صلاح الطاهري::
حين اهتز الفضاء الرقمي بوقيعة الناشطة ليلى المقطري في رصيف باجل المكلوم، لم يكن الصدى مجرد أنين لامرأة جُرح كبرياؤها في دهليز مليشاوي مظلم، بل كان سقوطاً مدوياً لآخر القلاع الأخلاقية التي تحصّن بها الوجدان اليمني عبر غابر الأزمان.
إنها اللحظة التي تعرّت فيها المليشيا الحوثية من مساحيق القبيلة والشهامة، وظهرت على حقيقتها العارية… مجرد شهوة تسلّط غريزية، وجنوح بنيوي نحو إذلال الإنسان، وهدم الخِدر الذي استعصى على الهتك حتى في أكثر العصور قتامة وظلاماً.
في العمق المنظور لهذه الحادثة، نحن لا نرقب انحرافاً مسلكياً لعنصر أهوج، أو نزقاً طارئاً في نقطة تفتيش معزولة، إننا نقف أمام فلسفة تقويض ممنهجة تمارسها سلالية غازية، تدرك أن تطويع مجتمع عريق كالمجتمع اليمني لا يمر عبر كسر بندقيته فحسب، بل عبر طعن نمطه القيمي وإهدار العيب الأسود الذي مثّل صمام الأمان التاريخي للسلم الأهلي.
إن التحرش بامرأة مسافرة، وقذفها بآسن العبارات العنصرية والطبقية داخل وكرٍ حوثي، هو محاولة واعية لتأميم الكرامة وإحلال ثقافة الاستباحة المطلقة بدلاً من قانون العرف والأنفة اليمانية الأصيلة.
إن المشهد الهزلي الذي تلا الفضيحة، والمتمثل في إخراج مسرحية كبش الفداء عبر الزعم باحتجاز عنصر صغير لامتصاص النقمة الشعبية، يعكس بوضوح عقلية العصابة الحاكمة بالخوف.
هذه الكيانات الطفيلية لا تؤمن بالمحاسبة لأنها لا تملك مفهوماً أصيلاً للمسؤولية، فالقانون في عرفها أداة لتأديب الضحايا وحماية هوامير المشرفين الذين يتدثرون بقداسة السلالة ويتحركون في جغرافيا القبيلة كفاتحين برابرة.
إنهم يقدمون أنصاف الحلول لتوهمهم أن وعي الإنسان اليمني يمكن تخديره ببيان هزيل، غافلين عن أن الجرح الحقوقي إذا غار في كبرياء الأمة، لا تضمده مسكنات البيروقراطية الزائفة.
لقد غدت ليلى المقطري، بدموعها المحتبسة وغصتها القاتلة، لسان حال آلاف الضحايا الصامتات خلف جدران الترهيب وبطش الهراوات.
إن صرخة باجل هي المرآة الصقيلة التي فضحت زيف هذه المليشيا؛ المليشيا التي تنشغل برصد أنفاس الحرائر وتفتيش ضمائر المسافرين، بينما تشرع حواجزها ونقاطها كفخاخ لابتزاز الأبرياء وإذلال الهويات وتفتيت النسيج الوطني على ركائز عرقية ومناطقية بغيضة.
إنها شهادة حية على زمن تحول فيه أدعياء المسيرة إلى مصدر رئيسي لترويع الآمنين وهتك الحرمات وقطع الطرقات.
بيد أن القراءة الحصيفة لحركة التاريخ اليمني تؤكد أن فائض القهر هذا هو نذير الزوال الحتمي.
إن العروش التي تُشيد على أنقاض كرامة النساء، وتقتات على قهر الأحرار، هي كيانات منبتة الجذور، غريبة عن طينة هذه الأرض ونخوتها الضاربة في أعماق سبأ وحمير.
لن يطول
والله لن يطول مقام الهجين السلالي في أرض جُبلت على الأنفة، وستظل صرخة ليلى شرارة وعي عارم يمتص الغضب الصامت في صدور القبائل، ليتحول غداً إلى سيل جارف يقتلع دَرَن الإمامة الجديدة، ويعيد لليمن وجهه المشرق، الحُر، المصون الأعراض والكرامة، مهما تطاول ليل الطغيان وتجبر الجلاد.