مقالات وأراء

لماذا غابت مصر عن اتفاقية مكة للدفاع المشترك؟ قراءة أولية في الحسابات الجيوسياسية للقاهرة وإعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي

أ.د. عبدالوهاب العوج
* أكاديمي ومحلل سياسي يمني – جامعة تعز.

تمثل اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقعتها المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس 2026، تطوراً لافتاً في هندسة الأمن الإقليمي، ليس فقط بسبب الدول الثلاث الموقعة عليها، وإنما بسبب طبيعة الرسالة الاستراتيجية التي تحملها في مرحلة تشهد إعادة تعريف متسارعة لمفهوم الأمن في الشرق الأوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي.
وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة من مبدأ الدفاع الجماعي الذي تقوم عليه، والقائم على اعتبار أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يمثل هجوماً عليها جميعاً، وهو ما ينقل العلاقات الأمنية بينها من مستوى التعاون الثنائي أو التنسيق الظرفي إلى مستوى أكثر وضوحاً من الالتزام الدفاعي المشترك.
وقد جاءت الاتفاقية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها المخاطر المرتبطة بإيران وشبكة القوى المسلحة المتحالفة معها، من الخليج والعراق إلى البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب التنافس المتزايد على النفوذ الإقليمي وتراجع اليقين بشأن حدود الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية.
غير أن السؤال الأكثر إثارة في هذه المعادلة لا يتعلق فقط بالدول الثلاث التي وقعت الاتفاقية، وإنما بالدولة التي لم تكن ضمنها: مصر.

فكيف يمكن تفسير غياب دولة تمتلك واحداً من أكبر الجيوش العربية، وتتحكم في قناة السويس، وتمتد مصالحها الأمنية من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر وعمق أفريقيا، ولها علاقات استراتيجية وثيقة مع السعودية؟
هل يمثل غياب مصر تراجعاً في مكانتها الإقليمية؟ أم أنه يعكس قراءة مصرية مختلفة لطبيعة الأمن القومي، واختلافاً في حسابات التكلفة والعائد؟ وهل أصبحت القاهرة تفضل المشاركة في منظومة الأمن الإقليمي من خلال شراكات مرنة ومتعددة، بدلاً من الانضمام إلى تحالف دفاعي جماعي ذي التزامات محددة؟
هذه الأسئلة هي مفتاح فهم الموقف المصري.

أولاً: اتفاقية مكة وإعادة تعريف الأمن الإقليمي
لا ينبغي النظر إلى الاتفاقية باعتبارها مجرد ترتيبات عسكرية بين ثلاث دول، بل باعتبارها مؤشراً على اتجاه أوسع نحو بناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر مرونة وأقل اعتماداً على مركز واحد للقوة.
فالسعودية تسعى منذ سنوات إلى تنويع شراكاتها الدفاعية، وعدم حصر أمنها الاستراتيجي في علاقة واحدة مع الولايات المتحدة. وفي هذا السياق تبدو تركيا وباكستان شريكين مختلفين في طبيعة ما يمكن أن يقدماه للرياض.
تركيا تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متطورة، وقدرات متنامية في الطائرات المسيرة والصناعات البحرية والجوية، فضلاً عن خبرة عسكرية واسعة ونفوذ جيوسياسي يمتد من الشرق الأوسط إلى البحر الأسود وآسيا الوسطى.
أما باكستان فتقدم عمقاً عسكرياً استراتيجياً مختلفاً، إلى جانب خبرتها العسكرية الطويلة وعلاقتها الدفاعية التاريخية مع السعودية، فضلاً عن امتلاكها قدرات عسكرية متقدمة وقوة نووية، وإن كان من الخطأ افتراض أن المظلة النووية الباكستانية أصبحت تلقائياً جزءاً من الالتزام الدفاعي تجاه السعودية.
في المقابل، تقدم السعودية الثقل الاقتصادي والجغرافي والسياسي الذي يجعل أي ترتيبات أمنية تشارك فيها ذات وزن إقليمي كبير.
ومن هنا يمكن فهم الاتفاقية باعتبارها محاولة لبناء شبكة ردع متعددة المصادر، وليس بالضرورة بديلاً فورياً عن التحالفات القائمة.

ثانياً: لماذا غابت مصر؟
من المهم هنا التمييز بين حقيقة الغياب وبين تفسير أسبابه.
فلا يمكن الجزم بأن القاهرة اتخذت قراراً رسمياً برفض الانضمام إلى الاتفاقية ما لم يصدر عنها موقف واضح يحدد ذلك. ولذلك فإن تفسير الغياب يجب أن يُقرأ بوصفه تحليلاً للحسابات المصرية المحتملة، وليس إعلاناً عن موقف مصري رسمي لم يُعلن.
ومن أبرز هذه الحسابات اختلاف تعريف الأمن القومي المصري عن نطاق الأمن الذي تستهدفه الاتفاقية.
1. تعدد مسارح الأمن القومي المصري
مصر دولة ذات مسارح أمنية متعددة في وقت واحد.
فمصالحها الحيوية تمتد غرباً إلى ليبيا والبحر المتوسط، وجنوباً إلى السودان وأمن مياه النيل وسد النهضة، وشرقاً إلى قطاع غزة وسيناء والبحر الأحمر، بينما تمثل قناة السويس أحد أهم الأصول الجيوسياسية والاقتصادية المصرية.
وبالتالي فإن القاهرة لا تستطيع التعامل مع الأمن الإقليمي من منظور خليجي أو بحر أحمر فقط.
إن دخولها في التزام دفاعي جماعي قد يضيف إلى قائمة التزاماتها الخارجية مسرحاً أمنياً جديداً، في وقت تحتاج فيه إلى الحفاظ على قدر كبير من التركيز والمرونة في ملفات تعتبرها أكثر ارتباطاً مباشرة بالأمن الوطني المصري.
وهنا يظهر أحد الفروق الجوهرية بين القاهرة والرياض: فالسعودية تقع في قلب البيئة الأمنية الخليجية والبحر الأحمر، بينما مصر دولة جسر بين المتوسط والبحر الأحمر وأفريقيا والشرق الأوسط.
2. الحفاظ على حرية القرار الاستراتيجي
تميل العقيدة المصرية تقليدياً إلى الحفاظ على قدرة الدولة على اتخاذ القرار العسكري وفقاً لتقديرها المباشر للمصلحة الوطنية.
ومن ثم فإن الانضمام إلى تحالف دفاعي جماعي لا يعني مجرد إضافة شريك جديد، وإنما يعني احتمال نشوء التزامات سياسية وعسكرية يمكن أن تؤثر في حرية القرار المصري.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ضوء الإطار الدستوري المصري، الذي يضع إجراءات محددة فيما يتعلق بإعلان الحرب أو إرسال القوات المسلحة في مهام قتالية خارج الدولة.
لذلك فإن المسألة ليست أن الانضمام إلى اتفاقية دفاعية «مستحيل دستورياً»، وإنما أن تحويل أي التزام دفاعي جماعي إلى مشاركة عسكرية فعلية خارج الحدود سيظل مرتبطاً بالإجراءات الدستورية والسياسية المصرية.
وهذا يفسر تفضيل القاهرة، في كثير من الحالات، لنموذج الشراكات الثنائية والتنسيق المرن بدلاً من الالتزامات العسكرية التلقائية.
3. مصر لا تريد أن تصبح طرفاً في كل صراعات الإقليم
تدرك القاهرة أن المنطقة دخلت مرحلة تتعدد فيها ساحات الصراع، من الخليج إلى العراق واليمن والبحر الأحمر، ومن غزة وليبيا إلى السودان.
والانضمام إلى تحالف دفاعي جديد قد يعني أن أي أزمة بين أحد أعضاء التحالف وخصم إقليمي يمكن أن تتحول إلى اختبار مباشر لموقف مصر.
وهذا لا يتناسب بالضرورة مع استراتيجية القاهرة القائمة على الاحتفاظ بمساحات للمناورة السياسية، وعدم تحويل جميع الشراكات إلى التزامات قتالية.
ومن هذه الزاوية، فإن البقاء خارج التحالف لا يعني الابتعاد عن السعودية، وإنما قد يعني ببساطة الاحتفاظ بحرية الحركة تجاه جميع الأطراف.
4. الاعتبارات الاقتصادية
لا ينبغي اختزال العامل الاقتصادي في القول إن مصر غير قادرة على تحمل تكاليف تحالف دفاعي.
الأدق أن القاهرة مطالبة بالمفاضلة بين تكلفة أي التزام عسكري جديد وبين العائد الاستراتيجي المباشر منه، في ظل التزامات اقتصادية وأمنية كبيرة بالفعل.
وبالتالي فإن عدم الانضمام يمكن أن يكون جزءاً من إدارة دقيقة للموارد، بحيث توجه مصر قدراتها العسكرية والمالية إلى مسارح تعتبرها أكثر ارتباطاً بأمنها الوطني المباشر.

ثالثاً: لماذا اختارت السعودية تركيا وباكستان؟
هذا السؤال ربما يكون أهم من سؤال غياب مصر نفسه.
فالسعودية لم تبحث بالضرورة عن «أكبر عدد من الدول العربية»، وإنما عن مزيج محدد من القدرات.
تركيا توفر التكنولوجيا والصناعة الدفاعية والقدرات العسكرية الحديثة.
باكستان توفر العمق العسكري والخبرة الدفاعية وعلاقة تاريخية طويلة مع السعودية.
والسعودية توفر التمويل والثقل الاقتصادي والموقع الجغرافي والوزن السياسي والديني.
أما مصر، فإنها تمتلك نموذجاً مختلفاً من القوة؛ فهي قوة عسكرية عربية كبيرة، وقوة بحرية ذات صلة مباشرة بأمن البحر الأحمر، وتتحكم في قناة السويس، وتمتلك نفوذاً في المتوسط وأفريقيا وملفات عربية مركزية.
ومن ثم فإن غياب مصر لا يعني بالضرورة أن الرياض تعتبرها أقل أهمية من تركيا أو باكستان.
بل يمكن تفسير الأمر على نحو مختلف:
مصر قوة شاملة ومتعددة المسارح، بينما صُمم التحالف الجديد حول وظائف دفاعية وردعية أكثر تحديداً.
وهذه نقطة جوهرية لفهم طبيعة الاتفاقية.

رابعاً: مصر والتحالف الجديد… شراكة من خارج التحالف؟
قد يكون السيناريو الأكثر واقعية خلال المرحلة المقبلة هو أن تبقى مصر خارج البنية الرسمية للتحالف، لكنها لا تخرج من منظومة الأمن الإقليمي.
وهنا يمكن أن تظهر صيغة يمكن وصفها بـ «التكامل المتوازي».
فالقاهرة تستطيع التعاون مع الرياض في أمن البحر الأحمر، والمشاركة في ترتيبات أمن الملاحة، وتعزيز التنسيق الاستخباري والعسكري، وتنفيذ تدريبات ومناورات مشتركة وفقاً للمصلحة المشتركة، من دون أن تصبح عضواً في التزام دفاعي جماعي دائم.
وهذا النموذج يمنح مصر هامشاً واسعاً للمناورة، ويتيح لها التعاون مع السعودية وتركيا وباكستان والولايات المتحدة والدول الأوروبية، من دون أن تتحول إلى طرف ملزم تلقائياً بكل صراعات هذه الأطراف.

خامساً: البعد الإيراني
لا شك أن البيئة الأمنية التي نشأت فيها الاتفاقية مرتبطة بدرجة كبيرة بالتوترات الإقليمية مع إيران وشبكة القوى المسلحة المتحالفة معها.
لكن من الأفضل عدم اختزال الاتفاقية في كونها تحالفاً موجهاً ضد إيران.
فالتهديدات الإقليمية متعددة، والاتفاقية يمكن أن تُقرأ أيضاً في إطار حماية الأمن الوطني للدول الثلاث وتعزيز الردع وتوسيع خياراتها الاستراتيجية.
ومع ذلك، فإن طهران ستتعامل على الأرجح مع الاتفاقية باعتبارها تطوراً يستحق المتابعة، خصوصاً إذا تطورت إلى تعاون عسكري واستخباري وصناعي واسع.
كما يمكن لإيران أن تحاول تقديمها باعتبارها اصطفافاً سنياً جديداً في مواجهة نفوذها، بما يتيح لها توظيف الخطاب الطائفي لتعبئة حلفائها وتقويض شرعية التحالف.
لكن تحويل الاتفاقية إلى إطار مذهبي سيكون، في الوقت نفسه، أحد المخاطر التي يمكن أن تحد من قدرتها على اكتساب شرعية إقليمية أوسع.

سادساً: البحر الأحمر وباب المندب… الاختبار الأصعب
يمثل البحر الأحمر وباب المندب المجال الذي قد يختبر عملياً مدى قدرة الاتفاقية على الانتقال من الورق إلى الردع الفعلي.
فالسعودية معنية مباشرة بأمن البحر الأحمر، وتركيا لديها مصالح متنامية في المنطقة، بينما تمثل باكستان قوة بحرية مهمة في المحيط الهندي.
لكن التعامل مع أمن البحر الأحمر لا يمكن اختزاله في القدرات العسكرية للدول الثلاث.
فالممر البحري يرتبط بمصر وقناة السويس، واليمن، والدول المطلة على البحر الأحمر، إضافة إلى القوى الدولية التي تعتمد على حرية الملاحة.
ولهذا فإن أي نظام أمني مستدام في البحر الأحمر سيحتاج، بصورة أو بأخرى، إلى التعاون مع القاهرة، حتى لو بقيت مصر خارج الاتفاقية نفسها.
وهنا تكمن المفارقة:
قد تستطيع مصر البقاء خارج التحالف، لكنها لا تستطيع أن تكون خارج معادلة الأمن البحري للبحر الأحمر.

سابعاً: هل غياب مصر خسارة للتحالف أم مكسب للقاهرة؟
من منظور التحالف، يمثل غياب مصر خسارة لعنصر مهم.
فمصر تمتلك ثقلاً عسكرياً وسياسياً وجغرافياً لا يمكن تجاهله، وتتحكم في قناة السويس، وتمثل بوابة رئيسية بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، كما أن لها تأثيراً كبيراً في عدد من الملفات العربية والأفريقية.
لكن من منظور القاهرة، فإن عدم الانضمام قد يمثل مكسباً استراتيجياً.
فمصر تحتفظ بحرية الحركة، ولا تصبح ملزمة تلقائياً بخوض صراعات قد لا تتطابق مع أولويات أمنها القومي.
كما تستطيع أن تتعاون مع التحالف في الملفات التي تتقاطع فيها المصالح، وأن تحتفظ في الوقت نفسه بعلاقاتها مع أطراف أخرى.
وبذلك تتحول المرونة نفسها إلى مصدر للقوة.

ثامناً: تداعيات غياب مصر على النظام الإقليمي
لا أعتقد أن المنطقة تتجه بالضرورة إلى محورين متقابلين، أحدهما تركي-باكستاني والآخر مصري-خليجي.
الأكثر احتمالاً أننا أمام إعادة توزيع لمراكز الثقل داخل منظومة أمن إقليمية متعددة الطبقات.
قد نشهد في المرحلة المقبلة:
تحالفات دفاعية مصغرة.
شراكات عسكرية ثنائية.
ترتيبات أمن بحري.
تعاوناً استخبارياً.
تكاملاً في الدفاع الجوي والصاروخي.
شراكات في الصناعات الدفاعية.
وتعاوناً تكنولوجياً متزايداً، وهذا يعني أن الدول لن تكون مضطرة إلى اختيار تحالف واحد والانتماء إليه بالكامل،
ومن هذه الزاوية يمكن أن تصبح مصر جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي من خارج التحالفات الرسمية.

تاسعاً: التحديات والفرص أمام القاهرة
يواجه الموقف المصري عدة تحديات.
أولها احتمال تراجع جزء من الدور التقليدي للقاهرة في بعض الملفات الخليجية إذا أثبت التحالف الجديد فعاليته وأصبح إطاراً أمنياً مستقلاً.
وثانيها ضرورة ألا يؤدي الغياب عن الاتفاقية إلى إضعاف التنسيق المصري السعودي، خصوصاً في أمن البحر الأحمر.
وثالثها ضرورة تطوير القدرات البحرية والاستخبارية والتكنولوجية المصرية بما يتناسب مع البيئة الأمنية الجديدة.
لكن في المقابل، يمتلك الغياب فرصاً مهمة.
فمصر تستطيع أن تتحول إلى صانع توازن بدلاً من أن تكون طرفاً في اصطفاف واحد،
كما تستطيع الاستثمار في موقعها الجغرافي ودورها في المتوسط والبحر الأحمر وأفريقيا، وفي قدرتها على التواصل مع أطراف متعددة.
والأهم أن القاهرة تستطيع أن تقدم نفسها باعتبارها الشريك الأكثر شمولية، لا بالضرورة الأكثر تسليحاً في كل مجال.
عاشراً: هل نحن أمام نهاية نموذج التحالف العربي الواحد؟
ربما تكون هذه هي الدلالة الأعمق لاتفاقية مكة.
فالمنطقة لم تعد تتحرك وفق نموذج «تحالف عربي واحد» يستطيع التعامل مع جميع التهديدات،
لقد أصبح الأمن الإقليمي أكثر تعقيداً، وأصبحت الدول تبحث عن ترتيبات مختلفة بحسب طبيعة التهديد،
تحالف للدفاع الجوي، وشراكة للأمن البحري، وتعاون استخباري، واتفاقيات للصناعات الدفاعية، وشراكات اقتصادية وتكنولوجية.
وهذا يعني أننا قد نكون أمام انتقال من الأمن الجماعي التقليدي إلى الأمن متعدد الطبقات،
وفي هذه البيئة، لا تصبح عضوية كل تحالف شرطاً للحضور الإقليمي.
بل قد تكون القدرة على المشاركة في عدة ترتيبات مع الاحتفاظ بحرية القرار أكثر قيمة من الانضمام إلى تحالف واحد.
الخلاصة:
غياب مصر عن اتفاقية مكة للدفاع المشترك لا ينبغي تفسيره تلقائياً باعتباره تراجعاً مصرياً أو إقصاءً للقاهرة.
الأرجح أن المسألة ترتبط باختلاف في تعريف الأمن القومي، وتعدد مسارحه، وحرص مصر على استقلالية قرارها العسكري، ورغبتها في الحفاظ على المرونة الاستراتيجية في بيئة إقليمية شديدة السيولة.
وفي المقابل، فإن اختيار السعودية لتركيا وباكستان يعكس رغبة واضحة في تنويع مصادر القوة والردع، وتكوين شبكة دفاعية جديدة تجمع بين المال والتكنولوجيا والقدرات العسكرية والخبرة الاستراتيجية.
لكن نجاح هذه الصيغة لن يقاس فقط بعدد الدول الموقعة عليها، وإنما بقدرتها على تحويل الالتزام السياسي إلى قدرة ردع حقيقية، وبقدرتها على التعامل مع التهديدات البحرية والصاروخية والطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية،
أما مصر، فإن التحدي أمامها ليس الانضمام إلى الاتفاقية بأي ثمن، وإنما إثبات أن الاستقلال عن التحالف لا يعني الغياب عن الأمن الإقليمي.

فمصر تملك عناصر قوة لا يستطيع أي تحالف جديد تجاهلها: قناة السويس، والبحر الأحمر، والجيش، والعمق العربي والأفريقي، والموقع بين المتوسط وآسيا وأفريقيا، والقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف.
ومن هنا فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس صعود محور تركي-باكستاني في مواجهة محور مصري-خليجي، وإنما نشوء نظام أمني إقليمي متعدد الطبقات، تتداخل فيه التحالفات والشراكات من دون أن تلغي بعضها بعضاً،
وفي هذا النظام يمكن لمصر أن تختار موقعاً مختلفاً: ليست عضواً في كل تحالف، لكنها حاضرة في كل معادلة استراتيجية رئيسية، وهنا تحديداً يمكن أن يتحول غياب مصر عن اتفاقية مكة من نقطة ضعف محتملة إلى ميزة استراتيجية، إذا استطاعت القاهرة أن تستخدم مرونتها للحفاظ على دورها كقوة توازن، وأن توظف موقعها الجغرافي وثقلها العسكري والسياسي في بناء ترتيبات أمنية تخدم مصالحها ومصالح المنطقة دون الانجرار إلى التزامات لا تتطابق مع أولويات أمنها القومي.
إن السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون: لماذا لم تنضم مصر إلى اتفاقية مكة؟
بل سيكون:
هل تستطيع مصر أن تكون شريكاً لا غنى عنه في منظومة الأمن الإقليمي، حتى وهي تقف خارج بعض تحالفاتها؟
والإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد كبير، ما إذا كان القرن الحادي والعشرون سيشهد تراجع الدور المصري، أم إعادة صياغته من «قيادة التحالفات» إلى صناعة التوازنات.

محمد عبده

About Author

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *