المهاجرون الأفارقة في اليمن: أسئلة مؤجلة وخطر يتعاظم
د. عادل الشجاع
منذ سنوات واليمن يشهد ظاهرة غير مسبوقة تتمثل في تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين الأفارقة القادمين عبر البحر من القرن الأفريقي، ثم انتشارهم على الطرقات الرئيسية بين المحافظات، في مشهد أصبح مألوفاً إلى درجة أن كثيرين توقفوا عن التساؤل حول أسبابه وخلفياته!.
لكن ما ينبغي أن يثير القلق ليس وجود المهاجرين بحد ذاته، فالهجرة غير الشرعية ظاهرة عالمية تعاني منها دول كثيرة، وإنما الطريقة التي تتم بها هذه الحركة البشرية الضخمة داخل بلد يعيش حربا ممتدة وانقساما سياسيا وأمنيا عميقا..
منذ عام 2012 بدأت تظهر جماعات كبيرة من المهاجرين الأفارقة تسير على الأقدام عبر الطرق الممتدة بين الحديدة وتعز وإب وذمار وغيرها من المحافظات. ومع مرور الوقت تحول المشهد من مجرد مجموعات عابرة إلى تجمعات منظمة في بعض المناطق، الأمر الذي دفعني حينها إلى طرح تساؤلات عبر صحيفة الجمهورية لم تجد حتى اليوم إجابات واضحة؟.
من هم هؤلاء القادمون؟ وكيف تمكنوا من الوصول إلى عمق الأراضي اليمنية؟ ومن هي الجهات التي تؤمن لهم طرق الحركة والإقامة؟ ومن يتحمل مسؤولية مراقبة الحدود البحرية التي يعبرون منها؟.
الأكثر إثارة للانتباه أن النقاش العام غالبا ما يتوقف عند النتائج الظاهرة، بينما يتم تجاهل الأسباب الحقيقية. فوجود آلاف الأشخاص في مناطق محددة يحتاج إلى إمكانيات لوجستية كبيرة، من مأوى ومياه وغذاء ونقل وخدمات. وهذه ليست أمورا تحدث تلقائيا أو بصورة عشوائية، بل تستوجب وجود شبكات وتنظيمات وآليات دعم يجب أن تكون محل دراسة ومتابعة من الجهات المختصة..
كما أن استمرار تدفق المهاجرين إلى بلد يعاني من أزمة اقتصادية وإنسانية خانقة يطرح أسئلة إضافية حول قدرة الدولة والمجتمع على استيعاب هذه الظاهرة، وحول انعكاساتها الأمنية والاجتماعية والاقتصادية في المستقبل..
إن الخطر لا يقتصر على اليمن وحده، بل يمتد إلى دول الجوار وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية. فالمناطق الحدودية الحساسة تتطلب أعلى درجات الرقابة والمتابعة، وأي تجمعات بشرية كبيرة وغير منظمة في محيطها تستوجب دراسة دقيقة ومعالجة استباقية لمنع استغلالها من قبل شبكات التهريب أو الجريمة المنظمة أو أي جهات تسعى إلى توظيف معاناة البشر لتحقيق أهداف سياسية أو أمنية..
والأخطر من ذلك أن استمرار الصمت الرسمي والإعلامي يترك المجال واسعا أمام الشائعات والتكهنات. فعندما تغيب المعلومات الموثقة، تنتشر الروايات المتضاربة ويزداد القلق الشعبي. لذلك فإن المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، وإنما فتح تحقيقات شفافة تكشف الحقائق للرأي العام وتجيب عن الأسئلة المشروعة التي يطرحها المواطنون؟.
إن معالجة هذه القضية تتطلب خطة عاجلة تشمل تشديد الرقابة على السواحل ومكافحة شبكات تهريب البشر، وإنشاء مراكز رسمية لاستقبال المهاجرين وتسجيل بياناتهم، وتعزيز التعاون مع دول القرن الأفريقي والمنظمات الدولية المختصة بالهجرة، إضافة إلى إجراء مسح شامل للتجمعات الموجودة داخل اليمن لمعرفة أعدادها وأوضاعها القانونية واحتياجاتها الإنسانية..
كما يجب أن تترافق الإجراءات الأمنية مع احترام الكرامة الإنسانية للمهاجرين، فهم في نهاية المطاف بشر دفعتهم ظروف قاسية إلى المخاطرة بحياتهم بحثا عن فرصة أفضل، ولا يجوز أن يتحولوا إلى ضحايا للمهربين أو أدوات في صراعات لا علاقة لهم بها..
إن اليمن والسعودية والمنطقة بأكملها بحاجة إلى التعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها قضية أمنية وإنسانية واستراتيجية في آن واحد. أما استمرار تجاهل الأسئلة الكبرى فسيجعل المشكلة أكثر تعقيدا، وقد يحولها مستقبلا إلى تحد يصعب احتواؤه..
لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة التساؤل والقلق إلى مرحلة البحث الجاد عن الحقائق ووضع الحلول، لأن الدول لا تبنى على تجاهل المشكلات، بل على مواجهتها بشجاعة وشفافية ومسؤولية..


