17 يوليو.. الخروج من مخاض الأزمات إلى فضاء التوافق وبناء الدولة
د. طه حسين الهمداني
لا يمكن قياس أهمية السابع عشر من يوليو 1978 في الواقع السياسي اليمني كمحطة اعتلى فيها الرئيس الراحل علي عبدالله صالح سدة الحكم وحسب، بل لأنه يومٌ دُشّن فيه بداية مرحلة فارقة، نقلت البلاد من مربع الاضطرابات والصراعات الدامية بصورة سلسلة، إلى مسار وطني حقق التوافق وإرساء نواة المؤسسات، وتوسيع قاعدة الشراكة السياسية في الحكم.
لقد جأت القيادة الجديدة في خضم ظروف بالغة التعقيد، كانت فيه الجمهورية العربية اليمنية تواجه مخاطر وجودية، منها موجة اغتيالات سياسية طالت قيادة الصف الأول للدولة، وخيّم شبح الانقلابات على المشهد، تزامن ذلك مع هشاشة المؤسسات الناشئة ما شكل العديد من المخاطر والمعضلات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
ناهيك عن غياب العمل الحزبي المحظور وفقا للدستور وممارسته بشكل سري وسط استقطابات حاد، في ظل انقسام البلد إلى شطرين حيث تتنازعهما ايديولوجيات متباينة وحسابات سياسية معقد مرتبطة بالمتغيرات الدولية والإقليمية.
في خضم هذا المخاض وصراعات بينية وشطرية شمالا وجنوباً كان لا بد على الجميع الخروج من هذه الحالة التي لا تبدو صحية، في واقع مأزون، وقد برز السؤال الأهم وهو، كيف يمكن حماية الدولة من الانهيار ومنع انزلاقها نحو الفوضى؟
لقد أدركت القيادة السياسية حينها أنه لا يمكن فرض الاستقرار بالقوة لأنه لن يصنع سلاماً مستداماً، وأن تشييد الدولة الحديثة يتطلب بالضرورة كسر العزلة، واحتواء مختلف المكونات، والتحول من عقلية الإقصاء إلى نهج الحوار.
من هذا المنطلق، شكلت المصالحة الوطنية خياراً استراتيجياً حتمياً، نجح في نزع فتيل الانقسامات، كما أتاح للقوى الاجتماعية والسياسية دوراً أوسع في إدارة الشأن العام، مما وفر مناخاً مواتياً للاستقرار والمضي نحو المستقبل.
تتويجاً لهذا التوجه، جاء تأسيس المؤتمر الشعبي العام في عام 1982 كإطار سياسي شعبي، وواحد من أهم الصيغ الوطنية الجامعة، استوعب شتى التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية، ووفر مظلة علنية للحوار في زمن الحظر الحزبي، صاحب ذلك صياغة “الميثاق الوطني” الذي مثّل وثيقة فكرية وسياسية نوعية صاغت المبادئ العامة للدولة، حيث طُرح للنقاش الشعبي الواسع، كما أشرك من خلاله المجتمع في رسم الرؤية الوطنية المعاصرة.
اقد أثمرت مرحلة التوافق تلك وما تلاها نهضة تنموية شاملة لامست حياة المواطن اليمني؛ حيث شهدت البلاد قفزة غير مسبوقة في قطاع التعليم عبر تشييد آلاف المدارس، وتأسيس الجامعات الحكومية والخاصة في مختلف المحافظات بعد أن كانت تقتصر على عدد من الكليات في جامعتي صنعاء وعدن.
كما شهد القطاع الصحي تطوراً ملموساً بتوسيع شبكة المستشفيات والمراكز الطبية في الريف والحضر، فضلاً عن ثورة البنية التحتية التي ربطت المدن اليمنية بشبكة من الطرق الحديثة والاتصالات والموانئ والمطارات والمنشآت الحيوية. إضافة إلى ذلك، جاء استخراج البترول وتصديره في منتصف الثمانينات ليمثل ركيزة اقتصادية قوية رفدت الموازنة العامة ودعمت خطط التنمية.
وتوّجت هذه المسيرة السياسية والتنموية بالمنجز الأبرز والأسمى في تاريخ اليمن المعاصر، وهو إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في الـ 22 من مايو 1990، ليتكامل الشطران وتتسع حواضن التنمية والديمقراطية والتعددية السياسية.
وبعيداً عن تباين القراءات والتقيبم لتلك الحقبة، يبقى من الثابت في القراءة المنصفة أن الحوار والتوافق تحولا خلال تلك السنوات إلى أداتين رئيستين لإدارة الأزمات، وأن سياسة الاحتواء والانفتاح نجحت في كبح جماح الصراعات الداخلية، مؤمنةً لليمن فضاءً من الاستقرار النسبي الذي كان بأمسّ الحاجة إليه لتدور عجلة التنمية والبناء المؤسسي.
إن استدعاء محطة يوليو والتحولات التي تلتها اليوم ليس مجرد غوص في ذاكرة الماضي أو تباكٍ على أطلال مكتسباته، بل استلهام واعٍ لقيمة “التوافق” في اللحظة الراهنة التي يعيشها يمن اليوم.
ففي ظل الواقع المعقد والأزمات المتلاحقة التي كادت تأتي على مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية وتماسكها الاجتماعي، يجد اليمنيون أنفسهم أمام الحقيقة التاريخية ذاتها: أن الانفراد والإقصاء لا يصنعان استقراراً، وأن الحروب والصراعات لا تبني وطناً.
إن قراءة تجربة الأمس تؤكد أن المخرج الوحيد لليمن من واقعه الحالي يكمن في إعلاء قيم الحوار والمصالحة الوطنية الشاملة، والالتفاف حول منجزات الهوية الجامعة وفي مقدمتها الوحدة اليمنية، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، حتى تستعيد البلاد عافيتها وتبدأ مسيرة إعمار ما دمرته السنون، لتعود عجلة التنمية والتعليم والبناء إلى الدوران من جديد.


