خريف الفوضى يستهدف إرث 17 يوليو.. كيف سعت مشاريع التآمر لهدم مشروع الدولة التنموي؟
خبر للأنباء/
في اللحظة الفارقة والجدار المستهدف لم يكن السابع عشر من يوليو عام 1978 مجرد انتقال اعتيادي للسلطة في صنعاء، بل كان نقطة الصفر التاريخية التي انبعث منها مشروع الدولة اليمنية الحديثة من وسط ركام الاغتيالات والانقسامات السياسية العاصفة.
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، خاض الزعيم علي عبد الله صالح معركة قاسية لمأسسة بلد تتقاسمه التناقضات والقبائل، لينتج عن ذلك كيان جمهوري موحد ذو سيادة وديمقراطية وتنمية مشهودة.
ومع ذلك، فإن هذا الإرث المؤسسي واجه استهدافاً منظماً وموجات فوضى متلاحقة قادتها مشاريع التآمر بغرض جرف ثمار عقود من البناء والتضحية، ووضع البلاد في مهب الريح.
مداميك التأسيس
حين تسلم صالح مقاليد الحكم، كان اليمن الشمالي يوصف سياسياً بالجمهورية القلقة أو حقل الألغام المشتعل، نظراً لحدة الانقسامات وتوالي الأزمات الدامية. لكن القيادة الجديدة صاغت استراتيجية مغايرة ارتكزت على صهر التناقضات بالميثاق الوطني وإنهاء الصراع المسلح عبر دمج كل المكونات في إطار سياسي جامع.
تلى ذلك الانتقال من العفوية إلى المؤسسة عبر بناء جيش وطني على أسس حديثة، وربط أطراف البلاد بشبكة طرقات وتعليم وصحة فجرت ينابيع الاستقرار والتنمية.
ولم تقف حدود مشروع 17 يوليو عند الاستقرار الإقليمي، بل امتدت لتصنع الحدث الأبرز في تاريخ اليمن الحديث متمثلاً في إعلان الوحدة اليمنية عام 1990 المقترنة بالتعددية الحزبية وصناديق الاقتراع وحرية التعبير.
مشاريع التآمر..
دخلت البلاد نفقاً مظلماً عندما برزت مسميات فوضى التغيير الهدامة وفوضى عارمة واختراقات إقليمية خططت لها قوى تآمرية لضرب ركائز الدولة العميقة وهز أركان الاستقرار.
وكان هذا المنعطف هو بداية التراجع الكارثي؛ حيث استهدفت المؤامرات البنية التحتية والمؤسسات التي بُنيت حجراً بحجر على مدى عقود.
وجرى في هذه المرحلة السعي لتفكيك المؤسسة العسكرية والأمنية واستهداف وتفتيت الجيش الوطني الذي كان صمام أمان الجمهورية والوحدة، مما فتح الباب لظهور المليشيات المسلحة والمشاريع ما دون الوطنية.
وتزامن هذا الاستهداف العسكري مع محاولات خنق المنظومة الاقتصادية والتنموية، وتعرض حقول النفط وخطوط نقل الطاقة للتخريب الممنهج، بهدف تقويض منجزات يوليو وإعادة عجلة الاقتصاد اليمني عقوداً إلى الوراء، فضلاً عن محاولة ضرب إسفين الطائفية والمناطقية في الجسد اليمني الواحد لإسقاط الهوية الوطنية الجامعة.
غياب المايسترو وفلسفة الفراغ القاتل
أثبتت المآلات السياسية والعسكرية اللاحقة دقة الرؤية الاستراتيجية التي كان يدير بها صالح معادلة الحكم، حيث كان بمثابة المايسترو الذي يحافظ على توازن القوى المتنافرة ويمنع انفجارها.
وبرحيله وغياب مشروعه الوطني، سقط اليمن في فخ التمزق والتدخلات الخارجية السافرة، وتحولت المؤسسات الرسمية إلى كانتونات ممزقة ومتناحرة. وعجزت القوى البديلة التي تصدرت المشهد عقب الفوضى عن تقديم نموذج واحد صالح لبناء الدولة أو الحفاظ على سيادة القرار الوطني، وهو المبدأ الثابت الذي دفع من أجله الزعيم روحه شهيداً في محراب مبادئه وثوابته.
الاستيقاظ المتأخر وضرورة استعادة البوصلة
يقف اليمنيون اليوم وسط مشهد مأساوي يملأه الحنين والوعي المتأخر بالقيمة الوجودية للمشروع الاستراتيجي التنموي الذي بدأ في يوليو 1978.
إن قراءة واقع الخراب الحالي لا تهدف إلى البكاء على الأطلال، بل إلى تقديم محاكمة تاريخية واضحة تثبت بالدليل القاطع أن الفوضى والتآمر لم يبنيا وطناً ولم يحققا كرامة، بل سعيا لهدم مشروع الدولة الشامل. ويبقى المخرج الوحيد المتاح لليمن هو العودة إلى تلك البوصلة الوطنية، عبر استعادة هيبة المؤسسات الرسمية، وإحياء النهج الحواري، والتسامي فوق الجراح لإعادة تشييد النظام الجمهوري والوحدة التي دفع الزعيم ومعه خيرة رجال اليمن دماءهم الزكية لحمايتها وصونها.



