“مهيوبة لا مضروبة”.. إيران وأذرعها بين النفوذ والاستنزاف
أ.د. عبدالوهاب العوج::
يختزل المثل اليمني الشهير “مهيوبة لا مضروبة” جانباً مهماً من طبيعة القوة في السياسة والعلاقات الدولية، فهناك قوى تستمد جزءاً كبيراً من نفوذها من الصورة الذهنية التي ترسخها لدى الخصوم والحلفاء أكثر مما تستمده من الاستخدام الفعلي للقوة. لكن هذه الهيبة تصبح عرضة للاهتزاز عندما تدخل تلك القوى في مواجهات مفتوحة تتجاوز حساباتها الدقيقة أو تتعرض لاختبارات ميدانية تكشف حدود قدراتها الحقيقية.
على مدى أكثر من أربعة عقود عملت إيران على بناء مشروع نفوذ إقليمي واسع انطلق من مبادئ الثورة الإيرانية عام 1979، وتطور تدريجياً عبر شبكة من التحالفات والقوى المسلحة التي امتدت من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن. وقد وفرت هذه الشبكة لطهران ما أسمته “العمق الاستراتيجي”، الذي مكنها من التأثير في العديد من الملفات الإقليمية، ومنحها قدرة على المناورة في مواجهة الضغوط الدولية والعقوبات الاقتصادية.
غير أن الأحداث التي شهدتها المنطقة منذ حرب غزة وما أعقبها من مواجهات وتصعيد عسكري كشفت أن المحافظة على هذا النفوذ أصبحت أكثر تكلفة وتعقيداً من السابق. فبعد سنوات من تمدد النفوذ الإيراني في المشرق العربي وشبه الجزيرة العربية، انتقلت المواجهة من مرحلة إدارة النفوذ عبر الوكلاء إلى مرحلة أصبحت فيها إيران نفسها هدفاً مباشراً للضربات والضغوط العسكرية والسياسية.
وقد تعرض حزب الله في لبنان لضربات مؤثرة استهدفت قياداته وبنيته العسكرية، كما تعرضت فصائل مسلحة مرتبطة بإيران في أكثر من ساحة إقليمية لضغوط متزايدة. ومع انتقال المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة، بدأ يبرز سؤال استراتيجي مهم: هل تحولت سياسة التوسع الإقليمي من مصدر قوة إلى مصدر استنزاف طويل الأمد؟
إن المتابع للمشهد الإيراني يلاحظ وجود فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي والإعلامي الذي يركز على الانتصارات والصمود والمواجهة، وبين الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه المواطن الإيراني. فالعقوبات الاقتصادية الممتدة منذ سنوات، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم، وانخفاض القوة الشرائية للمواطنين، كلها عوامل خلقت تحديات داخلية متزايدة أمام صناع القرار في طهران.
وينطبق الأمر ذاته بدرجات متفاوتة على العديد من الساحات المرتبطة بالمشروع الإيراني. ففي لبنان يعيش المواطن واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية في تاريخ البلاد الحديث، بينما يعاني اليمن من حرب ممتدة أرهقت المجتمع والدولة والاقتصاد، كما يواجه العراق تحديات تنموية واقتصادية وسياسية معقدة رغم ما يمتلكه من موارد وإمكانات كبيرة.
ولهذا السبب بدأت قطاعات واسعة من الرأي العام في هذه الدول تطرح تساؤلات متزايدة حول العلاقة بين استمرار الصراعات الإقليمية وبين تراجع فرص التنمية والاستقرار وتحسين مستوى المعيشة. فكلما ارتفعت كلفة المواجهات العسكرية، تراجعت الموارد المتاحة للاستثمار في الاقتصاد والبنية التحتية والخدمات الأساسية.
ويمثل حزب الله نموذجاً واضحاً لهذه التحولات. فالحزب الذي نجح خلال العقود الماضية في ترسيخ صورته كقوة عسكرية مؤثرة داخل لبنان والمنطقة، وخصوصاً بعد حرب 2006، يواجه اليوم بيئة سياسية وأمنية مختلفة تماماً عما كانت عليه في العقدين الماضيين. فإلى جانب الخسائر العسكرية والبشرية، تتزايد الضغوط الداخلية المطالبة بإعادة الاعتبار لدور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وحصر السلاح بيد الدولة باعتباره أحد متطلبات الاستقرار السياسي والاقتصادي.
وفي العراق، ما تزال العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة تمثل تحدياً محورياً أمام عملية بناء مؤسسات قوية قادرة على فرض سيادة القانون. فرغم النجاحات التي حققتها الحكومات العراقية في استعادة جزء كبير من سلطة الدولة، إلا أن استمرار تعدد مراكز القوة المسلحة يظل أحد أبرز التحديات التي تواجه استقرار العراق على المدى البعيد.
أما في اليمن، فإن أي تسوية سياسية مستقبلية لن تكون قادرة على تحقيق سلام مستدام ما لم تتناول بصورة شاملة قضايا السلاح والسلطة والنفوذ الاقتصادي والسياسي ضمن إطار وطني جامع يضمن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء حالة الانقسام المستمرة منذ سنوات.
كما أن التحولات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة أعادت رسم جزء مهم من معادلات النفوذ الإقليمي. فقد مثلت سوريا لعقود حلقة الوصل الجغرافية والسياسية بين إيران وحلفائها في لبنان، وأي تغيرات جوهرية في المشهد السوري تنعكس بصورة مباشرة على شبكة التوازنات الإقليمية بأكملها. ولذلك فإن مستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة سيبقى مرتبطاً بدرجة كبيرة بمسار التطورات في الساحة السورية.
وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة حريصة على المحافظة على حضورها الاستراتيجي في الخليج العربي والبحر الأحمر ومضيق هرمز وباب المندب، باعتبار هذه المناطق تمثل شرايين حيوية للتجارة الدولية وأمن الطاقة العالمي. كما أن التنافس المتصاعد مع الصين وروسيا يجعل من الصعب تصور انسحاب أمريكي كامل من المنطقة خلال المستقبل المنظور.
ومن هذا المنطلق، فإن السياسة الأمريكية لا تقتصر على مواجهة البرنامج النووي الإيراني أو الحد من القدرات الصاروخية فحسب، بل ترتبط أيضاً بإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية التي سمحت لإيران بتوسيع نفوذها الإقليمي خلال العقود الماضية. ولذلك فإن الضغوط التي تتعرض لها طهران اليوم لا يمكن فصلها عن رؤية أمريكية أوسع تهدف إلى إعادة رسم توازنات القوة في الشرق الأوسط.
كما أن دول مجلس التعاون الخليجي أصبحت تنظر إلى استقرار المنطقة من زاوية ترتبط بالتنمية الاقتصادية والتحول نحو الاقتصادات المتنوعة وجذب الاستثمارات العالمية. ولذلك فإن استمرار الصراعات المسلحة يشكل تهديداً مباشراً لمشاريع التنمية الإقليمية الكبرى التي تسعى هذه الدول إلى تحقيقها خلال العقود القادمة.
وفي خضم هذه التطورات، تبدو إسرائيل أحد الأطراف التي استفادت من حالة الاستنزاف التي تعرضت لها القوى المناوئة لها في المنطقة. فقد ساهمت المواجهات المستمرة في إضعاف بعض خصومها العسكريين واستنزاف مواردهم وإشغالهم بأزمات داخلية وإقليمية متعددة. غير أن ذلك لا يعني أن إسرائيل أصبحت بمنأى عن التحديات الأمنية، لأن استمرار حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط يبقي احتمالات التصعيد والمواجهة قائمة بصورة دائمة.
إن ما تشهده المنطقة اليوم يعكس حقيقة أساسية مفادها أن القوة ليست مجرد امتلاك للسلاح أو النفوذ العسكري، بل هي أيضاً قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية وتحسين حياة المواطنين. وعندما تتراجع هذه العناصر لصالح الصراعات الممتدة والشعارات المرتفعة، فإن أي مشروع إقليمي يصبح معرضاً للدخول في دائرة الاستنزاف التدريجي مهما بلغت قوته العسكرية أو اتسعت مساحة نفوذه.
وفي ضوء هذه المتغيرات، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة تموضع سياسي واستراتيجي قد تؤدي إلى تعزيز دور الدولة الوطنية ومؤسساتها على حساب الفاعلين المسلحين غير الحكوميين، أو قد تفتح الباب أمام جولة جديدة من الصراعات وإعادة تشكيل التحالفات. وفي الحالتين، فإن السنوات القادمة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل النفوذ الإيراني ومستقبل التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط بأكمله.
- أكاديمي ومحلل سياسي يمني. جامعة تعز.



