أخبار سياسية

رسم خريطة الأمن العالمي عبر مضيق هرمز

متابعات/

تتجاوز تداعيات الأزمة في مضيق هرمز مجرد تقلبات أسعار النفط أو نقص الإمدادات، لتصل إلى إعادة تعريف مفهوم أمن الطاقة العالمي في ظل انقسامات جيوسياسية متزايدة. وبعد أشهر من التوترات وإغلاق أحد أهم الممرات الملاحية الحيوية، كشفت الأزمة عن هشاشة غير مسبوقة للنظام الاقتصادي العالمي أمام نقطة اختناق بحرية تمر عبرها كميات هائلة من السلع الأساسية.

على الرغم من التوصل إلى مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لوقف الحرب وفتح المضيق، أعادت إيران لاحقاً إغلاقه، مشيرة إلى خرق أميركي للعهود. ويشير معهد أكسفورد للطاقة إلى أن الإرث الحقيقي لهذه الأزمة لن يقتصر على ما حدث خلال الأشهر الماضية، بل سيتمثل في تحولات استراتيجية طويلة الأمد تطال سياسات الطاقة والتجارة والأمن العالمي. وقد أدى إغلاق المضيق إلى فقدان الأسواق العالمية كميات ضخمة من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال والبتروكيماويات والأسمدة، مما تسبب في اضطرابات واسعة النطاق امتدت عبر القارات.

في آسيا، التي تعتمد بشكل كبير على الشرق الأوسط لتأمين احتياجاتها النفطية، اضطرت الحكومات إلى اتخاذ إجراءات استثنائية شملت تقنين الوقود وتقليص ساعات العمل وإغلاق بعض المصانع والمدارس، بينما واجه قطاع الطيران أزمة وقود دفعت شركات الطيران إلى تقليص الرحلات ورفع الأسعار. وعلى الرغم من توقعات بوصول أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، أظهر السوق قدرة على امتصاص الصدمة نسبياً بفضل الفائض السابق، لكن خام برنت ظل فوق 100 دولار للبرميل قبل أن يتراجع مع الإعلان عن الاتفاق.

لم تقتصر الصدمة على النفط، بل امتدت إلى الغاز الطبيعي المسال، حيث خرج نحو 20% من الإمدادات العالمية من الخدمة. وتعرضت البنية التحتية للغاز في منطقة الشرق الأوسط لأضرار كبيرة قد تستغرق سنوات لإصلاحها بالكامل. وتشير التقديرات إلى أن قيود الإمدادات، بما في ذلك الألغام البحرية وقيود التأمين، ستستمر في التأثير على الأسواق حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية رسمياً. ونتيجة لذلك، قد تستمر الضغوط على أسواق الطاقة لفترة أطول بكثير من عمر الأزمة العسكرية، مما ينعكس على معدلات التضخم وأسعار الغذاء والنقل والصناعة عالمياً.

أظهرت الأزمة أيضاً حدود قدرة المخزونات الاستراتيجية على التعامل مع صدمة بهذا الحجم، حيث انخفضت المخزونات العالمية بشكل كبير، لتصل مخزونات حكومات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أدنى مستوى لها منذ عام 1990. ويعيد هذا الوضع إلى الأذهان أزمات النفط في سبعينيات القرن الماضي، مؤكداً أن أمن الطاقة لا يزال قضية مركزية في الاقتصاد العالمي، رغم عقود من تطوير الأسواق وزيادة الشفافية وتنويع مصادر الإمداد.

تؤكد أزمة مضيق هرمز أن الطاقة عادت لتصبح أداة رئيسية في الصراعات الجيوسياسية، وأن مجرد التهديد بإغلاق ممر بحري استراتيجي أو استهداف بنية تحتية حيوية يمكن أن يطلق موجات صدمة عالمية. وفي ظل هذه التطورات، يتجه العالم نحو سباق نحو الاكتفاء الذاتي، مع إعادة النظر في نموذج الاعتماد المتبادل الذي هيمن على الاقتصاد العالمي. وتدفع المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الوقود المستورد نحو زيادة الاستثمار في الطاقة المتجددة والكهرباء لتعزيز أمن الطاقة، بالإضافة إلى أهداف المناخ.

محمد عبده

About Author

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *