المؤتمر الشعبي العام مراجعة التجربة واستشراف المستقبل
أحمد الخالدي::
في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام نستعيد محطة مهمة من تاريخ الحياة السياسية اليمنية، لا باعتبارها مناسبة للاحتفاء بالماضي فحسب وإنما فرصة للتأمل والمراجعة واستخلاص الدروس التي يمكن أن تسهم في استعادة دور المؤتمر ومكانته الوطنية.
ففي الرابع والعشرين من أغسطس عام 1982م وُلد المؤتمر الشعبي العام كإطار وطني جامع في شمال اليمن آنذاك حاملاً مشروعًا سياسيًا سعى إلى جمع مختلف القوى والاتجاهات الاجتماعية والسياسية تحت مظلة وطنية واحدة بعيدًا عن الاستقطابات الأيديولوجية الحادة التي كانت تحكم المشهد اليمني والإقليمي في تلك المرحلة. ومع قيام الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990م دخل اليمن مرحلة سياسية جديدة، وأُعيد تنظيم الحياة السياسية في إطار دستوري وقانوني أتاح التعددية السياسية وحرية تشكيل الأحزاب والتنظيمات، فتحول المؤتمر الشعبي العام من إطار سياسي جامع إلى حزب سياسي رئيسي ضمن منظومة التعددية الحزبية التي شهدتها الجمهورية اليمنية.
وقد تميز المؤتمر منذ نشأته بأنه لم يقم على أيديولوجية مستوردة أو عقيدة سياسية مغلقة، وإنما استند في جوهره إلى مشروع وطني جامع وميثاق وطني مثّل في حينه محاولة لصياغة رؤية سياسية تستوعب مختلف مكونات المجتمع اليمني. وربما كان ذلك أحد أهم أسباب اتساع قاعدته الشعبية ووصوله إلى قطاعات واسعة من أبناء المجتمع.
غير أن اتساع القاعدة الشعبية والسياسية للمؤتمر حمل معه في ذات الوقت جملة من التحديات التنظيمية التي لم يُحسن الحزب التعامل معها في مراحل مختلفة من مسيرته.
فالمؤتمر باعتباره الحزب الأوسع انتشارًا والأكثر استيعابًا لمختلف الشرائح لم يضع دائمًا ضوابط تنظيمية صارمة تضمن أن يكون الانضمام إليه قائمًا على الإيمان بمبادئه وميثاقه الوطني والالتزام بأهدافه وليس مجرد وسيلة للوصول إلى المواقع والنفوذ. وأدى ذلك في مراحل معينة إلى انتقال عدد من الشخصيات المنتمية سابقًا إلى تيارات وأحزاب سياسية مختلفة إلى مواقع مؤثرة داخل المؤتمر، ثم وصول بعضهم إلى مواقع قيادية في الحزب والدولة في الوقت الذي لم يحظَ فيه كثير من المؤسسين والكوادر المخلصة والشخصيات التي ظلت ثابتة على مبادئ المؤتمر بما تستحقه من رعاية وتأهيل وتمكين.
وليس المقصود من هذه المراجعة التشكيك في كل من انضم إلى المؤتمر من خلفيات سياسية مختلفة، فالمؤتمر بطبيعته الوطنية كان قادرًا على استيعاب مختلف الاتجاهات وهذه ميزة تحسب له وليست عليه. وإنما تكمن المشكلة عندما يتحول الانضمام إلى التنظيم من قناعة سياسية ومشروع وطني إلى وسيلة للارتقاء الشخصي أو الوصول إلى مواقع القرار دون التزام حقيقي بميثاق المؤتمر ومبادئه.
كما أن أحد أوجه الخلل التي ينبغي التوقف عندها هو ضعف الاستثمار في القواعد التنظيمية وخاصةً الشباب وعدم منحهم المساحة الكافية للتأهيل السياسي والتنظيمي والقيادي. فالأحزاب لا تُبنى بالقيادات وحدها وإنما تُبنى بقواعدها ويقاس مستقبل أي تنظيم سياسي بقدرته على صناعة أجيال جديدة من القيادات القادرة على حمل مشروعه والدفاع عنه وتطويره.
ومن الإنصاف في هذه المراجعة ألا تُحمّل مسؤولية ما حدث لشخص واحد فالمسؤولية التنظيمية والسياسية كانت مسؤولية جماعية تتحملها مختلف مستويات القيادة، من الأمناء العامين ومساعديهم وأعضاء اللجنة العامة واللجنة الدائمة ورؤساء ونواب الدوائر التنظيمية ومختلف المستويات التنظيمية التي كان يفترض أن تضطلع بدورها في حماية البناء المؤسسي للمؤتمر وتعزيز حضوره الداخلي.
ففي حين كان الزعيم الراحل علي عبدالله صالح رحمه الله أمام مسؤوليات وطنية كبيرة ومعقدة باعتباره رئيسًا للدولة، وهو ما جعل موقعه يتجاوز الإطار الحزبي الضيق إلى التعامل مع مختلف القوى والمكونات باعتباره رئيسًا للجميع، وقد شهدت تلك المرحلة دعمًا وتعاونًا مع قوى وأحزاب وشخصيات سياسية متعددة، الأمر الذي ينبغي قراءته في سياقه السياسي والتاريخي.
وعندما تفرغ لاحقًا لقيادة المؤتمر الشعبي العام بعد مغادرته رئاسة الدولة عبّرت قيادات داخل الحزب بقولها: “لم نشعر أن علي عبدالله صالح رئيس المؤتمر إلا من الآن” وهي عبارة تختزل حجم التحول الذي طرأ على طبيعة حضوره التنظيمي وتفرغه لقيادة الحزب.
لقد كشفت السنوات الماضية بما حملته من صراعات وانقسامات وتحديات عن أهمية أن يعيد المؤتمر الشعبي العام النظر في بنيته التنظيمية وآليات عمله، وأن ينتقل إلى مرحلة البناء المؤسسي الحقيقي.
كما أن الوفاء للمؤتمر لا يكون بمجرد الاحتفال بذكرى تأسيسه، وإنما بالحفاظ على مشروعه الوطني والبدء بوضع مسودة مشاريع لتصحيح الاختلالات.
إن المؤتمر اليوم بحاجة إلى مراجعة جادة وشجاعة تبدأ بوضع ضوابط واضحة وصارمة للعضوية والقبول والترفيع التنظيمي بحيث تكون الكفاءة والالتزام والقدرة على تحمل المسؤولية هي المعايير الأساسية وليس العلاقات الشخصية أو النفوذ أو القدرة على الوصول إلى مراكز القرار.
كما أن المرحلة تتطلب وضع معايير واضحة لتولي المواقع القيادية وإقرار آليات للمساءلة والانضباط التنظيمي، بحيث تكون هناك جزاءات واضحة بحق كل من يسيء إلى المؤتمر أو يعبث بقراراته أو يستغل موقعه التنظيمي لمصلحة شخصية أو لمصلحة أجندات لا تتفق مع مبادئ الحزب وميثاقه.
ويأتي في مقدمة الأولويات كذلك إعادة الاعتبار للشباب والكوادر المؤهلة وفتح الطريق أمامهم للمشاركة وصناعة القرار من خلال برامج حقيقية للتأهيل السياسي والتنظيمي والقيادي فالشباب ليسوا مجرد قواعد انتخابية أو أرقامًا في قوائم العضوية، وإنما هم مستقبل أي حزب يريد الاستمرار.
كما أن من الضروري إعادة تفعيل الميثاق الوطني باعتباره المرجعية الفكرية والسياسية للمؤتمر وتعزيز الوعي بمضامينه ومبادئه بين الأعضاء حتى لا يصبح الانتماء للمؤتمر مجرد بطاقة عضوية وإنما قناعة ومسؤولية والتزام.
إن المؤتمر الشعبي العام رغم كل ما مر به من أزمات وانقسامات وتحديات، لا يزال وسيظل جزءًا مهمًا من تاريخ الحياة السياسية اليمنية ويمتلك قاعدة وطنية واسعة وتجربة سياسية وتنظيمية لا يمكن تجاوزها. وما يحتاجه اليوم ليس المديح المجرد ولا جلد الذات، وإنما مراجعة صادقة ونقد مسؤول وإصلاح حقيقي وإعادة بناء على أسس مؤسسية.
وبمناسبة ذكرى تأسيسه فإن رسالتنا إلى القيادات والقواعد المخلصة في المؤتمر هي أن مستقبل الحزب لن تصنعه الشعارات، وإنما تصنعه المؤسسة والالتزام والانضباط وتجديد القيادات وتمكين الشباب والوفاء للمبادئ التي تأسس عليها.
وإذا كان المؤتمر قد اختار منذ نشأته أن يكون مظلة وطنية تتسع للجميع، فإن ذلك لا يعني أن يكون بلا ضوابط ولا أن تتحول مرونته السياسية إلى ثغرة ينفذ منها أصحاب المصالح والطموحات الشخصية.
لقد مد المؤتمر يده للسلام والحوار في محطات كثيرة وكان مستعدًا دائمًا للتعامل مع مختلف القوى السياسية وهذه قيمة ينبغي الحفاظ عليها لأن الوطن أكبر، والأحزاب السياسية في نهاية المطاف يجب أن تكون وسيلة لخدمة اليمن واليمنيين لا وسيلة للصراع على السلطة.
في الأخير أننتهز هذه الفرصة لتقديم أصدق التهاني إلى كل القواعد المؤتمرية المخلصة، وإلى كل القيادات المخلصة الوفية التي ظلت وفية للمؤتمر وميثاقه ومشروعه الوطني، وإلى كل من آمن بأن العمل السياسي مسؤولية وطنية قبل أن يكون طريقًا إلى موقع أو منصب.
وكل عام والمؤتمر الشعبي العام بخير، وكل عام واليمن وطنًا واحدًا، آمنًا، مستقرًا، سيدًا على أرضه وقراره.
رحم الله الشهيد المؤسس وأمينه العام وكل رفاقهم الأبطال وكل شهداء الوطن الذين قدموا أرواحهم الطاهره رخيصةً دفاعًا عن اليمن ومشروعه الجمهوري الوطني الخالص، وحفظ الله اليمن وأهله.
الجمعة ١٤ أغسطس ٢٠٢٦م.


