مقالات وأراء

إصلاح التعليم في اليمن.. معركة المستقبل التي لا تحتمل التأجيل

د. عادل الشجاع::

في خضم الحرب الطويلة التي أنهكت اليمن ومزقت نسيجه الاجتماعي وأضعفت مؤسسات الدولة، تطرق الدكتور نجيب عسكر لقضية تعد واحدة من أكثر القضايا إلحاحا وأهمية وهي قضية إصلاح التعليم، ليس فقط باعتبارها خدمة عامة، بل بوصفها معركة وطنية تتعلق بمستقبل اليمن وهويته وقدرته على النهوض من جديد.

لقد تجاوزت آثار الصراع حدود الدمار المادي والاقتصادي، لتصل إلى الإنسان اليمني نفسه، وخاصة الأجيال الناشئة. فملايين الأطفال والشباب وجدوا أنفسهم أمام واقع قاس حرمهم من حقهم الطبيعي في التعليم، أو دفعهم إلى تلقي تعليم مشوه ومسيس يخضع لحسابات الصراع وأجنداته المختلفة. وبدلا من أن تكون المدرسة مساحة لبناء المعرفة والمواطنة، أصبحت في بعض المناطق ساحة للصراع الفكري والتعبئة الأيديولوجية.

وتزداد خطورة الأمر عندما يأخذ الصراع أبعادا سلالية أو مناطقية تهدد مفهوم المواطنة المتساوية، وتعمل على إعادة إنتاج الانقسامات داخل المجتمع. فالتعليم ليس مجرد عملية نقل للمعرفة، بل هو الأداة الأهم لبناء الوعي الجمعي وصياغة الهوية الوطنية. وعندما تتعرض المناهج أو المؤسسات التعليمية للتوظيف السياسي أو الطائفي، فإن الضرر لا يقتصر على جيل واحد، بل يمتد لعقود طويلة ويهدد أسس الدولة الحديثة.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه اليمن بصراعاته الداخلية، يشهد العالم تحولات غير مسبوقة تقودها الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي. فالدول اليوم تتنافس على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا، وتستثمر مليارات الدولارات في تطوير التعليم والبحث العلمي والابتكار، بينما يواجه جزء كبير من أطفال اليمن تحديات تتعلق بالحصول على مقعد دراسي أو كتاب مدرسي أو معلم مؤهل.

إن الفجوة بين ما يعيشه العالم وما يعيشه اليمن تتسع يوما بعد يوم. وإذا لم يتم التعامل مع التعليم باعتباره أولوية وطنية عاجلة، فإن اليمن لن يخسر سنوات من التنمية فحسب، بل قد يخسر جيلا كاملا يجد نفسه غير قادر على المنافسة في عالم جديد تحكمه المعرفة والمهارات الرقمية والقدرة على التكيف مع التطورات التكنولوجية المتسارعة.

ولهذا كان إدراك الدكتور نجيب إلى أن إصلاح المنظومة التعليمية يجب أن يكون مشروعا وطنيا شاملا يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة. يبدأ ذلك بإعادة الاعتبار للمدرسة كمساحة للعلم لا للصراع، وتطوير المناهج بما يعزز قيم المواطنة والتفكير النقدي والتسامح واحترام التنوع، والاستثمار في تأهيل المعلمين وتحسين أوضاعهم، وتوسيع فرص التعليم الرقمي، وربط مخرجات التعليم باحتياجات التنمية وسوق العمل.

كما أن أي مشروع حقيقي لاستعادة الدولة اليمنية لا يمكن أن ينجح دون إصلاح جذري للتعليم. فالدولة الحديثة لا تبنى بالسلاح وحده، ولا بالاتفاقات السياسية فقط، وإنما تبنى بالعقول القادرة على الإدارة والإنتاج والإبداع. والتعليم هو المصنع الحقيقي لهذه العقول.

إن اليمن اليوم بحاجة إلى رؤية وطنية تجعل من التعليم قضية سيادية لا تقل أهمية عن الأمن والاستقرار. فالمعركة الحقيقية ليست فقط معركة استعادة الأرض أو السلطة، بل معركة استعادة الإنسان اليمني نفسه، وتأهيله ليكون قادرا على العيش والمنافسة في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.

فإذا كانت الحروب تصنع الأزمات، فإن التعليم وحده هو القادر على صناعة المستقبل. ومن هنا فإن إصلاح المنظومة التعليمية ليس خيارا يمكن تأجيله، بل ضرورة وطنية تمثل حجر الأساس لأي مشروع جاد لإنقاذ اليمن وبناء دولته الحديثة. أبارك هذا الجهد العلمي وأدعو إلى تبنيه على المستوى الرسمي،لكي نواجه المستقبل بجيل متسلح بالعلم والمعرفة.

محمد عبده

About Author

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *