة الدولة:
استعادة الدولة جاءت في قلب الخطاب، وهذه ليست عبارة عابرة؛ لأنها تعكس رؤية تعتبر أن جوهر الأزمة اليمنية يتمثل في انهيار مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة والقرار .
فالحديث عن استعادة الدولة يعني، بالضرورة، الحديث عن مؤسسات دستورية، وقوات مسلحة وأمنية، وسلطة قانون، وقرار سياسي واضح، ومؤسسات تعمل من داخل الوطن .
وهذه من أهم القضايا التي سنعود إليها بتفصيل أكبر في المقال الثالث .
الرسالة السادسة: مواجهة المشروع الحوثي:
الرسالة السادسة تتمثل في التأكيد على مواجهة جماعة الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب .
لكن اللافت أن الخطاب لا يطرح المواجهة باعتبارها مهمة عسكرية فقط، بل يربطها بتوحيد القوى المناهضة للحوثيين وتجاوز الخلافات بينها .
وهنا تظهر معادلة مهمة:
انه لا يمكن بناء جبهة قوية لاستعادة الدولة في ظل استمرار الانقسام بين القوى التي تقول إنها تريد استعادتها .
الرسالة السابعة: بناء تحالف وطني واسع:
من أبرز ما حمله الخطاب الدعوة إلى جبهة وطنية واسعة تضم القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية المناهضة للحوثيين .
وهذه الرسالة تنقل النقاش من فكرة تحالف ضيق بين أطراف محددة إلى تصور أوسع يقوم على جمع أكبر قدر ممكن من القوى تحت هدف وطني مشترك .
لكن السؤال الذي سيبقى مطروحًا هو:
هل يمكن بناء مثل هذا التحالف في ظل تعدد المشاريع السياسية والعسكرية وتباين المصالح بين القوى المناهضة للحوثيين؟
وهذا سؤال سنعود إليه عندما نناقش أهم ثلاث قضايا في الخطاب .
الرسالة الثامنة: نقد أداء مجلس القيادة الرئاسي والحكومة:
هنا يدخل الخطاب إلى مساحة أكثر حساسية .
فقد وجّه انتقادات واضحة إلى أداء مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، ودعا إلى العودة إلى الداخل، والانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل، وربط قوة الشرعية بحضورها بين المواطنين وقدرتها على تلبية احتياجاتهم .
وهذه الرسالة تحديدًا لن نحكم عليها في هذا المقال .
سنؤجلها إلى المقال الرابع، لأننا نريد أن نناقشها بعيدًا عن الانفعال، وبعيدًا عن الدفاع عن الشرعية أو الهجوم عليها .
الرسالة التاسعة: القرار الوطني المستقل:
الرسالة التاسعة تتعلق بالسيادة والقرار الوطني .
فالخطاب يضع مسألة القرار الوطني المستقل في قلب الحديث عن مستقبل اليمن، ويربطها ببناء دولة قوية ومؤسسات وطنية .
وهذه قضية بالغة الحساسية؛ لأن اليمن خلال السنوات الماضية أصبح ساحة تتداخل فيها عوامل داخلية وإقليمية ودولية متعددة .
ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:
هل نريد قرارًا وطنيًا مستقلًا؟
وهو سؤال يكاد يجمع عليه الجميع .
بل السؤال الأصعب هو:
كيف يمكن تحقيق هذا الاستقلال في ظل واقع سياسي وعسكري واقتصادي شديد التعقيد؟ وامور اخرى سياسية اكثر اهمية سنتحدث عنها لاحقا .
الرسالة العاشرة: جيش وأمن بعقيدة وطنية:
من الرسائل الأساسية في الخطاب الدعوة إلى بناء قوات مسلحة وأمنية موحدة، ذات عقيدة وطنية، وولاء للدولة والجمهورية والدستور .
وهذه النقطة في غاية الأهمية؛ لأن الدولة لا تستطيع أن تستعيد عافيتها في ظل تعدد التشكيلات المسلحة وتعدد مراكز القرار العسكري والأمني .
فالجيش الوطني ليس مجرد قوة عسكرية، وإنما إحدى أهم أدوات بناء الدولة .
الرسالة الحادية عشرة: الوحدة اليمنية:
الرسالة الحادية عشرة ترتبط بالوحدة اليمنية، فالخطاب ينظر إلى الوحدة باعتبارها إنجازًا تاريخيًا ينبغي الحفاظ عليه، لكنه يربط الحفاظ عليها ببناء دولة عادلة، وشراكة وطنية حقيقية، وسيادة القانون .
وهنا تظهر نقطة تستحق نقاشًا هادئًا: وهي أن الوحدة لا يمكن أن تكون مجرد شعار سياسي، كما أن الدفاع عنها لا يكون فقط بالخطاب؛ وإنما بقيم العدالة والمواطنة والشراكة والحقوق ، وهذه قضية سنترك مساحة أوسع لها في المقالات القادمة .
الرسالة الثانية عشرة: تجاوز لغة الصراع القديم
الرسالة الثانية عشرة هي الدعوة إلى تجاوز لغة الثأر السياسي والانقسامات القديمة، وهذه رسالة مهمة في بلد أنهكته الصراعات؛ لأن استمرار استدعاء الخصومات القديمة بصورة دائمة يجعل كل محاولة لبناء المستقبل أسيرة للماضي؟ لكن تجاوز الماضي لا يعني محوه أو إنكار أخطائه .
وهنا يأتي الفرق بين التصالح مع التاريخ وإعادة كتابة التاريخ .
الأول ضرورة لبناء المستقبل، أما الثاني فخطر على الذاكرة الوطنية .
الرسالة الثالثة عشرة: حضور علي عبدالله صالح في الذاكرة السياسية للمؤتمر:
لا يمكن قراءة خطاب أحمد علي عبدالله صالح بمعزل عن حضور الرئيس الراحل/ علي عبدالله صالح في تاريخ المؤتمر الشعبي العام، فالخطاب يستعيد بصورة واضحة الدور التاريخي للقيادات المؤسسة للمؤتمر، وفي مقدمتها علي عبدالله صالح وعارف الزوكا وغيرهما .
وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين:
الأول هو التوثيق التاريخي للدور الذي قام به هؤلاء في تأسيس المؤتمر وقيادته .
والثاني هو تقييم تجربة حكم علي عبدالله صالح نفسها .
وهما موضوعان مختلفان، ولا ينبغي أن نخلط بينهما .
الرسالة الرابعة عشرة: المؤتمر أمام مرحلة جديدة:
أما الرسالة الرابعة عشرة، وربما الأوسع دلالة سياسيًا، فهي أن المؤتمر الشعبي العام يقف أمام مرحلة جديدة، وأن عليه أن يستعيد دوره في الحياة السياسية والوطنية .
وهذا يعني أن الحديث عن المؤتمر لم يعد مجرد استعادة للماضي، وإنما محاولة لطرح سؤال المستقبل: ما الذي يستطيع المؤتمر أن يقدمه لليمن في المرحلة القادمة؟
وهنا، بطبيعة الحال، يبرز سؤال آخر أكثر حساسية:
ومن يقود هذا الدور؟ وكيف يمكن إنهاء الانقسام المؤتمري؟
وهو سؤال لا نريد أن نستعجل الإجابة عنه في هذه الحلقة .
ولماذا توقفنا عند الرسالة الرابعة عشرة؟
تعمدنا هنا أن نتوقف عند الرسائل الأربع عشرة، لأن هناك نقطتين أخريين في الخطاب ــ الخامسة عشرة والسادسة عشرة ــ سنتركهما لمرحلة لاحقة من هذه السلسلة، والسبب بسيط:
هو اننا لا نريد أن نحشد كل شيء في مقال واحد .
هذه السلسلة ليست تعليقًا سريعًا على خطاب سياسي، وإنما محاولة لقراءة خطاب له أبعاده التاريخية والتنظيمية والسياسية .
ولذلك سنمضي خطوة خطوة .
فالرسائل الأربع عشرة التي تناولناها الآن تعطينا الخريطة العامة، لكنها لا تكفي وحدها لإصدار حكم على الخطاب .
وهنا تبدأ المرحلة الأهم. من الخطاب إلى التاريخ
قبل أن نحكم على ما قاله أحمد علي عبدالله صالح عن المؤتمر الشعبي العام، علينا أولًا أن نعرف:
– كيف تأسس المؤتمر؟
ولماذا تأسس؟
– ومن شارك في مرحلة التأسيس؟ وما الظروف السياسية التي أحاطت بتكوينه؟
– وهل كان المؤتمر منذ البداية حزبًا سياسيًا بالمعنى التقليدي، أم تنظيمًا سياسيًا وطنيًا ذا صيغة مختلفة؟
– وكيف انتقل من مرحلة التأسيس إلى المشاركة في إدارة الدولة؟ وكيف تعامل مع التعددية السياسية؟
– وكيف تطور أداؤه بعد قيام الوحدة اليمنية؟
– وكيف كانت علاقته ببقية القوى السياسية؟
– ثم كيف وصل إلى مرحلة 2011، وما الذي حدث له بعد ذلك حتى وصل إلى الانقسام الذي نراه اليوم؟
هذه الأسئلة لا يمكن تجاوزها إذا أردنا أن نفهم الخطاب بصورة صحيحة، وحتى نناقشة بهدؤ .
وهنا تبدأ حكاية المقال الثاني – في المقال القادم لن نتحدث عن أحمد علي عبدالله صالح .
سنضع الخطاب جانبًا قليلًا، ونعود إلى الوراء، سنعود إلى المؤتمر الشعبي العام منذ إرهاصات التأسيس، ثم إعلان تأسيسه، ثم تطور أدائه السياسي والتنظيمي، والمراحل التاريخية التي مر بها، حتى نصل إلى التحولات التي أعادت تشكيله .
لأننا نؤمن بأن:
من أراد أن يفهم حاضر المؤتمر، فعليه أولًا أن يعرف كيف وُلد المؤتمر وكيف تطور .
وعندها فقط نستطيع أن نعود إلى خطاب أحمد علي، لا لنقرأ كلماته مجردة، وإنما لنضعها في مكانها الصحيح من تاريخ التنظيم الذي تحدث باسمه .
وهنا نلتقي في المقال الثاني:
“المؤتمر الشعبي العام… من التأسيس إلى التحولات: كيف بدأ؟ وكيف تطور أداؤه السياسي؟” .
يتبع (٢-٤)
الخميس ٢٧ أغسطس ٢٠٢٦م


