تقارير أمريكية.. إيران ترسم قواعد جديدة للملاحة في هرمز وتستثمر الحرب لترسيخ نفوذها البحري
وكالات/
قال تقرير تحليلي حديث صادر عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن إيران تتجه نحو فرض واقع بحري جديد في مضيق هرمز، مستفيدة من تداعيات المواجهة العسكرية الأخيرة مع الولايات المتحدة، بحيث لا تبدو مستعدة للعودة إلى النظام الملاحي الذي كان قائماً قبل الحرب، حتى في حال تحقيق تقدم على المسار الدبلوماسي.
ويرى التقرير، الذي أعده الباحث نعوم رايدان ضمن موجز تطورات الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، أن استمرار حركة الملاحة عبر مسارات ضيقة، وتصاعد التحذيرات الإيرانية، والتهديدات المتعلقة بالألغام البحرية، إضافة إلى الهجوم الأخير بطائرة مسيّرة على إحدى السفن التجارية، تمثل مؤشرات واضحة على أن طهران تعمل على تكريس ترتيبات بحرية جديدة تمنحها نفوذاً أكبر في أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم.
وأشار التقرير إلى أنه منذ توقيع الولايات المتحدة مذكرة تفاهم لوقف الحرب مع إيران في 17 يونيو، لوحظ ارتفاع تدريجي في عدد السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز، كما أعلنت المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة بعد أيام خطة واسعة لإجلاء مئات السفن وآلاف البحارة الذين كانوا عالقين في الخليج العربي.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يؤكد التقرير أن الملاحة لم تعد إلى طبيعتها، إذ لا تزال أعداد السفن أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، فيما تظل حركة العبور محكومة بتهديدات أمنية متواصلة، في مقدمتها المخاطر المرتبطة بالألغام البحرية والضغوط الإيرانية على السفن التجارية.
هشاشة الوضع الأمني
وأوضح التقرير أن السفن بدأت، بعد انحسار العمليات العسكرية، باستخدام مسارين بديلين لعبور المضيق؛ الأول بمحاذاة الساحل العماني، والثاني عبر المياه الإيرانية، إلا أن الهجوم الأخير على سفينة الحاويات “إيفر لافلي” (رقم المنظمة البحرية الدولية 9629110) أثناء عبورها المسار العماني، إلى جانب تحذيرات إيرانية من استخدام أي مسارات لا توافق عليها طهران، أظهر أن حتى الطريق العماني لم يعد بمنأى عن المخاطر.
وأضاف أن المنظمة البحرية الدولية علّقت على إثر ذلك خطة الإجلاء، بينما ألغت ناقلة النفط الخام “أوميغا تريدر” عبورها وعادت إلى الخليج العربي، في مؤشر جديد على استمرار هشاشة الوضع الأمني.
وفي اليوم ذاته، أصدرت الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي بياناً مشتركاً شدد على أهمية ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، إلا أن التقرير يرى أن التطورات الميدانية تعكس انهيار النظام الملاحي التقليدي وظهور ترتيبات جديدة تسعى إيران إلى تثبيتها باعتبارها الطرف الأكثر تأثيراً في إدارة حركة الملاحة.
80 لغماً بحرياً
وأكد الباحث أن السؤال لم يعد يتعلق بكيفية عودة إيران إلى الوضع السابق، بل بكيفية استعداد صناع القرار للتعامل مع المبررات التي ستطرحها طهران لضمان دورها المركزي في النظام البحري الجديد، والعوائق التي قد تضعها أمام أي ترتيبات بديلة.
وأشار التقرير إلى أن السفن التجارية أصبحت تتجنب نظام فصل حركة المرور (TSS)، الذي اقترحته إيران وسلطنة عمان قبل عقود واعتمدته المنظمة البحرية الدولية عام 1968، نتيجة الاشتباه بوجود ألغام بحرية في المسار التقليدي داخل المضيق.
ونقل التقرير عن مدير الشؤون البحرية في الرابطة الدولية لمالكي ناقلات النفط المستقلين (INTERTANKO)، فيل بيلشر، قوله إن آخر التقديرات تشير إلى وجود نحو 80 لغماً بحرياً في المضيق، وهو عدد كبير ستستغرق إزالته وقتاً طويلاً، بينما أكد مركز المعلومات البحرية المشترك أن عمليات إزالة الألغام لا تزال جارية.
ويرى التقرير أن استمرار الغموض بشأن هذه الألغام سيدفع السفن إلى مواصلة استخدام المسارين البديلين اللذين ظهرا خلال الحرب؛ الأول هو “المسار الشمالي” عبر المياه الإيرانية، والذي أعلنت هيئة مضيق الخليج العربي الإيرانية -الخاضعة للعقوبات الأمريكية- أنه يمثل “طريق الملاحة الآمن الجديد”، فيما يتمثل الثاني في “المسار الجنوبي” بمحاذاة الساحل العماني، والذي استخدمته عدة سفن بتوجيه أمريكي.
مخاطر بيئية واقتصادية
وأوضح التقرير أن خطة المنظمة البحرية الدولية كانت تقضي بالسماح للسفن باستخدام أي من المسارين المؤقتين بالتنسيق مع الدولة الساحلية الواقعة على امتداد خط سيرها، إلا أن إيران أعلنت أن جميع المسارات الأخرى، بما فيها الطريق العماني، “غير مقبولة” وتشكل “مخاطر أمنية جسيمة”، مؤكدة أن التنسيق مع الحرس الثوري الإيراني أصبح إلزامياً، قبل ساعات فقط من تعرض السفينة “إيفر لافلي” للهجوم.
وتظهر بيانات تتبع السفن، بحسب التقرير، استمرار استخدام كلا المسارين، حيث غادرت ناقلة النفط الخام “توجو بروسبيريتي” عبر المسار العماني، بينما دخلت الناقلة “ناتسومي” عبر المسار الإيراني.
إلا أن الباحث يؤكد أن هذين المسارين لا يستطيعان استيعاب حجم حركة الملاحة الذي كان يمر عبر نظام فصل حركة المرور قبل الحرب، والذي بلغ متوسطه نحو 138 سفينة يومياً، مشيراً إلى أن شركات الشحن لن تعود إلى المسارات التقليدية قبل إزالة الألغام بالكامل، خصوصاً في ظل المخاطر البيئية والاقتصادية التي قد تنجم عن اصطدام ناقلات النفط بالألغام، مع استمرار الغموض بشأن استعداد إيران للتعاون مع عمليات إزالة الألغام الدولية.
وتدعم بيانات شركة “كيبلر” لأبحاث السوق هذا التقييم، إذ سجلت ناقلات النفط والغاز والمنتجات البترولية انتعاشاً محدوداً في حركة العبور عقب توقيع مذكرة التفاهم.
ففي 17 يونيو عبرت سبع ناقلات فقط المضيق، قبل أن يرتفع العدد إلى 27 ناقلة في اليوم التالي، ثم إلى 32 ناقلة بحلول 24 يونيو، لينخفض إلى 29 عملية عبور في اليوم الذي تعرضت فيه “إيفر لافلي” للهجوم. ومع ذلك، بقيت جميع هذه الأرقام أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، عندما سجلت ناقلات السوائل 59 عملية عبور في يوم واحد.
وأشار التقرير إلى أن احتمال تعطل الملاحة مجدداً لا يزال قائماً، في ظل تصعيد الحرس الثوري الإيراني لتهديداته عبر قنوات الاتصال البحرية. واستشهد بتنبيه صادر عن شركة “أمبري إنتليجنس” البريطانية أفاد بأن الحرس الثوري أمر ناقلة منتجات نفطية كانت متجهة من قطر إلى باكستان بالتوجه شمال جزيرة لارك والتوقف حتى إشعار آخر، مهدداً باستهدافها بالصواريخ رغم أنها كانت تسلك المسار الإيراني.
وأكد التقرير أن هذه التطورات تعزز احتمالات استمرار السلوك الإيراني، خاصة مع صعوبة العودة إلى النظام الملاحي السابق، في وقت لا تزال فيه فكرة إنشاء آلية إقليمية مشتركة لإدارة المضيق تفتقر إلى الوضوح، ولا سيما فيما يتعلق بالرسوم المحتملة على الخدمات البحرية بعد انتهاء فترة الستين يوماً المنصوص عليها في مذكرة التفاهم.
آثار مترتبة على السياسات
ويرى التقرير أن إيران أدركت القيمة الاستراتيجية للسيطرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، بعد سنوات من استهداف السفن التجارية ومضايقتها في الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عمان وصولاً إلى بحر العرب، وهو ما يجعل من المرجح استمرار استخدامها لهذه الورقة خلال أي مفاوضات مقبلة مع واشنطن بهدف ترسيخ النظام الملاحي الجديد الذي فرضته.
ويؤكد الباحث أن مواجهة هذه الاستراتيجية تتطلب أكثر من إصدار بيانات سياسية مشتركة، داعياً الولايات المتحدة وشركاءها الإقليميين إلى تبني سياسات وإجراءات جديدة تمنع احتكار إيران لفرض قواعد الملاحة في المضيق.
ويضع التقرير توفير إرشادات واضحة للبحارة بشأن السلامة والأمن في مقدمة الأولويات، مشيراً إلى أن المخاوف من تعرض السفن لإجراءات انتقامية في حال عدم الامتثال لتعليمات الحرس الثوري الإيراني أصبحت واقعية، وأن الاعتراف بانهيار النظام الملاحي السابق يمثل الخطوة الأولى نحو معالجة الأزمة.
ويدعو إلى اعتماد أدوات غير عسكرية للتعامل مع التحديات الحالية، محذراً من أن أي مواجهة عسكرية جديدة داخل المضيق ستؤدي إلى تفاقم الأزمة، ومشدداً على أهمية توفير قنوات اتصال واضحة مع السفن التي تستخدم المسار العماني، تتضمن التعليمات اللازمة للتعامل مع التحذيرات أو الهجمات الإيرانية، نظراً لأن أطقم السفن ليست مؤهلة بطبيعتها للعمل في بيئة نزاع مسلح.
وذكر التقرير أن الإعلان العلني عن مواقع الألغام ووضع جدول زمني واضح لإزالتها يجب أن يكون أولوية عاجلة، لأن استمرار الغموض سيؤخر استعادة الملاحة الطبيعية، ويمنح إيران فرصة لترسيخ النظام الملاحي الذي تفضله، بينما ستظل السفن مضطرة لاستخدام المسارين الشمالي والجنوبي إلى حين إزالة الخطر بالكامل.
وأشار إلى بروز تطور جديد يتمثل في مطالبة سلطنة عمان بفرض رسوم مستقبلية على خدمات مكافحة التلوث والمساعدة المقدمة للسفن العابرة، وهو مقترح سبق أن طرحته إيران أيضاً، الأمر الذي أثار مخاوف أمريكية من تحول هذه الرسوم إلى سابقة يمكن تعميمها في ممرات مائية دولية أخرى.
واختتم التقرير بالتأكيد أنه، لتجنب اضطرابات طويلة الأمد بعد انتهاء فترة التفاوض المحددة بـ(60) يوماً، ينبغي أن تكون أي رسوم تُفرض ذات طابع مؤقت، وأن تقتصر على الحالات التي تطلب فيها السفن المساعدة أو عند وقوع حوادث تلوث، على أن يتم إلغاؤها فور استعادة الملاحة التقليدية في مضيق هرمز.


