رفع العقوبات عن القائد أحمد علي عبدالله صالح.. ضرورة وطنية في لحظة استثنائية
فلاح أنور/
حين تصل الأوطان إلى مراحل بالغة التعقيد، لا يعود ترف الوقت متاحًا، ولا يصبح من الحكمة الاكتفاء بإدارة الأزمة، بل يفرض الواجب الوطني البحث عن كل الخيارات التي يمكن أن تسهم في إنقاذ الدولة وإعادة الأمل لشعبها.
اليمن اليوم يعيش واحدة من أكثر مراحله مأساوية في تاريخه الحديث؛ حرب طويلة، اقتصاد منهك، مؤسسات متعثرة، وملايين المواطنين يرزحون تحت وطأة أوضاع إنسانية ومعيشية قاسية، المشهد يستدعي قرارات استثنائية تواكب حجم التحديات.
في مثل هذه الظروف، تبرز أهمية الاستفادة من جميع الشخصيات الوطنية التي تمتلك الحضور السياسي والاجتماعي، والخبرة والعلاقات، بما يعزز فرص الوصول إلى تسوية شاملة تنهي الصراع وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار.
إن الأوطان في لحظات التحول الكبرى تحتاج إلى توسيع دائرة المشاركة، لا إلى تضييقها، وإلى استثمار كل الطاقات الوطنية القادرة على الإسهام في صناعة المستقبل وتغيير مجرى الأحداث.
من هذا المنطلق، يبرز ملف العقوبات المفروضة على القائد أحمد علي عبدالله صالح باعتباره أحد الملفات التي تستحق مراجعة جادة، بعيدًا عن الانفعالات السياسية أو الحسابات المرتبطة بالماضي. فالعقوبات في القانون الدولي ليست غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة سياسية تخضع للمراجعة متى تغيرت الظروف وأصبحت المصلحة العامة تستدعي مقاربة مختلفة.
لقد شهدت المنطقة خلال الأعوام الأخيرة تحولات سياسية ودبلوماسية كبيرة، واتجهت العديد من الدول إلى تغليب الحوار والمصالحة على استمرار الخصومات، انطلاقًا من القناعة بأن السلام لا يتحقق بالإقصاء، وإنما بإشراك مختلف القوى والشخصيات القادرة على الإسهام في البناء وبلورة الحلول.
في الحالة اليمنية، يمثل رفع العقوبات عن أحمد علي عبدالله صالح رسالة إيجابية، تعكس استعداد المجتمع الدولي لمواكبة المتغيرات السياسية، كما يمكن أن يسهم في توسيع مساحة الحوار الوطني الناجع، ويمنح جهود السلام زخمًا إضافيًا في مرحلة تتطلب مرونة أكبر ورؤية أكثر شمولًا.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية أن تضطلع الحكومة اليمنية بدور دبلوماسي أكثر فاعلية في هذا الملف، من خلال التواصل مع المجتمع الدولي والجهات المعنية، والعمل على دعم المساعي الرامية إلى إعادة النظر في هذه العقوبات، انطلاقًا من المصلحة الوطنية العليا، وما تفرضه الظروف الاستثنائية التي يمر بها اليمن.
الشعب اليمني يستحق أن تُسخَّر جميع الجهود السياسية والدبلوماسية التي قد تسهم في تعزيز فرص السلام، وتخفيف المعاناة، وتهيئة الظروف لبناء غدٍ أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا.
إن الدعوة إلى مراجعة هذا الملف لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها انحيازًا لطرف دون آخر، بل باعتبارها دعوة إلى توظيف كل الإمكانات الوطنية في خدمة اليمن، فالأولوية اليوم ليست لتصفية حسابات الماضي، وإنما لإنقاذ الحاضر وصناعة المستقبل.
لقد أثبتت تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن التسويات الكبرى لا تقوم على استبعاد الشخصيات المؤثرة، بل على استيعابها ضمن مشروع وطني جامع، يحفظ للدولة مؤسساتها، ويحقق للمواطن أمنه واستقراره، ويمنح الأجيال القادمة فرصة للعيش في وطن يسوده السلام.
اليمن اليوم أحوج من أي وقت مضى إلى خطوات جريئة ومسؤولة، تنظر إلى المستقبل بعين الحكمة، وتُقدّم المصلحة الوطنية على ما سواها. وإذا كان الهدف المشترك هو إنهاء الحرب واستعادة الدولة وتخفيف معاناة الشعب، فإن إعادة النظر في العقوبات المفروضة على القائد أحمد علي عبدالله صالح قد تكون إحدى الخطوات الدبلوماسية التي تستحق الدراسة، في إطار رؤية شاملة تضع إنقاذ اليمن فوق كل اعتبار، وتفتح المجال أمام كل ما من شأنه دعم جهود السلام، وترسيخ الاستقرار، وصناعة مستقبل أكثر إشراقًا لليمن واليمنيين.


