مقالات وأراء

لبنان أمام اختبار خطير: هل تعيد الميليشيا إنتاج منطق الاغتيالات؟

صادق الحكيم::

لبنان لا يعيش أزمة سياسية عادية، بل يواجه صراعاً أعمق حول معنى الدولة ومن يملك القرار فيها. فمنذ اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005، دخل البلد مرحلة جديدة عنوانها: ماذا يحدث عندما تتقاطع السلطة السياسية مع قوة مسلحة خارج الإطار الكامل للدولة؟

أحداث 7 و8 أيار 2008 لم تكن مجرد اشتباكات أمنية عابرة، بل كانت لحظة كشفت أن ميزان القوة في لبنان لا يُحسم دائماً داخل المؤسسات الدستورية، وأن وجود سلاح خارج الدولة يجعل أي أزمة سياسية قابلة للتحول إلى أزمة أمنية.

الخطر الحقيقي لا يبدأ باغتيال شخصية سياسية، بل يبدأ عندما تصبح المؤسسات عاجزة عن حماية نفسها، وعندما يصبح القادة المنتخبون أو الدستوريون تحت ضغط الشارع والسلاح والتهديدات.

الرئيس اللبناني ورئيس الحكومة يمثلان رمز الدولة، وأي استهداف لهما ــ أياً كان مصدره ــ سيكون زلزالاً سياسياً يفتح الباب أمام مرحلة مجهولة، لأن اغتيال رأس الدولة أو رأس الحكومة لا يطيح بشخص فقط، بل يضرب فكرة التوازن الوطني.

والتاريخ اللبناني يحمل ذاكرة مؤلمة من الاغتيالات التي غيرت مسار البلاد، من قادة سياسيين وعسكريين، وكل حادثة كانت تترك فراغاً تستفيد منه قوى النفوذ على حساب الدولة.

الدول التي تسمح بتعدد مراكز القوة تصبح أمام معادلة خطيرة: كل طرف يرى أن إزاحة خصمه قد تكون طريقاً لتغيير قواعد اللعبة. وهنا تتحول السياسة من منافسة إلى صراع بقاء.

ويمكن قراءة تجربة صنعاء كمثال إقليمي على خطورة انهيار مركز الدولة؛ فعندما دخلت قوة مسلحة إلى العاصمة عام 2014، لم يكن الأمر مجرد تغيير سياسي، بل تحولاً في طبيعة الحكم، حيث أصبحت المؤسسات تعمل تحت واقع فرضته القوة المسلحة.

الدرس الأهم للبنان:
أن حماية الرئاسة والحكومة ليست حماية لأشخاص، بل حماية لفكرة أن الدولة وحدها تملك القرار.

فإذا وصلت البلاد إلى مرحلة يصبح فيها مصير المسؤولين مرتبطاً بميزان السلاح لا بميزان القانون، فإن الخطر لن يكون على رئيس أو حكومة فقط… بل على لبنان نفسه.

 

محمد عبده

About Author

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *