مقالات وأراء

17 يوليو.. يومُ صُنعِ التحولات في تاريخ اليمن الحديث

فيصل الشبيبي::

رحم الله الزعيم الشهيد علي عبدالله صالح. ففي مثل هذا اليوم، 17 يوليو 1978، تولى مسؤولية قيادة اليمن في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخها الحديث، في ظل صراعات سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة، لكنه استطاع بحكمته وقدرته على إدارة التوازنات أن يقود البلاد نحو مرحلة جديدة من الاستقرار والبناء والتنمية.

ومنذ الأيام الأولى لوصوله إلى السلطة، أدرك أن استمرار الصراعات والحروب لن يبني دولة ولن يحقق تطلعات اليمنيين، فسعى إلى تقريب وجهات النظر بين القوى الوطنية المختلفة، وشكّل لجنة الحوار الوطني التي ضمت خمسين شخصية وطنية لصياغة الميثاق الوطني، الذي مثّل آنذاك مرجعية فكرية وسياسية جامعة. كما عمل على تأسيس المؤتمر الشعبي العام في 24 أغسطس 1982 ليكون مظلة وطنية تجمع مختلف التيارات والقوى السياسية والاجتماعية تحت راية واحدة.

وخلال سنوات حكمه شهدت البلاد نهضة تنموية واسعة شملت التوسع في بناء المدارس والجامعات والمستشفيات والمراكز الصحية، وشق الطرقات وإنشاء المطارات والموانئ، وتطوير قطاع الاتصالات، واستخراج النفط والغاز، وإعادة بناء سد مأرب التاريخي، إلى جانب تنفيذ مشاريع خدمية وتنموية وصلت إلى مختلف المحافظات والمديريات.

وجاء الإنجاز الوطني الأكبر في 22 مايو 1990 بإعادة تحقيق الوحدة اليمنية المباركة، بعد عقود من الانقسام والتشطير، وهو الحلم الذي ناضلت من أجله أجيال متعاقبة من أبناء اليمن. كما ارتبطت تلك المرحلة بإقرار التعددية السياسية وحرية العمل الحزبي والصحفي، والانطلاق في المسار الديمقراطي الذي شهد خلال تلك المرحلة انتخابات برلمانية أعوام 1993 و1997 و2003، وانتخابات للمجالس المحلية في 2001 و2006، إضافة إلى انتخابات رئاسية في 1999 و2006 والتي تعد من أبرز المحطات السياسية في تاريخ الجمهورية اليمنية.

وكان الزعيم الشهيد يؤكد دائماً تمسكه بأهداف ثورتي السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر، باعتبارهما الأساس الذي قامت عليه الجمهورية اليمنية الحديثة، وظل يعتبر الحفاظ على النظام الجمهوري ووحدة اليمن وسيادته مسؤولية وطنية لا تقبل المساومة.

وفي أزمة عام 2011، أظهر الزعيم علي عبدالله صالح قدراً كبيراً من الحكمة والحنكة السياسية في التعامل مع واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها اليمن. فعلى الرغم من تعقيدات المشهد السياسي وتصاعد الاحتقان والانقسام، حرص على تجنيب البلاد الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة أو مواجهات واسعة قد تُراق فيها دماء اليمنيين. وانطلاقاً من شعوره بالمسؤولية الوطنية، تعاطى بإيجابية مع الجهود الإقليمية والدولية، وكان شريكاً رئيسياً في صياغة وإنجاح المبادرة الخليجية التي أرست مبدأ الانتقال السلمي للسلطة، مقدماً مصلحة الوطن على أي اعتبارات أخرى.

وقد شكّل توقيعه على المبادرة وتسليم السلطة بصورة سلمية سابقة مهمة في تاريخ اليمن الحديث، عكست حرصه على الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها وتجنيب شعبها مزيداً من المعاناة والاقتتال.

كما تجلت حكمته في أعقاب جريمة استهداف مسجد دار الرئاسة في الثالث من يونيو 2011، وهي الحادثة التي كادت أن تدفع البلاد إلى أتون صراع دموي واسع. فبعد إصابته مباشرةً، ظل حريصاً على ضبط النفس ومنع أي ردود فعل انتقامية، ووجّه القيادة ومؤسسات الدولة آنذاك بعدم إطلاق النار ولو طلقة واحدة، إدراكاً منه لخطورة المرحلة وخشية انزلاق اليمن إلى المجهول. وقد عكس هذا الموقف حرصه على حقن دماء اليمنيين وتغليب المصلحة الوطنية على ردود الأفعال الآنية، وهو النهج ذاته الذي تُوّج لاحقاً بالمشاركة في إنجاح المبادرة الخليجية والانتقال السلمي للسلطة، حفاظاً على وحدة الوطن واستقراره في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخه الحديث.

ولعل من أبرز الصفات التي يتذكرها كثير من اليمنيين فيه سعة صدره وتسامحه وقدرته على استيعاب خصومه قبل حلفائه. فقد شهدت حياته السياسية العديد من المحطات التي اختار فيها العفو والتسامح وتغليب المصلحة الوطنية على روح الانتقام، وكان يؤمن بأن استقرار اليمن لا يمكن أن يتحقق بالإقصاء وإنما بالحوار والتعايش بين أبنائه.

وعندما انقلبت ميليشيا الحوثي على الدولة والجمهورية، حاول تجنيب اليمن مزيداً من الصراعات والدمار، لكنه عندما أدرك حجم المشروع الذي يستهدف الدولة الوطنية والهوية الجمهورية ووحدة المجتمع اليمني، أعلن موقفه الواضح في الثاني من ديسمبر 2017 داعياً إلى انتفاضة وطنية ضد الميليشيا واستعادة الدولة ومؤسساتها.

وفي سبيل ذلك دفع حياته ثمناً لموقفه، مقدماً نفسه في مواجهة مشروعٍ كان يرى أنه يهدد حاضر اليمن ومستقبله. فسقط شهيداً في الرابع من ديسمبر 2017، لكنه بقي حاضراً في ذاكرة الملايين من اليمنيين الذين يتذكرون دوره في بناء الدولة وتحقيق الوحدة والحفاظ على الثوابت الوطنية.

رحم الله الزعيم الشهيد علي عبدالله صالح، الذي سيبقى اسمه حاضراً في سجل الرجال الذين تركوا بصمةً عميقةً وناصعة في تاريخ وطنهم.

محمد عبده

About Author

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *