أخبار سياسية

صرخة الجدران المنسية في تعز.. حين يتحول المنزل المغتصب إلى شاهد على موت القانون

خبر للأنباء/

تتداخل أصوات المآذن في مدينة تعز مع حشرجات البكاء المكتوم لآلاف العائلات التي تقف على أرصفة النزوح القسري وهي تتطلع من بعيد إلى شرفات منازلها المحتلة، حيث تحولت بيوت العمر التي بنيت بجهد السنين وشقاء الاغتراب إلى ثكنات عسكرية ومقار أمنية وملاذات لمسلحين نافذين يحتمون بسطوة السلاح ويمارسون أبشع صور الانتهاك الإنساني، في ظل حرب لم تكتفِ بتدمير البنية التحتية، بل دمرت معها المنظومة الأخلاقية والقانونية التي تحمي المواطن الأعزل وتضمن حقه الأساسي في الاستقرار والعيش الكريم داخل جدرانه الخاصة التي أصبحت اليوم مستباحة ومنهوبة ومحرمة على أصحابها الشرعيين، في واحدة من أكبر المآسي الإنسانية الصامتة التي تشهدها المدينة المحاصرة منذ سنوات طوال من النزاع الدامي الذي لا يبدو له أفق في الأفق القريب.

حين تصبح الملكية الخاصة غنيمة حرب

بدأت فصول هذه المأساة الحقوقية مع اندلاع الشرارة الأولى للمعارك في أحياء تعز المختلفة، حيث اضطر السكان الهروب الجماعي تحت وطأة القصف العشوائي والمواجهات المباشرة، تاركين خلفهم كل ما يملكون على أمل العودة السريعة بعد هدوء العاصفة، غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن البسطاء، إذ سرعان ما تحولت تلك المنازل المهجورة إلى نقاط تمركز استراتيجية ومواقع دفاعية وهجومية للفصائل المسلحة التابعة للمحور العسكري والتشكيلات الأمنية المختلفة التي تقاسمت السيطرة على أحياء المدينة وشوارعها.

ومع مرور الوقت وتحول خطوط التماس إلى واقع شبه دائم استقرت هذه الفصائل في العقارات والفلل الفخمة، وبدأت في تكييفها لتصبح مقار إقامة دائمة للقادة ومراكز قيادة ومخازن سلاح وسجوناً سرية في بعض الأحيان، دون أي اعتبار للقوانين المحلية والتشريعات الدولية التي تجرم بوضوح استهداف الأعيان المدنية أو استخدام الممتلكات الخاصة لأغراض عسكرية في أوقات السلم أو الحرب على حد سواء.

ثمن العودة المستحيل وشروط الإخلاء

لم تتوقف معاناة الملاك عند حد الحرمان من السكن، بل امتدت لتشمل فصولاً قاسية من الابتزاز والمساومة التي يندى لها الجبين، حيث يواجه المواطن الذي يطالب باستعادة بيته سلسلة من العقبات والشروط التعجيزية التي تفرضها القيادات العسكرية والمسلحون المسيطرون على المبنى والذين يطالبون صراحة بمبالغ مالية خيالية تصل إلى عشرات الملايين من الريالات تحت مسميات واهية مثل بدل حراسة أو تعويض عن الترميم والتجهيز والتأثيث الذي قاموا به خلال سنوات الاحتلال، وكأن الضحية مطالب بالدفع للجاني مكافأة على اغتصاب حقه وسرقة ممتلكاته، وفي كثير من الحالات يجد المواطن نفسه عاجزاً عن توفير هذه الفدى المالية المفروضة قسراً، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة وانهيار العملة المحلية وانقطاع المرتبات، مما يجعل فكرة استعادة المنزل حلماً بعيد المنال وأمراً يتجاوز القدرة المالية للعائلات النازحة التي تنفق جل دخلها المحدود في استئجار شقق بديلة بأسعار باهظة ومضاعفة.

قضاء مشلول وأجهزة أمنية عاجزة

تتجلى المعضلة الكبرى في هذا الملف الشائك عند النظر إلى واقع المؤسسة القضائية والأمنية في محافظة تعز والتي تعاني من حالة شلل شبه تام وضعف حاد في فرض سيادة القانون وتطبيق العدالة على الجميع دون تمييز.. ورغم صدور مئات الأحكام القضائية والأوامر الصريحة من النيابة العامة والمحاكم واللجان الأمنية العليا والموجهة إلى قادة الألوية العسكرية بضرورة إخلاء المنازل والمنشآت الخاصة وتسليمها لأصحابها، إلا أن هذه القرارات تظل حبراً على ورق ولا تجد طريقها للتنفيذ الفعلي بسبب رفض القيادات الميدانية التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين بالمدينة الانصياع لأوامر القضاء، وتحديها السافر للسلطة المدنية مستغلة غياب المحاسبة الجنائية وانشغال الدولة بالمعارك الكبرى، ومستندة إلى نفوذها القبلي والحزبي والعسكري الذي يجعلها فوق القانون وفوق المساءلة، في مشهد يكرس غياب الدولة ويقوض أركان الاستقرار والسلم المجتمعي الذي لا يمكن تحقيقه في ظل استمرار سياسة الإفلات من العقاب وحماية المجرمين والناهبين.

طمس الهوية الاجتماعية للمدينة

إن استمرار احتلال المنازل في مدينة تعز يمثل طعنة في خاصرة النسيج الاجتماعي للمدينة وتدميراً ممنهجاً للقيم التعايشية التي عرفت بها عاصمة الثقافة اليمنية عبر التاريخ، حيث تسهم هذه الظاهرة في تعميق الشروخ والاحتقانات بين أبناء المجتمع الواحد، وتولد شعوراً مريراً بالقهر والظلم والاضطهاد لدى الضحايا الذين يرون النافذين يتنعمون في غرف نومهم ويجلسون في مجالسهم بينما هم يتجرعون مرارة الفقر والنزوح والتشرد والمهانة في مخيمات اللجوء أو في شقق الضواحي الضيقة وتحت وطأة الديون المتراكمة، كما أن تسليم بعض المنازل بعد جولات مريرة من الضغط الحقوقي والإعلامي يأتي غالباً بعد أن تكون قد تعرضت لعمليات نهب شاملة طالت الأبواب والنوافذ والأسلاك الكهربائية والأدوات الصحية لتعود البيوت إلى أصحابها مجرد هياكل أسمنتية خاوية وجروح مفتوحة تتطلب مبالغ طائلة لإعادة تأهيلها وجعلها صالحة للحياة الآدمية من جديد.

مبادرات حقوقية خجولة تصطدم بجدار الصمت

لم يقف المجتمع المدني والناشطون الحقوقيون في تعز مكتوفي الأيدي أمام هذه الانتهاكات المستمرة، بل خاضوا معارك إعلامية وحقوقية متواصلة ونظموا عشرات الوقفات الاحتجاجية أمام مبنى المحافظة ومقار الألوية العسكرية للمطالبة بإنهاء هذا الملف الإنساني المؤجل، ورفع المعاناة عن كاهل الملاك، وبثوا الشكاوى والمناشدات العاجلة إلى مجلس القيادة الرئاسي ورئاسة الحكومة ووزارة الدفاع والمنظمات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان.. ولكن كل هذه الجهود والصرخات والبيانات والتقارير الموثقة بالأدلة والأسماء تصطدم دائماً بجدار صلب من الصمت واللامبالاة من قبل الجهات الرسمية التي تكتفي بإصدار الوعود والتوجيهات الفضفاضة وتشكيل اللجان المؤقتة التي سرعان ما تذوب وتتلاشى دون تحقيق أي تقدم ملموس على الأرض، ليبقى الملف معلقاً ومؤجلاً تتقاذفه الأهواء السياسية والمصالح الحزبية الضيقة على حساب آلام المواطنين وعذاباتهم اليومية.

الطريق نحو استعادة العدالة

إن فتح ملف المنازل المحتلة في تعز وإغلاقه بشكل نهائي وعادل لم يعد مجرد مطلب حقوقي عابر أو قضية مدنية محلية بل أضحى اختباراً حقيقياً ومصيرياً لمدى جدية ومصداقية السلطة المحلية ومجلس القيادة الرئاسي في فرض هيبة الدولة وإعادة الاعتبار لسيادة القانون وتحقيق العدالة الانتقالية وبناء المؤسسات الأمنية والعسكرية على أسس وطنية ومهنية بعيداً عن الولاءات الشخصية والحزبية.

ولن يتأتى ذلك إلا من خلال اتخاذ قرارات شجاعة وحاسمة تتضمن تقديم القادة والمسلحين الرافضين للإخلاء إلى المحاكم العسكرية ومحاكمتهم بتهمة غصب العقارات والتمرد على قرارات القضاء وتوفير التعويضات العادلة للمتضررين عن سنوات الحرمان والنهب، وتشكيل قوة أمنية خاصة ومستقلة لتنفيذ قرارات الإخلاء بالقوة الجبرية إذا لزم الأمر، فالبيوت ليست مجرد أحجار وأسمنت، بل هي كرامة الإنسان وملاذه الآمن، وإذا سقطت كرامة المواطن في منزله سقطت معها شرعية كل الجهات التي تدعي تمثيله وحمايته والتحدث باسمه.

محمد عبده

About Author

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *