الصحافة اليمنية في مرمى النيران..
أ.د.عبدالوهاب العوج
لمناقشة هذا العنوان و توضيح مصادر الخطر وآليات الحماية لابد من قراءة أولية جيوسياسية في انهيار البيئة الآمنة للصحافة اليمنية، حيث لم تعد الأزمة التي تعيشها الصحافة اليمنية مجرد أزمة مهنية أو حقوقية، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا لتحول الدولة إلى ساحات نفوذ متصارعة، تتعدد فيها مراكز القوة ويتراجع فيها القانون، و في هذا السياق، لم يعد الصحفي مستهدفًا بسبب ما يكتب فحسب، بل بسبب ما يمثله من قدرة على إنتاج الرواية المستقلة في مواجهة روايات القوى المسلحة والسياسية، و خلال أكثر من عقدين من الزمن او على اقل تقدير منذ اندلاع ثورة الشباب و احداث الربيع العربي 2011 والذي يحلو للبعض تسميته بالربيع العبري، فقد انتقلت الصحافة اليمنية من مواجهة الضغوط التقليدية إلى مواجهة الاغتيالات والاختطافات والإخفاء القسري والتعذيب والمحاكمات السياسية و النفي والتشريد القسري الداخلي والخارجي، حتى غدت اليمن إحدى أخطر البيئات في العمل الصحفي في المنطقة العربية.
المحور الأول:
الصحافة اليمنية في مرمى النيران
أولًا: العقدين الأسوأ في تاريخ الصحافة اليمنية.. لنتساؤل من هو العدو الأول للصحافة؟
إذا كان التاريخ الحديث للصحافة اليمنية قد عرف مراحل من التضييق، فإن الفترة الممتدة منذ عام 2011 وحتى الان 2026 هي فترة تمثل بلا شك الأسوأ في تاريخها، نتيجة الانقسام السياسي و الانقلاب الحوثي و انهيار مؤسسات الدولة وتحول البلاد إلى جغرافيا تتقاسمها سلطات متعددة متناحرة، لكل منها أدواتها الأمنية وإعلامها الخاص واساليبها الظاهرة و الباطنة في محاربة الصحافة اليمنية الحرة والاستقطبات القاسية التي لا تترك مجالا للحرية النسبية و لو بحدها الادنى.
ولا يمكن اختزال مصدر الخطر في طرف واحد بعينه فقط رغم ان المؤشرات جميعها تشير الى المليشيات الحوثية، إذ تختلف أنماط الانتهاكات باختلاف مناطق السيطرة والنفوذ. غير أن جماعة الحوثي تُتهم على نطاق واسع وبالادلة القطعية، من قبل منظمات حقوقية محلية ودولية ومؤشرات ودلائل قطعية على فداحة ما ترتكبه من جرائم بحق الصحافة و الصحفيين، و بأنها تتحمل النصيب الأكبر من تلك الجرائم و الانتهاكات الممنهجة بحق الصحفيين في مناطق سيطرتها، وذلك من خلال الاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري والتعذيب، وأحكام الإعدام، وإغلاق المؤسسات الإعلامية، ومصادرة الممتلكات، وفرض رقابة صارمة على تدفق المعلومات وغيرها من الشواهد والدلائل القطعية.
و في المقابل، شهدت مناطق أخرى أيضًا حوادث اغتيال واعتداءات وتهديدات وقيود على العمل الإعلامي، ما يعكس أزمة بنيوية تتمثل في غياب سلطة قضائية قادرة على حماية حرية التعبير ومحاسبة الجناة.
إن العدو الحقيقي للصحافة اليمنية ليس فقط الجهة المنفذة للانتهاك، وإنما ثقافة الإفلات من العقاب التي جعلت استهداف الصحفيين سلوكًا منخفض الكلفة وعالي المكاسب.
ثانيًا: تعدد الانتهاكات… ماذا بقي في جسد الصحافة اليمنية؟
تعرضت الصحافة اليمنية إلى استنزاف متعدد الأبعاد:
قتل واغتيالات.
اختطافات وإخفاء قسري.
تعذيب داخل السجون.
محاكمات ذات طابع سياسي.
تهجير قسري.
انهيار اقتصادي للمؤسسات الإعلامية وضياع للحقوق.
استقطاب سياسي وحزبي للإعلام.
ولم يعد كثير من الصحفيين يعملون في مؤسسات مستقلة، بل اضطروا للعمل ضمن وسائل إعلام مرتبطة بمراكز النفوذ، أو غادروا المهنة نهائيًا بحثًا عن مصدر رزق.
وأدى ذلك إلى تآكل الإعلام المهني لصالح إعلام التعبئة السياسية، حيث أصبحت الرواية المستقلة هي الخاسر الأكبر.
ثالثًا: الجريمة المستمرة بحق الصحافة منذ 2004… انتهاكات جماعة الحوثي
منذ اندلاع أولى الحروب في صعدة عام 2004، تصاعدت المواجهة بين الجماعة والإعلام المستقل بصورة تدريجية، ثم اتسعت بصورة غير مسبوقة بعد سيطرة الجماعة على صنعاء عام 2014.
وتتمثل أبرز الانتهاكات المنسوبة للجماعة في:
إغلاق الصحف والقنوات والإذاعات.
اعتقال الصحفيين لفترات طويلة.
الإخفاء القسري.
التعذيب وسوء المعاملة.
إصدار أحكام بالإعدام بحق عدد من الصحفيين قبل الإفراج عن بعضهم ضمن صفقات تبادل.
مصادرة الممتلكات.
منع تداول الصحف.
تجريم العمل الصحفي المستقل.
فرض خطاب إعلامي أحادي.
وتشير تقارير منظمات دولية إلى أن هذه الانتهاكات اتسمت بالطابع المنهجي، بما جعل حرية الصحافة إحدى أكثر الحريات تضررًا في مناطق سيطرة الجماعة.
رابعًا: اغتيال الصحفيين… كيف يصل القتلة إليهم؟
تمثل قضايا مقتل الصحفية رشا الحرازي، وزوجها الصحفي محمود العتمي في مدينة عدن العاصمة المؤقتة للجمهورية اليمنية، وكذلك مقتل الصحفي محمد عيضة في مدينة المكلا بحضرموت، وغيرها من النماذج المأساوية التي تكشف وبجلاء أن الخطر لم يعد مرتبطًا بمقر العمل أو ساحات القتال فقط، بل أصبح يلاحق الصحفي في حياته اليومية وفي مدن يفترض انها محررة وغير مخترقة امنيا.
وتعكس هذه الحوادث عدة دلالات:
هشاشة المنظومة الأمنية.
سهولة تعقب الصحفيين.
ضعف الحماية القانونية.
بطء إجراءات التحقيق.
استمرار الإفلات من العقاب.
وعندما يدرك القاتل أن فرص محاسبته محدودة، يتحول الاغتيال إلى وسيلة لترهيب المجتمع الإعلامي بأكمله، وليس الضحية وحدها.
خامسًا: أين المكان الآمن للصحفي؟
الإجابة المؤلمة أن المكان الآمن يكاد يكون غائبًا.
فالصحفي قد يواجه الخطر:
في منزله.
في مقر عمله.
أثناء تنقله.
على الحواجز الأمنية.
داخل السجون.
وحتى في منفاه.
وأصبحت التهديدات الرقمية، والملاحقات الإلكترونية، وحملات التشهير جزءًا من أدوات إسكات الأصوات المستقلة.
إن تعدد المنتهكين يعني أن الصحفي قد يجد نفسه بين أكثر من سلطة، وكل منها تنظر إلى استقلاليته باعتبارها تهديدًا لمشروعها السياسي.
**المحور الثاني:
آليات الحماية
أولًا: الشتات… الحماية التي تحولت إلى معاناة جديدة
اختار آلاف الصحفيين مغادرة اليمن حفاظًا على حياتهم وحياة أسرهم.
لكن النجاة لم تكن نهاية المعاناة.
ففي بلدان اللجوء يواجه الصحفي:
البطالة.
فقدان مصادر الدخل.
صعوبة الإقامة القانونية.
اضطراب الهوية المهنية.
الضغوط النفسية.
تفكك الأسر.
تراجع فرص العودة.
لقد أنقذ الشتات كثيرًا من الأرواح، لكنه أنتج أزمة مهنية وإنسانية طويلة الأمد.
ثانيًا: ما هي آليات حماية الصحفيين؟
الحماية الحقيقية لا تبدأ بعد وقوع الانتهاك، وإنما قبله.
ومن أبرز الآليات:
بناء منظومة إنذار مبكر للتهديدات.
التدريب على السلامة المهنية والأمن الرقمي.
توفير دعم قانوني عاجل.
إنشاء صناديق طوارئ للصحفيين.
برامج إعادة التوطين للمعرضين لخطر شديد.
تأمين صحي ونفسي.
توثيق الانتهاكات بصورة احترافية.
تعزيز التضامن بين المؤسسات الإعلامية.
ثالثًا: من المسؤول عن حماية الصحفيين؟
المسؤولية الأولى تقع على عاتق الدولة باعتبارها الضامن الدستوري للحقوق والحريات.
كما تتحمل المسؤولية أيضًا:
السلطات المحلية.
الأجهزة الأمنية.
القضاء.
النيابات.
نقابة الصحفيين.
المنظمات الحقوقية.
المؤسسات الإعلامية.
المجتمع الدولي، خصوصًا في حالات النزاعات المسلحة.
ولا يمكن نقل مسؤولية الحماية بالكامل إلى الصحفي نفسه.
رابعًا: هل تؤدي الجهات المعنية دورها؟
تبذل بعض المنظمات والنقابات جهودًا مهمة في التوثيق والمناصرة وتقديم الدعم، إلا أن حجم الأزمة يتجاوز الإمكانات المتاحة.
وفي المقابل، كثيرًا ما يوجَّه انتقاد للسلطات والجهات المعنية بأنها تكتفي بإصدار بيانات الإدانة أو تنظيم فعاليات تضامنية، بينما تظل ملفات التحقيق والمحاسبة تراوح مكانها، وهو ما يعزز شعور الصحفيين بأن العدالة لا تزال بعيدة المنال.
خامسًا: نقابة الصحفيين وروابطهم… أي دور؟ وما المطلوب؟
تظل النقابات والروابط المهنية خط الدفاع الأول عن الصحفيين، لكن نجاحها يتوقف على استقلاليتها وقدرتها على تمثيل جميع الصحفيين بعيدًا عن الاستقطابات السياسية.
ويتمثل المطلوب في:
تعزيز استقلال القرار النقابي، و
تحديث قواعد العضوية والتمثيل و بناء شراكات دولية فعالة، و
إنشاء وحدات قانونية متخصصة، و
تطوير برامج الحماية والسلامة وكذلك
إنشاء قواعد بيانات دقيقة للانتهاكات.
و مما سبق يجب علينا جميعا في اليمن ان نقوم بتوحيد جهود جميع الكيانات الصحفية للدفاع عن حرية الإعلام، ومن هنا نجد إن إصلاح مؤسسات الحماية يبدأ أيضًا من داخل الجسم الصحفي نفسه، عبر ترسيخ قيم التضامن المهني، وتقديم المصلحة العامة للمهنة على الانقسامات السياسية.
و الخلاصة ان التجربة اليمنية تكشف أن استهداف الصحافة ليس نتيجة جانبية للحرب، بل أصبح في كثير من الأحيان أداة من أدوات إدارة الصراع، فكلما ضعفت الدولة، اتسعت مساحة العنف ضد الإعلام، وكلما غابت المحاسبة، أصبح الصحفي هدفًا مشروعًا في نظر من يسعى لاحتكار الحقيقة،
ولا يمكن بناء سلام مستدام في اليمن دون صحافة حرة وآمنة؛ لأن الإعلام المستقل ليس خصمًا للدولة، بل أحد أهم ضمانات بقائها. ومن دون حماية الصحفيين، ستظل الحقيقة نفسها في مرمى النيران، وسيبقى المجتمع هو الخاسر الأكبر.
* أكاديمي ومحلل سياسي.


