العراق بين حصر السلاح وولاء القرار: اختبار السيادة في متاهة الداخل والإقليم
أ.د.عبدالوهاب العوج – أكاديمي ومحلل سياسي.
لم يعد ملف سلاح الفصائل المسلحة في العراق مجرد قضية أمنية داخلية، بل تحول إلى اختبار حقيقي لسيادة الدولة العراقية وقدرتها على احتكار القوة العسكرية، وإلى أحد أكثر الملفات حساسية في تشابك العلاقات بين بغداد وواشنطن وطهران.
فالحكومة العراقية حددت 30 سبتمبر/أيلول 2026 موعداً لإنهاء ملف السلاح خارج المؤسسات الرسمية، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي، لكن التطورات الأخيرة تكشف أن الوصول إلى هذا الهدف لن يكون سهلاً، خصوصاً مع رفض بعض الفصائل تسليم سلاحها فعلياً، ومحاولتها الانتقال من مفهوم “التسليم” إلى مفهوم “تنظيم السلاح” أو تجميد نشاطه مؤقتاً.
أولاً: لماذا تتمسك الفصائل بسلاحها؟ الأبعاد الثلاثة الكلاسيكية
يمكن فهم تمسك بعض فصائل الحشد الشعبي بالسلاح من خلال ثلاثة اعتبارات متداخلة: البعد الأمني المرتبط بمواجهة الإرهاب، والبعد السياسي المرتبط بالنفوذ والقدرة على الضغط، والبعد الإقليمي المرتبط بإيران التي تنظر إلى بعض هذه الفصائل باعتبارها عمقاً استراتيجياً وأداة ردع في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
وهنا تكمن جوهر المشكلة: هل الحشد الشعبي قوة عراقية وطنية خاضعة بالكامل لقرار الدولة، أم أن بعض فصائله يحتفظ بقرار عسكري مستقل عن بغداد؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان العراق يمتلك فعلاً احتكاراً وطنياً للقوة، أم أن لديه مؤسسات رسمية تتعايش مع مراكز قوة مسلحة موازية.
ثانياً: قراءة نقدية للموقف الإيراني: بين القبول الظاهري والتمسك الجوهري
يصعب تحليل الملف دون التوقف عند الدور الإيراني، لكن الموقف الإيراني ليس أحادياً كما قد يبدو. فطهران لا تستطيع رفض مبدأ حصر السلاح بيد الدولة العراقية علناً، لأن ذلك سيضعها في مواجهة مباشرة مع الحكومة العراقية والقوى السياسية نفسها.
لذلك انتقلت المعركة إلى الخلاف حول “كيفية” التنفيذ و”أين” يكون السلاح.
ويأتي الحديث عن إطار قانوني ينظم السلاح في هذا السياق؛ إذ إن القضية الجوهرية ليست فقط تسجيل السلاح إدارياً، وإنما ضمان أن تكون أوامر استخدامه صادرة حصراً عن القيادة العراقية الرسمية.
فإذا بقي السلاح ضمن هيئة الحشد من الناحية القانونية، بينما بقي القرار العسكري الفعلي مرتبطاً بقيادات حزبية أو عقائدية أو خارجية، فإن الدولة تكون قد حققت الدمج الشكلي دون أن تحقق الدمج الحقيقي.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الخلاف: هل المطلوب دمج المقاتل في مؤسسات الدولة، أم دمج القرار العسكري نفسه في الدولة؟
ثالثاً: الخريطة الداخلية المفقودة: ليست إيران فقط، بل صراع شيعي-شيعي معقد
إن اختزال الأزمة في الصراع الأميركي-الإيراني يغفل البعد الأكثر حساسية: البيت الشيعي الداخلي.
فالساحة العراقية ليست موحدة خلف إيران، والمشهد يشهد تعقيدات جوهرية، منها:
المرجعية الدينية في النجف: التي أكدت في مواقف متعددة ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وهو موقف يمنح الحكومة العراقية غطاءً دينياً ووطنياً مهماً في أي عملية لإعادة تنظيم السلاح.
التيار الصدري: ورغم مواقفه السياسية المتقلبة، فإنه يمثل قوة جماهيرية كبيرة ويستخدم ملف الفصائل المسلحة ونزع السلاح في الصراع السياسي على النفوذ والزعامة داخل الساحة الشيعية.
انقسامات الإطار التنسيقي نفسه: فليس كل مكوناته متجانسة في رؤيتها لدور الفصائل المسلحة أو علاقتها بإيران. وهناك قوى ترى أن استمرار السلاح المنفلت يضر بمصالح الدولة ويحد من قدرة الحكومة على إدارة القرار الأمني.
ومن هنا فإن ملف السلاح ليس مجرد مواجهة بين بغداد والفصائل، وإنما جزء من صراع أوسع على تعريف الدولة العراقية نفسها ومن يملك القرار داخلها.
رابعاً: الموعد الأهم 30 سبتمبر.. هل هو ساعة الصفر أم بداية للمساومات؟
في التحليل السياسي العراقي، لا بد من التمييز بين “الموعد الرسمي” و”الحقيقة السياسية”.
إن التعامل مع 30 سبتمبر باعتباره حداً فاصلاً وحتمياً قد يكون قراءة سطحية؛ فالتجربة العراقية علمتنا أن المواعيد السياسية والأمنية الكبرى قد تتحول إلى أسقف تفاوضية تستخدم لكسب الوقت وفرض شروط جديدة.
وقد تتحول المعركة بعد هذا التاريخ من سؤال “تسليم أو عدم تسليم” إلى سؤال أكثر تعقيداً: ما هي آليات التسليم؟ ومن يشرف عليه؟ وما مصير المقاتلين؟ ومن يضمن مستقبل الفصائل السياسي والمالي؟
ولهذا قد يكون 30 سبتمبر بداية لمرحلة جديدة من المفاوضات أكثر من كونه نهاية نهائية للملف.
خامساً: الاقتصاد والرواتب كمفتاح للحل وليس فقط القوة
يتحدث المحللون كثيراً عن القيادة والسيطرة، لكنهم يغفلون البعد المادي.
فالحشد الشعبي أصبح جزءاً مهماً من بنية الدولة العراقية المالية والأمنية، كما تمتلك بعض الفصائل شبكات اقتصادية ومصالح مالية واسعة.
وكثير من قادة الفصائل لا يتمسكون بالسلاح لأسباب عقائدية فحسب، بل لأنه يمثل مصدر نفوذ ومكانة ومصالح اقتصادية لآلاف المقاتلين والقيادات المحيطة بهم.
وبالتالي فإن أي عملية ناجحة لحصر السلاح يجب أن تكون مصحوبة بحزمة حوافز مالية وتقاعدية شاملة، وإعادة هيكلة للرواتب، وضمانات للمقاتلين الذين سيبقون داخل المؤسسات الرسمية، مع تفكيك شبكات الاقتصاد الموازي المرتبطة بالسلاح.
إن تجاهل هذا البعد سيجعل أي حل أشبه بمعالجة للعرض وليس للمرض.
سادساً: تفكيك الحشد.. ليس كياناً واحداً بل تحالفات متعددة
أحد الأخطاء المنهجية في تحليل الملف هو التعامل مع “الحشد الشعبي” ككتلة واحدة متماسكة.
والحقيقة أن الخريطة أكثر تشظياً، ويمكن التمييز بين اتجاهات وفصائل تختلف في درجة ارتباطها بإيران وفي موقفها من الدولة.
فهناك فصائل أكثر تشدداً، مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، والتي ترتبط بصورة وثيقة بالمحور الإيراني، وهناك تشكيلات وألوية أكثر اندماجاً في البنية الحكومية وتخضع بصورة أكبر للقيادة الرسمية.
إن الخلط بين هذه المكونات يؤدي إلى تعميم غير دقيق.
فالحكومة تستطيع ممارسة أدوات مالية وإدارية على المكونات المندمجة مؤسسياً، بينما تحتاج إلى أدوات سياسية وقانونية وأمنية أكثر تعقيداً في التعامل مع الفصائل التي تحتفظ بقدرات مستقلة وارتباطات خارجية.
سابعاً: من العراق إلى اليمن.. شبكة إقليمية واحدة أم ساحات متصلة؟
تزداد خطورة ملف السلاح العراقي عندما يوضع في سياق شبكة النفوذ الإقليمية المرتبطة بإيران.
فالمسألة لم تعد مقتصرة على علاقة بعض فصائل الحشد الشعبي بإيران، وإنما أصبحت مرتبطة بدرجة التنسيق بينها وبين أطراف أخرى في ما يسمى “محور المقاومة”، وفي مقدمتها جماعة الحوثي في اليمن.
وقد برزت خلال الفترة الأخيرة مؤشرات وتقارير عن تنسيق متزايد بين الحوثيين وبعض الفصائل العراقية، بما في ذلك التعاون في مجالات الطائرات المسيّرة والصواريخ والخبرات العملياتية.
ولا يعني ذلك أن جميع هذه الجماعات تشكل قيادة عسكرية واحدة أو تتحرك دائماً بأوامر موحدة، لكن الخطأ المقابل هو التعامل معها باعتبارها ساحات منفصلة تماماً.
الأدق هو النظر إليها باعتبارها شبكة من الفاعلين المسلحين يمكن أن تتقاطع وظائفهم وأهدافهم تحت مظلة الدعم الإيراني.
وهنا يصبح السؤال العراقي أكثر خطورة:
إذا كان القرار العسكري لفصيل عراقي يمكن أن يرتبط بجبهة في اليمن أو الخليج، فهل ما زال هذا القرار عراقياً بالكامل؟
ثامناً: أمن الطاقة السعودي والكويتي.. عندما تتحول الفصائل إلى أدوات في حرب إقليمية
أخطر ما تكشفه التطورات الأخيرة هو انتقال الصراع من استهداف القواعد والمنشآت العسكرية إلى تهديد البنية التحتية للطاقة.
فالسعودية، باعتبارها أكبر منتج للنفط في المنطقة، تمثل هدفاً استراتيجياً لأي جهة تسعى إلى رفع كلفة المواجهة مع الولايات المتحدة ودول الخليج.
كما أن استهداف منشآت الطاقة لا يقتصر تأثيره على الدولة المستهدفة، بل يمتد إلى أسواق النفط العالمية وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة وأمن الاقتصاد الدولي.
والأكثر خطورة هو احتمال أن تأتي التهديدات من أكثر من اتجاه: الحوثيون من اليمن والبحر الأحمر، وفصائل مسلحة مرتبطة بإيران من الأراضي العراقية.
وبذلك يمكن أن تجد السعودية نفسها أمام معادلة أمنية متعددة الاتجاهات، يكون فيها اليمن جبهة ضغط من الجنوب والغرب، والعراق جبهة محتملة من الشمال والشرق.
أما الكويت، فإن موقعها الجغرافي وقربها من العراق والخليج يجعلها شديدة الحساسية تجاه أي نشاط عسكري لفصائل مسلحة تنطلق من الأراضي العراقية أو ترتبط بمحاور إقليمية.
وهنا يتحول أمن العراق الداخلي إلى جزء من منظومة أمن الخليج.
تاسعاً: الضربات السعودية في العراق.. لحظة اختبار حقيقية للسيادة العراقية
إذا تحولت الأراضي العراقية إلى منصة لهجمات ضد السعودية أو الكويت أو غيرهما من دول الجوار، فإن المسألة لن تبقى عراقية داخلية.
فالضربات العسكرية السعودية على مواقع مرتبطة بفصائل مسلحة داخل العراق، سواء بشكل منفرد أو بالتنسيق مع الولايات المتحدة، تمثل تطوراً بالغ الخطورة؛ لأنها تكشف معادلة جديدة:
عندما تعجز الدولة عن منع استخدام أراضيها في الاعتداء على دولة أخرى، فإن الدولة المستهدفة قد تلجأ إلى الدفاع عن نفسها بصورة مباشرة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى:
كيف يمكن للدولة العراقية أن تطالب باحترام سيادتها، بينما توجد على أراضيها قوى مسلحة قادرة على استخدام هذه الأراضي لشن هجمات على دول أخرى؟
إن السيادة ليست فقط رفض التدخل الخارجي، وإنما أيضاً القدرة على منع استخدام الأراضي الوطنية منصة للاعتداء على الآخرين.
ومن هذه الزاوية، فإن أي ضربات خارجية داخل العراق يجب أن تُقرأ باعتبارها نتيجة خطيرة لفشل الدولة في احتكار القوة، وليس باعتبارها مجرد مشكلة حدودية أو خلافاً عسكرياً عابراً.
وهنا يمكن أن تتشكل حلقة تصعيد خطيرة:
فصيل عراقي يهاجم منشأة خليجية، فترد الدولة المستهدفة بضرب مواقع الفصيل داخل العراق، ثم يرد الفصيل بالتصعيد، ويدخل الحوثيون على خط المواجهة، بينما تقدم إيران الدعم السياسي أو العسكري، ليجد العراق نفسه ساحة مواجهة إقليمية رغم أن حكومته الرسمية لم تتخذ قرار الحرب.
وهنا يصبح حصر السلاح شرطاً لحماية السيادة، وليس انتقاصاً منها.
عاشراً: الحوثي والحشد الشعبي.. من وحدة الجبهات إلى وحدة الوظيفة
لا ينبغي أن يُفهم الترابط بين الحوثيين والفصائل العراقية على أنه يعني بالضرورة وجود غرفة عمليات واحدة تدير كل تحركاتهم.
لكن من الخطأ أيضاً تجاهل التشابه في الوظيفة الاستراتيجية.
فالفاعلون المسلحون المرتبطون بإيران يستطيعون توزيع الأدوار جغرافياً:
الحوثيون يمتلكون موقعاً استراتيجياً على باب المندب والبحر الأحمر.
الفصائل العراقية تمتلك عمقاً جغرافياً قريباً من السعودية والكويت والخليج.
إيران تمتلك القدرة على توفير الخبرة والتكنولوجيا والدعم والتنسيق بين هذه الساحات.
وبالتالي يمكن فتح أكثر من جبهة في وقت واحد دون أن تكون إيران هي الطرف المباشر في كل عملية.
وهذه إحدى أهم مزايا نموذج الحرب بالوكالة: تعدد الجبهات مع تقليل كلفة المواجهة المباشرة على الدولة الراعية.
ومن هنا فإن مشكلة السلاح العراقي لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن الحرب في اليمن والبحر الأحمر والخليج؛ لأن استمرار السلاح خارج القرار الوطني يمكن أن يجعل العراق جزءاً من بنية عسكرية إقليمية تتجاوز الحدود الوطنية.
الحادي عشر: المسارات الأربعة وليس الثلاثة.. إضافة المسار المظلم
في خضم هذا التعقيد، لم تعد الخيارات أمام الحكومة العراقية تقتصر على التسليم الطوعي، أو التسوية المرحلية، أو المواجهة الأمنية.
هناك مسار رابع أكثر خطورة، وهو:
التسليم الإداري مع بقاء الولاء العقائدي.
في هذا السيناريو قد يتم تسليم بعض الصواريخ والأسلحة الثقيلة فعلياً إلى الجيش، وتسجيل المخازن باسم الدولة، بينما يبقى المقاتلون وقادتهم مرتبطين فكرياً وعقائدياً بمرجعياتهم السياسية أو الخارجية.
وهكذا يصبح السلاح تابعاً للدولة على الورق، لكن القرار النفسي والسياسي باستخدامه يظل كامناً خارج مؤسساتها.
وهذه هي معادلة “الجندي الذي يستلم راتبه من الحكومة، لكنه ينتظر الإشارة من قائده السياسي أو العقائدي”.
وهنا يكمن الخطر الأكبر: أن تصبح الدولة مالكة للسلاح شكلاً، لكنها لا تملك القرار الحقيقي لمن يستخدمه ومتى وأين.
الثاني عشر: ماذا يعني ذلك لموعد 30 سبتمبر؟
في ضوء هذه التطورات، يصبح موعد 30 سبتمبر أكثر أهمية من مجرد موعد إداري لإنهاء ملف السلاح.
فالاختبار الحقيقي للحكومة العراقية هو أن تثبت أن:
قرار استخدام القوة لا يصدر إلا عن مؤسسات الدولة.
لا توجد قواعد أو مخازن أو منصات إطلاق تعمل خارج منظومة القيادة والسيطرة الحكومية.
لا يسمح لأي فصيل باستخدام الأراضي العراقية لاستهداف دولة مجاورة.
لا توجد قنوات عسكرية موازية تربط فصائل عراقية بجماعات مسلحة خارج العراق،
لا يتحول الحشد الشعبي إلى غطاء قانوني لنشاط عسكري مستقل عن القرار الوطني.
يصبح التمويل والتسليح والتدريب خاضعاً للرقابة الرسمية، حيث تكون الحدود العراقية تحت سيطرة مؤسسات الدولة، وليس تحت نفوذ الفصائل.
فالمطلوب ليس فقط أن “يسلّم الفصيل سلاحه”، وإنما أن تتغير منظومة القيادة والتمويل والارتباطات التي تجعل استخدام السلاح ممكناً خارج قرار بغداد.
الخلاصة النهائية: معيار النجاح ليس كمية السلاح بل ولاء القرار
العراق يقف أمام اختبار يتجاوز قضية الحشد الشعبي نفسها،
فالمسألة أصبحت مرتبطة بأمن الخليج، وأمن الطاقة، والحرب في اليمن، والبحر الأحمر، والعلاقة بين إيران ووكلائها الإقليميين.
لقد كشفت التطورات الأخيرة أن استمرار وجود جماعات مسلحة قادرة على العمل خارج القرار الحكومي قد يجعل الأراضي العراقية نقطة انطلاق لهجمات على السعودية والكويت ودول خليجية أخرى، كما أن الرد قد لا يبقى سياسياً أو دبلوماسياً، بل يمكن أن يتحول إلى ضربات عسكرية داخل العراق، ومن هنا فإن حصر السلاح ليس مطلباً أميركياً أو سعودياً أو دولياً موجهاً ضد فصيل بعينه، بل هو مصلحة عراقية سيادية أولاً.
فالدولة التي لا تستطيع منع استخدام أراضيها في ضرب جيرانها ستجد نفسها عاجلاً أو آجلاً أمام معادلة صعبة:
إما أن تستعيد احتكار القوة، أو أن يصبح قرار الحرب والسلم موزعاً بين بغداد وطهران وصنعاء والفصائل المسلحة.
أما الحوثيون والفصائل العراقية المرتبطة بإيران، فإن تنامي التنسيق بينهم يكشف أن المعركة لم تعد تدور حول جبهة واحدة، بل حول شبكة جبهات مترابطة تمتد من باب المندب إلى العراق والخليج.
ولهذا فإن نجاح العراق في حصر السلاح لن يكون مجرد إنجاز داخلي، بل سيكون خطوة أساسية في منع تحول أراضيه إلى حلقة وصل في شبكة صراع إقليمي، وحماية علاقاته مع السعودية والكويت ودول الخليج، وإعادة تعريف العراق كدولة صاحبة قرار سيادي، لا كساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين القوى الإقليمية والدولية.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي سيحسم نجاح التجربة العراقية ليس:
كم قطعة سلاح تم تسليمها؟
بل:
من يملك قرار استخدام السلاح؟
فإذا أصبح قرار الحرب والسلم والتحرك العسكري حصراً بيد الدولة العراقية، وأصبحت المخازن ومنصات الإطلاق والحدود تحت سيطرة مؤسساتها، وانتهى التمويل الموازي والارتباط العسكري الخارجي، يكون العراق قد بدأ فعلاً باستعادة سيادته،
أما إذا بقي السلاح عراقياً في الشكل، وإيرانياً في التوجيه، وعابراً للحدود في الاستخدام، فإن أزمة السيادة ستبقى قائمة مهما تغيرت القوانين والمسميات والمواعيد.


