د. محمد حسن الوقيدي
في الثامن والعشرين من أغسطس عام 1982م، شهدت اليمن محطة سياسية ووطنية فارقة تمثلت في تأسيس المؤتمر الشعبي العام، الذي جاء في مرحلة تاريخية دقيقة كانت اليمن خلالها بحاجة إلى إطار وطني جامع يتجاوز الانقسامات ويضع مصلحة الوطن فوق الاعتبارات الحزبية والمناطقية والمصالح الضيقة.
وبعد أربعة وأربعين عامًا من تأسيسه، يقف المؤتمر الشعبي العام أمام ذكرى ليست مجرد مناسبة للاحتفال، وإنما محطة للتأمل في مسيرة وطنية وسياسية طويلة، واستحضار ما قدمه المؤتمر لليمن، وما واجهه من تحديات، وما يمكن أن يقدمه في المستقبل في سبيل استعادة الدولة وتعزيز مؤسساتها وتحقيق الأمن والاستقرار.
الميثاق الوطني.. مشروع جامع لليمنيين
شكّل الميثاق الوطني منذ انطلاقة المؤتمر الشعبي العام المرجعية الفكرية والوطنية التي عبّرت عن جملة من المبادئ والأهداف التي ارتبطت ببناء الدولة اليمنية الحديثة، وترسيخ قيم المواطنة والحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة، وتعزيز الوحدة الوطنية.
ولم يكن الميثاق الوطني مجرد وثيقة سياسية، بل مثّل في جوهره محاولة لصياغة رؤية وطنية جامعة تستوعب مختلف مكونات المجتمع اليمني، وتؤكد أن اليمن لا يمكن أن يبنى إلا بالشراكة، واحترام التنوع، والاحتكام إلى المؤسسات والقانون.
ومن هذا المنطلق، ظل المؤتمر الشعبي العام يقدم نفسه باعتباره حزبًا وطنيًا يقوم على الوسطية والاعتدال، ويرفض الغلو والتطرف والإقصاء، ويؤمن بأن الاختلاف السياسي ينبغي أن يكون وسيلة للتنافس في خدمة الوطن، لا سببًا للصراع والاقتتال.
المؤتمر تجربة سياسية.. ارتبطت بمشروع الدولة
خلال مسيرته الممتدة لأكثر من أربعة عقود، ارتبط اسم المؤتمر الشعبي العام بمراحل مهمة من تاريخ اليمن الحديث، وفي مقدمتها التحولات السياسية والتنموية التي شهدتها البلاد، وتجربة التعددية السياسية والحزبية، وإجراء الانتخابات، وتوسيع المشاركة الشعبية في الحياة العامة.
كما ارتبط المؤتمر ارتباطًا وثيقًا بمشروع تحقيق الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990م، التي مثلت حلمًا تاريخيًا لليمنيين، ومحطة مفصلية في تاريخ البلاد والمنطقة.
وقد شكلت الوحدة اليمنية إنجازًا وطنيًا كبيرًا، وأكدت أن اليمنيين قادرون على تجاوز الانقسامات وصناعة مستقبل مشترك عندما تتقدم المصلحة الوطنية على الحسابات السياسية الضيقة.
كما شهدت البلاد خلال مراحل مختلفة من تجربة المؤتمر توسعًا في مؤسسات الدولة، وشق الطرق، وتطوير الخدمات، وإنشاء المؤسسات التعليمية والصحية والإدارية، وتعزيز حضور اليمن في محيطه العربي والإقليمي والدولي.
ورغم أن تقييم التجربة السياسية والتنموية للمؤتمر يظل موضوعًا مفتوحًا للنقاش والنقد، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي الاعتراف بأن المؤتمر كان ولا يزال أحد أبرز الفاعلين السياسيين في تاريخ اليمن المعاصر.