مقالات وأراء

جاهزية الصف الوطني بين متطلبات السلم ومقتضيات الحرب

أ.د.عبدالوهاب العوج

تُـمتحَن الدول في محطاتها التاريخية المصيرية باختبار حقيقي لتماسك صفها الوطني، وقدرتها على إدارة التحديات الأمنية والسياسية في آنٍ واحد. وفي الحالة اليمنية، تبرز أهمية الحديث عن “جاهزية الصف الوطني” باعتبارها الركيزة الأساسية التي تستند إليها الدولة في الحفاظ على الاستقرار والدفاع عن السيادة، سواء في ظروف السلم أو في حال فرضت التطورات الميدانية خيارات الحرب.

أولاً: الاستعداد الوطني بين السلم والحرب

لا يمكن قياس جاهزية الصف الوطني فقط بحجم القدرات العسكرية أو الأمنية، بل تشمل كذلك مستوى التماسك السياسي والاجتماعي والمؤسسي للدولة. ففي أوقات السلم، تتجسد هذه الجاهزية في قدرة مؤسسات الدولة على أداء وظائفها، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والخدمي، وترسيخ الثقة بين المواطنين ومؤسسات الحكم. أما في أوقات الحرب، فتتحول الجاهزية إلى قدرة وطنية شاملة تشمل القوات المسلحة، والأجهزة الأمنية، والجبهة الداخلية، والقوى السياسية والمجتمعية، والإعلامية.

إن الدولة التي تستعد للسلام بجدية هي ذاتها الدولة التي تتهيأ لمواجهة أي طارئ؛ لأن الحفاظ على السلام يتطلب امتلاك عناصر القوة والردع التي تمنع الأطراف المهددة للاستقرار من فرض أجنداتها بالقوة.

ثانياً: رؤية الحكومة اليمنية بين خيار السلام والاستعداد للطوارئ

تؤكد الحكومة اليمنية باستمرار تمسكها بخيار السلام باعتباره الطريق الأقل كلفة والأكثر قدرة على إنهاء معاناة المواطنين، بناءً على القرارات الدولية الصادرة تحت الفصل السابع، وعلى رأسها القرار 2216. غير أن هذا الخيار لا يعني التخلي عن واجبها الدستوري في حماية الدولة والدفاع عن مصالحها العليا.

ومن هذا المنطلق، فإن أي إجراءات لتعزيز الجاهزية الأمنية والعسكرية ينبغي فهمها ضمن إطار المسؤولية الوطنية والاستعداد لمواجهة أي مستجدات قد تفرضها التطورات الميدانية أو الإقليمية، وخاصة في ظل استقرار منطقة الخليج العربي نسبياً، واستمرار إيران في دعم ميليشيا الحوثي المصنفة إرهابيًا بالسلاح والمعدات العسكرية المختلفة، وبسفن المشتقات النفطية التي تبيعها في السوق السوداء لتمويل حربها ضد الشرعية والشعب اليمني.

وتدرك الحكومة أن السلام المستدام لا يتحقق عبر تقديم التنازلات تحت الضغط، وإنما من خلال بناء معادلة توازن تضمن احترام مؤسسات الدولة والقانون، وتمنع العودة إلى منطق القوة المسلحة.

ثالثاً: الردع والاستقرار أم مؤشرات التصعيد؟

تختلف قراءة الجاهزية الوطنية باختلاف زاوية النظر إليها. فمن منظور الدولة، تمثل الجاهزية عنصراً أساسياً في معادلة الردع والحفاظ على الاستقرار ومنع الانزلاق نحو الفوضى. فكلما كانت مؤسسات الدولة وقواتها المسلحة أكثر استعداداً، تراجعت فرص المغامرات العسكرية ومحاولات فرض الأمر الواقع.

وفي المقابل، لا ينبغي قراءة تعزيز الجاهزية كدليل مسبق على التصعيد، ما دامت الدولة تعلن بوضوح تمسكها بالحلول السياسية. فالفرق كبير بين الاستعداد للحرب والسعي إليها، إذ إن الدول المسؤولة تعمل على تجنب النزاعات، لكنها لا تهمل واجبها في الاستعداد لها.

رابعاً: الجبهة الداخلية.. عامل الحسم الأول

تمثل الجبهة الداخلية خط الدفاع الأول في مواجهة أي تحديات محتملة. فالتماسك السياسي بين القوى الوطنية، ورفع مستوى الوعي المجتمعي، وتعزيز الخطاب الإعلامي المسؤول، كلها عوامل تحدد قدرة الدولة على مواجهة الأزمات.

ويتطلب ذلك تجاوز الخلافات الثانوية وتغليب المصلحة الوطنية العليا، خاصة في ظل التحديات التي تواجه البلاد. كما أن الإعلام الوطني مطالب بأداء دور محوري في مواجهة حملات التضليل والشائعات التي تستهدف إضعاف الثقة بمؤسسات الدولة وإثارة الانقسامات داخل المجتمع.

خامساً: مواجهة خطاب التعبئة الحوثي وتعزيز الصف الوطني

تواصل ميليشيا الحوثي المصنفة إرهابيًا استخدام خطاب التعبئة والحشد العسكري والتعبوي كأداة لإدامة الصراع وتوسيع دائرة التوتر. ويشكل هذا الخطاب تهديداً مباشراً لفرص السلام والاستقرار، لأنه يقوم على تعزيز الانقسام وتغليب منطق القوة على منطق الدولة.

وفي مواجهة ذلك، يصبح تعزيز الصف الوطني ضرورة استراتيجية تتطلب توحيد الجهود السياسية والإعلامية والمجتمعية، وترسيخ مفهوم الدولة الجامعة التي تستوعب جميع المواطنين تحت مظلة القانون والمؤسسات. كما يتطلب دعم الوعي المجتمعي بمخاطر الخطابات التحريضية التي تسهم في إطالة أمد الصراع.

سادساً: مسؤولية القوى السياسية والمجتمعية

تقع على عاتق القوى السياسية والمجتمعية مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة، تتمثل في دعم جهود الاستقرار وتعزيز الثقة بالمؤسسات الوطنية، والعمل على خلق بيئة سياسية داعمة للسلام دون التفريط بعناصر القوة الوطنية.

كما أن النخب الفكرية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني مطالبة بالإسهام في بناء خطاب وطني جامع يرفض العنف ويعزز ثقافة الدولة والقانون، مع دعم حق الدولة المشروع في الدفاع عن سيادتها ومصالحها العليا.

سابعاً: نظرة المجتمعين الإقليمي والدولي

تركز النظرة الإقليمية والدولية للمشهد اليمني على المفارقة الواضحة بين خطاب الحكومة الداعي إلى السلام والحلول السياسية، وبين خطاب الحوثيين القائم على التهديد والتصعيد العسكري، ويمنح هذا التباين الحكومة مساحة أوسع لحشد الدعم السياسي والدبلوماسي لمواقفها، خاصة عندما تقترن دعوات السلام بإجراءات عملية تعزز الاستقرار وتحافظ على الأمن.

وفي المقابل، فإن استمرار خطاب التصعيد والحشد العسكري يثير مخاوف إقليمية ودولية من احتمالات تجدد الصراع وما قد يترتب عليه من تداعيات إنسانية وأمنية تتجاوز حدود اليمن الى الجوار الخليجي.

ثامناً: السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة

تقف المرحلة المقبلة أمام عدة سيناريوهات محتملة:

· السيناريو الأول: نجاح الجهود السياسية والإقليمية والدولية في احتواء الاستفزازات والعودة إلى مسار التسوية، بما يفتح المجال أمام إجراءات بناء الثقة واستئناف العملية السياسية.
· السيناريو الثاني: استمرار التصعيد والخطابات العسكرية، بما يؤدي إلى تآكل فرص التهدئة ويدفع نحو مواجهات محدودة أو واسعة النطاق.
· السيناريو الثالث: قدرة القوى الوطنية على تعزيز تماسكها الداخلي ورفع مستوى الجاهزية السياسية والعسكرية، بما يجعل خيار السلام أكثر قوة وفاعلية، ويمنع أي طرف من الاعتقاد بإمكانية تحقيق مكاسب عبر القوة المسلحة.

و في الختام نستطيع القول إن جاهزية الصف الوطني ليست نقيضاً للسلام، بل شرطاً أساسياً لضمان سلام عادل ومستدام؛ إذ تمنح الدولة حضوراً يردع المعتدين، ويجعل خيار السلام أقوى من خيار الحرب. وهو ما يتسق مع نظريات الأمن الوطني التي تربط بين الردع والاستقرار.

فبين خيار السلام الذي تتمسك به الحكومة، وخطابات التصعيد التي تهدد الاستقرار، تظل وحدة الصف الوطني وتماسك الجبهة الداخلية العامل الحاسم في حماية اليمن وصون مستقبله.

* أكاديمي ومحلل سياسي يمني.

محمد عبده

About Author

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *